Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نصيب "بوكو حرام" من أسلحة القذافي

متخصصون: استفادت من تدفق العتاد والمقاتلين عبر حدود رخوة مما أكسبها قدرات عسكرية متطورة وخبرات مرتبطة بالجريمة المنظمة

بعض أعضاء جماعة "بوكو حرام" وتنظيم "داعش" السابقين، في معسكر حجاج بمدينة مايدوغوري النيجيرية، 30 مايو 2023 (أ ف ب)

ملخص

ترسانة أسلحة غذت عديداً من الحركات المتمردة في دول الجوار، على غرار جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا، والتي لوحظ اشتداد عودها بعد انهيار النظام الأمني الليبي، مما طرح تساؤلات حول علاقة نشاطها في بحيرة تشاد والغرب الأفريقي بتدفق السلاح الليبي، وإلى أي مدى أصبحت ليبيا هي الأخرى ضحية انتشار أسلحتها خارج نطاق حدودها.

لم تتوقف تداعيات انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011 عند عتبة الشأن المحلي فحسب، بل امتدت ألسنتها نحو دول الجوار، لا سيما بعد انفلات السلاح الليبي وسقوطه في يد المجموعات الخارجة عن القانون، التي اتخذت منه تجارة عابرة للحدود لتنمية عملياتها المسلحة.

يرى مراقبون أن هشاشة الحدود الليبية الجنوبية مع عديد من الدول الأفريقية على غرار تشاد والنيجر والسودان منحت تأشيرة خروج سلسل للأسلحة الليبية التي تتنوع بين الرشاشات والبنادق الآلية وقذائف الـ"آر بي جي" وصواريخ حرارية وقذائف مدفعية سلكت طريقها نحو دول الساحل والصحراء وعدد من دول شمال أفريقيا قدرها متخصصون بملايين القطع، في حين تشير التقارير الأممية إلى وجود 29 مليون قطعة سلاح خارج الأطر القانونية داخل الأراضي الليبية، أي بما يعادل أربعة قطع سلاح لكل مواطن ليبي.

جزء من منظومة إقليمية 

ترسانة أسلحة غذت عديداً من الحركات المتمردة في دول الجوار، على غرار جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا، والتي لوحظ اشتداد عودها بعد انهيار النظام الأمني الليبي، مما طرح تساؤلات حول علاقة نشاطها في بحيرة تشاد والغرب الأفريقي بتدفق السلاح الليبي، وإلى أي مدى أصبحت ليبيا هي الأخرى ضحية انتشار أسلحتها خارج نطاق حدودها.

يؤكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أنه على رغم وجود أدلة على تهريب أسلحة لمسافات طويلة إلى منطقة الساحل من فرنسا وتركيا، مروراً بنيجيريا عبر الجو، فإن غالبية الأسلحة المتداولة في المنطقة يتم الحصول عليها من داخل القارة الأفريقية نفسها.

ويضيف التقرير المكون من 24 صفحة والصادر باللغة الإنجليزية في مارس (آذار) 2023، أنه منذ عام 2019 أضحت الدولة الليبية مصدراً مهماً لتزويد السوق الإقليمية بالأسلحة، حيث ظهرت بنادق هجومية حديثة من طراز AK مصدرها ليبيا في الأسواق السوداء بمناطق عدة على غرار غاو وتمبكتو ومينكا في شمال مالي.

 

ويقول العقيد المتقاعد من قوات الجيش الموريتاني البخاري مؤمل، إن تهريب السلاح يتم وفق شبكات عابرة للحدود، حيث تبرز جماعة "بوكو حرام" كواحدة من الحركات المستفيدة من هذه الإمدادات الإقليمية التي لا يلاحظ فيها السلاح الليبي كعامل رئيس في تسليح الجماعة، بل كجزء من منظومة إقليمية أسهمت في تعزيز القدرات القتالية لها.

ويعزى ذلك إلى ما وصفه بـ"الخطأ الذي ارتكبه الغرب عند إسقاطهم نظام القذافي من دون إجراءات مرافقة، مما تسبب في ضرر للمنطقة، وبخاصة الساحل الأفريقي"، مضيفاً أن "الأسلحة التي غذت عود جماعة (بوكو حرام) لم تأت من ليبيا فحسب، لأنها تحصلت على أسلحة من الجماعات المسلحة في الدول التي تقيم بها على غرار نيجيريا وتشاد والكاميرون ومالي، إضافة إلى تعويلها على السوق السوداء لشراء الأسلحة".

تدفق السلاح والمقاتلين 

يعارض الباحث بـ"مركز الجزيرة للبحوث" محمد تورشين، ما ذهب إليه العقيد المتقاعد من قوات الجيش الموريتاني، مؤكداً أن انتشار السلاح بعد انهيار نظام القذافي كان من أهم العناصر التي أسهمت بصورة مباشرة في تنامي التنظيمات الإرهابية في الساحل الأفريقي على غرار تجربة "بوكو حرام" في حوض بحيرة تشاد، وبخاصة تحركها في كل من نيجيريا والنيجر، إضافة إلى تشاد وأفريقيا الوسطى والكاميرون. ويرى أن "بوكو حرام" استفادت من تدفق السلاح والمقاتلين الذين كانوا موجودين ضمن نظام معمر القذافي، مما جعلها تمتلك قدرات عسكرية متطورة، فضلاً عن خبرات مرتبطة بالجريمة المنظمة وتجارة السلاح والبشر والمخدرات، مما جعلها تتمتع بنفوذ إقليمي كبير، باعتبار أنها تسيطر سيطرة تامة على منطقة حوض بحيرة تشاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحول ما إذا كانت ليبيا أحد ضحايا التداعيات الأمنية لانتشار أسلحتها خارج حدودها، يقول الباحث بـ"مركز الجزيرة للبحوث" إن ليبيا ستتأثر بالقطع بكل التحولات التي طرأت على منطقة الساحل الأفريقي وبحيرة تشاد بحكم التداخل القبلي مع بعض المجموعات الليبية، إضافة إلى الحدود الرخوة للبلاد، التي تجاور كلاً من النيجر وتشاد والسودان. ويقول إن مسألة إعادة ضبط الأوضاع الأمنية والعسكرية في هذه المنطقة في حاجة إلى تحالفات تضم كل هذه الدول، التي يجب أن تتجه إلى بناء قوات أمنية متطورة بدعم من الجهات الخارجية كالاتحاد الأوروبي، لأن وجود تحالفات أمنية سيسهم بصورة أو بأخرى في الحد من الهجرة غير النظامية وقضايا الجريمة المنظمة.

أسلحة غير منضبطة 

في السياق ذاته، يؤكد العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي مختار بالنصر، أن انهيار نظام معمر القذافي عام 2011 أدى إلى إطلاق واحدة من أكبر موجات انتشار الأسلحة غير المنضبطة في أفريقيا، حيث استفادت جماعة "بوكو حرام" من البيئة الأمنية الجديدة في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، مستدركاً "على رغم أن تدفق الأسلحة الليبية أسهم في تعزيز قدرات الجماعة، لكنه لم يكن العامل الوحيد أو الحاسم بمفرده في تحولها إلى تهديد إقليمي، فبعد تعرض مخازن الأسلحة الليبية للنهب عام 2011 انتشرت كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والذخائر والأسلحة المضادة للدروع عبر شبكات التهريب الممتدة من ليبيا إلى دول الساحل وغرب أفريقيا". 

ويوضح بالنصر أن "الترسانة الليبية كانت من أكبر الترسانات المسلحة في أفريقيا، وجزء منها وصل إلى جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة خارج ليبيا مثل (بوكو حرام)، ونتائج ذلك تمثلت في توافر البنادق الهجومية والرشاشات والذخائر، إضافة إلى أسلحة أكثر تطوراً مقارنة بما كان متاحاً لها في سنواتها الأولى، وتعزيز قدرتها على مهاجمة قواعد الجيش النيجيري والاستيلاء على معدات إضافية، ورفع مستوى الاحتراف العسكري والتسليح لدى بعض الوحدات المقاتلة لها. ويوضح أنه "على رغم ذلك فإن الأدلة المتاحة لا تدعم فكرة أن معظم أسلحة (بوكو حرام) جاءت مباشرة من ليبيا، فالبحوث الميدانية تشير إلى أن الجماعة اعتمدت أيضاً على مصادر أخرى، منها الاستيلاء على مخازن الجيش النيجيري، والشراء من السوق السوداء الإقليمية، والتهريب عبر شبكات محلية في نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون".

عوامل متداخلة 

وبخصوص علاقة الأسلحة الليبية بتحول جماعة "بوكو حرام" إلى قوة إقليمية، يؤكد العميد المتقاعد بالجيش التونسي، أنها كانت عاملاً مسرعاً ومضاعفاً للقوة، فصعود الجماعة بين عامي 2010 و2015 ارتبط بمجموعة عوامل متداخلة، منها ضعف الدولة في شمال شرقي نيجيريا، والفقر والتهميش، وضعف الخدمات الحكومية، والفساد داخل المؤسسات الأمنية، ومحدودية السيطرة الحكومية على المناطق الريفية، كل هذه الظروف وفرت للجماعة بيئة خصبة للتجنيد والحركة.

 

ويقول بالنصر إنه بعد مقتل مؤسس وزعيم "بوكو حرام" محمد يوسف عام 2009، تحولت الحركة من جماعة دعوية متشددة إلى تنظيم مسلح بقيادة أبو بكر شيكاو، واتجهت إلى العنف الواسع النطاق، واستفادت من شبكات التهريب والتنقل في منطقة الساحل، وكذلك تأثرت بخبرات جماعات أخرى مثل تنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب، وقد ساعدت هذه الروابط في تطوير التكتيكات والتمويل والتدريب. ويوضح أن "هذا العامل جاء ليزيد من فعالية الجماعة عسكرياً ويمنحها قدرة أكبر على السيطرة الميدانية، لكنها عملت ضمن منظومة أوسع من العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية، وبعد عامي 2013 و2015 وصلت الجماعة إلى ذروة قوتها، وسيطرت على مساحات واسعة في شمال شرقي نيجيريا، ونفذت عمليات في النيجر وتشاد والكاميرون، وأجبرت هذه الدول على إنشاء قوة عسكرية مشتركة لمواجهتها، وأصبحت منطقة حوض بحيرة تشاد ساحة صراع إقليمي بدلاً من كونها مشكلة نيجيرية داخلية".

ويقول إن ليبيا اكتوت بنيران أسلحتها العابرة للحدود، فانهيار الدولة الليبية لم يؤد فقط إلى تصدير الأسلحة، بل خلق فضاءً إقليمياً مترابطاً من التهريب والحركات الإرهابية، وقد أصبحت ليبيا نفسها وجهة لبعض المقاتلين الأجانب، ومسرحاً لنشاط جماعات مرتبطة بتنظيمي "داعش" و"القاعدة"، وكذلك أسهمت شبكات التهريب التي ازدهرت بعد 2011 في ربط شمال أفريقيا بغربها وجنوبها بصورة غير مسبوقة.

ويضيف العميد المتقاعد بالجيش التونسي أن تدفق الأسلحة من ليبيا بعد 2011 عزز القدرات القتالية لـ"بوكو حرام" وأسهم في تسريع صعودها العسكري، لكنه لم يكن العامل الوحيد وراء تحولها إلى تنظيم ذي تأثير إقليمي، فقد تداخلت الأسلحة الليبية مع عوامل محلية وإقليمية أخرى مثل ضعف الدولة النيجيرية، وشبكات التهريب العابرة للحدود، والتعاون مع جماعات إرهابية في الساحل، ونتيجة لذلك تحولت من حركة تمرد محلية إلى تهديد أمني إقليمي امتدت آثاره إلى كامل منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، ضمن بيئة أمنية كانت ليبيا نفسها أحد أبرز مراكز عدم الاستقرار فيها بعد سقوط القذافي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير