ملخص
الفقر في غزة لم يعد مجرد قلة مال أو عوز غذاء، إذ أعادت الحرب هندسة المجتمع بالكامل وأفرزت فقراً مركباً يتجاوز المؤشرات الاقتصادية الكلاسيكية، من فقر المكان والخصوصية إلى فقر الشهادات والأصول المدمرة.
على تلة ركام كانت حتى وقت قريب حياً سكنياً نابضاً بالحياة في غزة، يقف الشاب العشريني أحمد واضعاً أمامه قطعة قماش مهترئة يفترش بها الأرض، لم يكن يبيع معلبات إغاثية أو خضراوات شحيحة، بل كان يعرض مقتنيات عائلته الأكثر حميمية: معطف صوف شتوي لوالده، وساعة يد نحاسية قديمة، وشهادة تخرجه الجامعية المبروزة التي نجت بأعجوبة من تحت الأنقاض.
في سوق النزوح المشوه هذا، لا يبحث أحمد عن أوراق نقدية تآكلت قيمتها الشرائية أمام التضخم، بل يقايض تاريخ عائلته العاطفي والمعرفي برأسمال جديد فرضته الحرب، ويريد أن يبدلها على ربطة خبز وثلاث ليترات من مياه الشرب.
تلاشت خطوط الفقر
هذا المشهد الصادم لم يعد مجرد قصة عوز عابرة، بل هو واجهة ما أفرزته الحرب من أنماط جديدة من الحرمان تتجاوز المفهوم التقليدي لفقر الدخل والمال، إذ أعاد القتال العسكري هندسة المجتمع بالكامل.
في القطاع المحاصر تلاشت الخطوط الفاصلة بين الفقر نفسه، فسقطت عائلات كانت من طبقة الفقراء لتصبح في طبقة الفقر المدقع وباتوا محرومين من السكن والكرامة.
وفي طبقة أعمق، يقبع فقراء الإغاثة المزمنة الذين تحولوا إلى الاعتماد المطلق على طوابير التكايا الإنسانية، بينما تبرز الطبقة الأكثر سحقاً ممثلة في فقر الحماية للأرامل والأطفال بلا معيل، والذين يتقاسمون مع جيل كامل فقر المعرفة والأمل جراء حرمان الطلاب من مقاعد الدراسة لسنوات متتالية.
فقر النزوح
لم يعد الفقر في غزة مجرد مؤشر مالي على قلة الحيلة الشرائية، بل تحول بقرار حرب إلى أداة لإعادة هندسة طبقات المجتمع، وهو ما أكده وكيل وزارة التنمية الاجتماعية رياض البيطار إذ يقول "الفقر يعني المقايضة الصفرية الشاملة بين الكرامة والتعليم والمأوى، وبات مجرد البقاء على قيد الحياة أسمى أمنيات الغزيين".
تجاوز الفقر مجرد أزمة عوز عابرة، ليوثق تحولاً بنيوياً هو الأخطر في تاريخ قطاع غزة الاقتصادي، فالأمر لم يعد مقتصراً على الفقر المدقع التقليدي المتمثل في نقص الدخل المالي، بل تجاوزه إلى ولادة فقر مركب ومتعدد الطبقات والأبعاد نسف الأمان الهيكلي للمجتمع بالكامل.
يضيف البيطار "أفرزت الحرب فقر النزوح الذي جرد ملايين المواطنين من أصولهم ومنازلهم، وفقر الشهادات الذي أذاب الفوارق الطبقية وألحق العاملين والأكاديميين بطوابير المساعدات، وصولاً إلى فجوة الإغاثة الحادة التي جعلت البقاء البيولوجي رهناً بشبه انعدام الإمدادات الشحيحة عبر المعابر".
ويوضح البيطار أن قراءة واقع غزة بعد الحرب تتطلب تجاوز المؤشرات المالية الكلاسيكية، والذهاب نحو فهم أعمق لفقر الكرامة والمأوى والمعرفة، الذي يعيد رسم مستقبل القطاع من نقطة الصفر.
بلا فوارق اجتماعية
وراء مقايضة أحمد القاسية، يتوارى النمط المستحدث من الحرمان الذي سحق شبكات الأمان الهيكلية، منتجاً ظواهر غير مألوفة من الفقر على المجتمع الغزي، إذ تحول من حالة عوز اقتصادي يمكن علاجه بالوظائف، إلى حرمان شامل مما جعل العيش في غزة محكوماً بمتغيرات لا تقيسها المؤشرات التقليدية.
يشير البيطار إلى أن "نسبة الفقر تجاوزت عتبة 90 في المئة بالتزامن مع انهيار شبه كامل للأنشطة الاقتصادية"، ويوضح التبدل الهيكلي في بنية العوز قائلاً "فئة أفقر الفقراء توسعت بصورة هائلة بعد الحرب، نتيجة فقدان مصادر الدخل وتدمير المنازل وتعطل الأسواق".
ذابت الفوارق الاجتماعية في غزة تماماً، وهذا ما جاء في تقرير البنك الدولي حول الواقع الفلسطيني أن "نسبة الفقر الفعلي والتضخم تجاوزت حدوداً كارثية، جعلت المجتمع بأكمله يرزح تحت نمط حرمان جماعي".
خريطة الفقر
لم تعد خطوط الفقر في غزة تفصل بين من يملك المال ومن يفتقره، ولكنها تحولت تحت وطأة الدمار الشامل إلى هندسة أفرزت خريطة مستحدثة للفقر تضم طبقات جديدة من العوز الهيكلي، يتباين فيها شكل الحرمان وعمقه.
أول أشكال الفقر، هو فقر العمل، وتبرز هذه الظاهرة بصورة صارخة بين الموظفين والعاملين الذين يمتلكون وظائف كاملة أو يتلقون أنصاف رواتب، الفقر لديهم يتجسد في أن الجهد المبذول والراتب المقبوض يعجزان تماماً عن تغطية كلفة السلة الغذائية الأساسية الناتجة من التضخم واحتكار الأسواق.
يقول الأستاذ معتصم، وهو معلم مدرسة يتلقى دفعة راتب جزئية، "أعمل طوال الشهر، لكن راتبي ينتهي في أول يومين بمجرد شراء كيس دقيق وليتر زيت طهي في السوق السوداء، نحن نعمل لنظل جائعين".
أما الشكل الثاني للفقر فهو فقر المعرفة والشهادات والانهيار الاقتصادي للتعليم، ويتمثل هذا النمط في انهيار العائد الاقتصادي والتنموي للشهادة الجامعية والتحصيل العلمي، إذ لم تعد الشهادة حامية من الجوع بل تحولت إلى عبء نفسي.
يشرح الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر هذا التحول قائلاً "أنتجت الحرب نوعاً من فقر الأمل المعرفي، إذ يتساوى الطبيب والمهندس مع العامل غير الماهر في طوابير الإغاثة، مما أفقد الشباب الإيمان بجدوى التعليم، بعد أن عجزت شهاداتهم العليا عن حمايتهم من العوز ولم توفر لهم فرص ووظائف مناسبة تحميهم من العوز".
أشكال مختلفة للفقر
والشكل الثالث للفقر، هو فقر الأصول المفقودة، ويتعلق هذا النمط بعائلات كانت تمتلك عقارات وأراضي زراعية ومنشآت تجارية كبرى جرى تدميرها بالكامل وتحويلها إلى ركام، وبسبب الحرب تحول هؤلاء فجأة إلى فقراء بلا سيولة نقدية يمتلكون أصولاً مدمرة وثراء على الورق فقط.
الحاج عبدالله، صاحب مصنع نسيج مدمر، يقول "لدي مستندات تثبت أنني أملك ملايين الدولارات تحت هذا الركام، لكنني اليوم أعيش في خيمة بلا دولار واحد في جيبي، وأنتظر المساعدات الطارئة لأسد رمق عائلتي".
والشكل التالي للفقر هو انعدام الأمان الغذائي الحاد للطبقات المتعلمة، حيث للمرة الأولى يزحف الجوع ليدق أبواب الفئات المثقفة والمتعلمة التي كانت تأنف سابقاً من طلب المساعدة الإنسانية، تقول الاختصاصية الاجتماعية نور أبو غنيمة "هناك فقر صامت ومخفي يعصف بالطبقات المتعلمة، تعاني هذه العائلات انعدام أمن غذائي حاد يهدد صحتها، لكنها تموت جوعاً خلف جدران خيامها بداعي الحياء والعزة، قبل أن تجبر على الانكسار أمام التكايا الخيرية".
وتشمل خريطة الفقر الجديد ما يعرف بالفقر الرقمي، إذ يعاني سكان غزة حرماناً تاماً من الاتصال والإنترنت والطاقة التكنولوجية نتيجة تدمير الشبكات، يوضح الباحث التكنولوجي محمد الدريملي "الفقر الرقمي في غزة ليس رفاهية، انقطاع الاتصالات حرم آلاف الشباب العاملين عن بعد من مصادر دخلهم مما أسقط فئة تكنولوجية كاملة في قاع البطالة المستحدثة".
أنماط قاسية
ومن طبقات الفقر أيضاً فقر الطاقة، ويرتبط هذا النمط بغياب الكهرباء والوقود في القرن الـ21 بصورة كاملة عن غزة لمدة سنوات، والاضطرار للاعتماد على بدائل بدائية وخطرة لتسيير الحياة اليومية، إذ تؤكد تقارير وزارة التنمية الاجتماعية أن فقر الطاقة حول نمط الحياة في غزة إلى العصر البدائي، إذ تقضي العائلات ساعات طويلة في البحث عن الحطب أو البلاستيك لإشعال النار لطهي الطعام، وهو حرمان مضاعف يستنزف الصحة الجسدية والنفسية للسكان ويحرمهم من الاستقرار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتمتد خريطة الفقر الجديدة في غزة لتشمل فقر العيش بلا جدران والنزوح وفقدان المكان، إذ أحدث الإخلاء القسري لأكثر من 2.1 مليون مواطن نمطاً حاداً من الفقر المكاني، وهذا النمط يجرد الإنسان من ثلاثة حقوق أساسية، وهي الخصوصية والخدمات الحيوية والأمان البيئي.
تقول أميرة الصوري النازحة في مواصي خان يونس "زوجي نجح في العمل لأيام عدة، وتوفر معنا بعض المال، لكن ما نفع المال هنا، أنا أتقاسم دورة مياه واحدة مع 100 سيدة في المخيم، وأقف لساعات للحصول على لتر ماء مالح، الفقر الحقيقي هو ألا تجد جداراً واحداً يمنحك الخصوصية، وأن تنام وبينك وبين جيرانك مجرد قطعة قماش من الخيش".
وتفسر الاختصاصية الاجتماعية نور أبو غنيمة هذه الظاهرة قائلة "فقر المكان في غزة هو سحق ممنهج للكرامة الإنسانية، فالعيش في مساحات ضيقة ومكشوفة يفتقر لأدنى مقومات البيئة الصحية والأمان الشخصي، يولد ضغطاً نفسياً حاداً وتفككاً في العلاقات الأسرية، مما يعني أن المؤشرات المالية عاجزة تماماً عن قياس هذا الحرمان الوجودي الشامل".
البعد بالأرقام
هذه الأنماط القاسية للفقر، دفعت منسق برامج دعم الشعب الفلسطيني في منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) معتصم العجراء للتحذير من البعد التنموي والعمق الزمني لهذه الأنماط، يقول "الانهيار الاقتصادي في غزة كان شديداً لدرجة أنه قضى على عقود من التنمية البشرية، الفقر متعدد الأبعاد يبتلع اليوم فئات المجتمع كافة في غزة بلا استثناء، حارماً إياهم من أصولهم الإنتاجية والخدمية".
جميع أنماط الفقر في غزة، هي نتاج ما أحدثته آلة التدمير العسكرية، يقول أستاذ الاقتصاد مازن العجلة "لم تكتف الحرب بضرب الخطوط الأمامية للإنتاج، بل عمدت إلى اجتثاث القاعدتين التجارية والصناعية، إذ تشير البيانات التوثيقية إلى تدمير وتضرر ما يزيد على 90 في المئة من المنشآت والمحال التجارية والمصانع".
ويضيف العجلة "يعيش السكان ما يمكن تسميته أكاديمياً بالمعادلة الصفرية القاتلة، وهي التداخل بين ارتفاع الأسعار الجنوني والانعدام الكلي للموارد النقدية والدخل، والفقر في غزة هو انعكاس لصدمة عرض حادة تزامنت مع انهيار القوة الشرائية وسقوط السيولة النقدية وتدمير الأصول الرأسمالية والمنشآت التجارية، إلى جانب تجميد القنوات المصرفية والرواتب، مما نسف تماماً مفهوم الاستقرار السعري، وجعل التضخم المفرط أداة طرد سريعة تدفع حتى المقتدرين سابقاً نحو قاع الحرمان متعدد الأبعاد خلال أسابيع قليلة".
وبلغة الأرقام، التي يرصدها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن النسبة العامة للفقر الفعلي ارتفعت من نحو 50 في المئة قبل الحرب لتتجاوز عتبة 95 في المئة من إجمالي السكان في الوقت الحالي.
وبحسب البيانات، تسببت العمليات العسكرية في تدمير 80 في المئة من الوحدات السكنية والمباني في القطاع، مفرزة نمط الفقر المكاني وهشاشة الاستقرار لنحو 1.9 مليون نازح يعيشون في خيام قماشية، وتشير البيانات المشتركة للأمم المتحدة إلى أن 96 في المئة من السكان يواجهون مستويات حادة وكارثية من انعدام الأمن الغذائي، مع هبوط إجمالي استهلاك الأسر للغذاء بنسبة صاعقة بلغت 81 في المئة.