ملخص
تشير تقديرات المجلس القومي لرعاية الطفولة في السودان إلى أن 71 في المئة من الأطفال باتوا عرضةً لأخطار متعددة، في ظل نزوح واسع وتراجع قدرة الأسر على الصمود. وبين الاستجابات المحدودة وتعقيد الواقع، تلوح أزمة طفولة قد تمتد آثارها لعقود.
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على الأرض أو السلطة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية تضرب عمق المجتمع، إذ يقف الأطفال في قلب هذه المأساة بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة. فمنذ أبريل (نيسان) 2023، تتسع دائرة التأثير لتشمل التعليم والحماية والرعاية، مهددةً بإنتاج جيل نشأ في بيئة من الانقطاع والاضطراب.
وتشير تقديرات المجلس القومي لرعاية الطفولة في السودان إلى أن 71 في المئة من الأطفال باتوا عرضةً لأخطار متعددة، في ظل نزوح واسع وتراجع قدرة الأسر على الصمود. وبين الاستجابات المحدودة وتعقيد الواقع، تلوح أزمة طفولة قد تمتد آثارها لعقود.
فاقد تعليمي
لم يعد التعليم في السودان مجرد حق معطل، بل تحول إلى حلم مؤجل لجيل كامل يعيش خارج أسوار المدارس. وفي ظل الحرب، تتآكل العلاقة بين الطفل والمعرفة، ويصبح البقاء أولوية تتقدم على التعلم.
يقول الباحث التربوي صالح ساتي، إن "المشكلة في السودان اليوم ليست فقط أن الأطفال خارج المدارس، بل أننا أمام جيل فقد العلاقة مع فكرة التعليم نفسها. نحن نتحدث عن ملايين الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة لفترات طويلة، بعضهم لعامين أو أكثر، وهذا كفيل بأن يخلق فجوة يصعب ردمها لاحقاً. ففي المراكز التي أعمل بها، أرى أطفالاً في سن العاشرة لا يستطيعون القراءة بطلاقة، وآخرين فقدوا الدافعية بالكامل، لأن التعليم بالنسبة لهم لم يعد أولوية في ظل واقع يومي قائم على البقاء".
وتابع ساتي أن "الأرقام التي نتداولها مثل خروج نحو 70 في المئة من الأطفال في مناطق النزاع من النظام التعليمي ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس انهياراً فعلياً في البنية التعليمية. فالمدارس إما دُمرت أو تحولت إلى مراكز إيواء، والمعلمون أنفسهم نزحوا أو توقفوا عن العمل لعدم وجود رواتب. حتى حين نحاول إنشاء مساحات تعليم موقتة، نصطدم بنقص الموارد وعدم الاستقرار".
وبيّن ساتي أن "الأخطر من ذلك أن طول فترة الانقطاع يدفع الأطفال إلى مسارات بديلة، كالدخول المبكر إلى سوق العمل أو تحمّل مسؤوليات أسرية، ما يجعل العودة إلى التعليم لاحقاً أكثر صعوبة، بالتالي نحن لا نخسر سنوات دراسية فقط، بل نخسر رأس مال بشرياً كاملاً".
ويرى الباحث التربوي أن "الحل لا يمكن أن يكون تقليدياً، فإننا بحاجة إلى نماذج تعليم مرنة، تعتمد على المجتمع المحلي، وتدمج الدعم النفسي مع التعلم. فالطفل الذي عاش تجربة نزوح أو عنف لا يمكن أن يعود للتعلم بنفس الأدوات القديمة. إذا لم نتدخل الآن بشكل مختلف، سنواجه مستقبلاً جيلاً غير مؤهل للمشاركة في إعادة بناء بلده".
عمالة أطفال
تدفع الأزمات الاقتصادية المتفاقمة بالأطفال إلى سوق العمل مبكراً، إذ يتحولون من متلقين للرعاية إلى معيلين لأسرهم. وبين الحاجة والاستغلال، تضيع طفولتهم في مسارات قاسية يصعب الفكاك منها.
في هذا السياق، يشير المحلل الاقتصادي عادل علي إلى أنه، "عندما نتحدث عن عمالة الأطفال في السودان اليوم، يجب أن نفهمها في سياقها الأوسع، فهي ليست خياراً بقدر ما هي نتيجة مباشرة لانهيار الاقتصاد الأسري. فخلال الأشهر الماضية، فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها، سواء بسبب النزوح أو توقف الأنشطة الاقتصادية، وهذا دفعها إلى البحث عن أي وسيلة للبقاء، بما في ذلك الاعتماد على الأطفال".
وتابع علي أن، "التقديرات التي تشير إلى أن 14 في المئة من الأطفال دخلوا سوق العمل تعكس فقط الجزء الظاهر من الظاهرة. لكن الواقع أكبر من ذلك بكثير، لأن كثيراً من الأطفال يعملون في أنشطة غير رسمية لا يتم رصدها، إذ نراهم في الأسواق، وفي الورش، وفي الشوارع، وغالباً في ظروف غير آمنة تماماً".
وأردف، "ما يقلقني ليس فقط الأخطار المباشرة، مثل الإصابات أو الاستغلال، بل التأثير طويل المدى. فالطفل الذي يعمل بدلاً من أن يتعلم، يدخل في دائرة يصعب الخروج منها، إذ يتكرر الفقر عبر الأجيال. نحن هنا لا نتحدث عن أزمة موقتة، بل عن إعادة إنتاج الفقر على نطاق واسع".
ولفت إلى أنه، "لا يمكن أن نطلب من أسرة تعاني الجوع أن تمنع طفلها من العمل من دون تقديم بديل. لذلك، أرى أن الدعم النقدي المباشر للأسر هو خطوة أساسية، إلى جانب ربطه بالتعليم، بحيث يصبح بقاء الطفل في المدرسة خياراً مجدياً اقتصادياً للأسرة".
ومضى المحلل الاقتصادي بالقول، "لا بد من تفعيل القوانين، لكن بشكل متوازن، على أن يأخذ في الاعتبار الواقع المعاش. والأهم هو بناء نظام حماية اجتماعية متكامل، لأن التعامل مع عمالة الأطفال كظاهرة منفصلة لن يكون كافياً في ظل هذا الانهيار الاقتصادي".
تجنيد قسري
في بيئة يغيب فيها الأمان، يصبح بعض الأطفال عرضةً للانخراط في دوائر العنف، بحثاً عن حماية أو انتماء. هكذا تتلاشى الحدود بين الطفولة والنزاع، ويُدفع الصغار إلى أدوار تفوق أعمارهم.
يوضح المتخصص في قضايا النزاعات وحماية الأطفال فارس محمد أن "أحد أخطر ما نواجهه في النزاعات الممتدة هو تآكل الحدود بين الطفولة والعنف. في السودان، ومع اتساع رقعة الصراع، أصبح بعض الأطفال عرضة للتجنيد، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوار مساندة".
واستطرد، "التقديرات تشير إلى أن 10 في المئة من الأطفال المعرضين للخطر قد يواجهون احتمالات التجنيد مما يعكس بيئة هشة للغاية. أما الأطفال الذين فقدوا أسرهم، أو يعيشون في مناطق تغيب فيها الدولة، يصبحون أكثر عرضةً للاستقطاب. وفي بعض الحالات، يكون الدافع اقتصادياً، وأحياناً يكون الدافع اجتماعياً أو حتى نفسياً، حيث يبحث الطفل عن شعور بالانتماء أو الحماية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى محمد أن "ما يجعل هذه الظاهرة مقلقة هو آثارها العميقة. فالطفل الذي يتعرض لتجربة عنف مسلح يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على العودة إلى حياة طبيعية. وفي نظري أن إعادة دمج هؤلاء الأطفال تتطلب برامج معقدة وطويلة الأمد، تشمل الدعم النفسي والتعليم وإعادة التأهيل الاجتماعي".
وزاد، "من واقع تجربتي، أرى أن الوقاية هي المفتاح. فإذا استطعنا توفير بدائل تعليم، ودعم اقتصادي، وبيئة آمنة نقلل من احتمالات انخراط الأطفال في النزاع. كذلك، يلعب المجتمع المحلي دوراً مهماً في الحماية، من خلال مراقبة الأطفال المعرضين للخطر وتوفير شبكة دعم لهم".
وخلص المتخصص في قضايا النزاعات وحماية الأطفال إلى القول، "يجب أن نكون واقعيين، فهذه المشكلة مرتبطة بجوهر النزاع نفسه. لذلك، أي حلول ستكون جزئية ما لم يتم التوصل إلى تسوية أوسع. ومع ذلك، لا يمكن الانتظار، لأن كل يوم يمر يعني مزيداً من الأطفال المعرضين لهذا المسار".
تفكك الحماية
مع النزوح والتشظي الأسري، يفقد آلاف الأطفال شبكات الحماية الأساسية التي توفرها الأسرة. وفي هذا الفراغ، تتضاعف هشاشتهم، ويواجهون أخطاراً متعددة تهدد نموهم النفسي والاجتماعي.
تقول الاختصاصية الاجتماعية ناهد صلاح إنه "من أصعب المشاهد التي نواجهها اليوم هي الأطفال الذين فقدوا أسرهم، ليس فقط بسبب الوفاة، بل أيضاً نتيجة النزوح والتفكك الأسري. فهؤلاء الأطفال يعيشون في حالة من الهشاشة المركبة، لأنهم فقدوا المصدر الأساس للحماية".
وأكدت أن "النسب قد تبدو صغيرة، إلا أنها تمثل آلاف الأطفال الذين يواجهون أخطاراً كبيرة، من الاستغلال إلى الإهمال. وفي غياب الأسرة، يصبح الطفل أكثر عرضةً لأي شكل من أشكال الانتهاك، كذلك يتأثر نموه النفسي والاجتماعي بشكل عميق".
وواصل صلاح أن "المؤسسات الإيوائية تلعب دوراً مهماً، لكنها ليست حلاً مثالياً. ففي كثير من الحالات، تعاني هذه المؤسسات من نقص الموارد، ولا تستطيع توفير بيئة شبيهة بالأسرة. الطفل يحتاج إلى روابط إنسانية مستقرة، وليس فقط إلى مأوى".
وأردف، "لذلك، أرى أن التركيز يجب أن يكون على بدائل الرعاية الأسرية، مثل الكفالة المجتمعية أو الأسر البديلة. كذلك، فإن دعم الأسر الممتدة كالعمات والخالات يمكن أن يكون حلاً أكثر استدامة، لأنه يحافظ على الروابط الاجتماعية".
وختمت الاختصاصية الاجتماعية حديثها قائلةً، "نحن بحاجة إلى توسيع خدمات الرعاية، سواء الصحية أو النفسية، لأن كثيراً من هؤلاء الأطفال يعانون صدمات عميقة. فالاستثمار في حمايتهم ليس عملاً إنسانياً فقط، بل هو استثمار في استقرار المجتمع نفسه. فإذا تُرك هؤلاء الأطفال من دون دعم، فإننا نؤجل أزمة أكبر إلى المستقبل".