ملخص
تشهد الصين تحولات متسارعة في القطاع المصرفي مع تراجع هوامش أرباح البنوك نتيجة انخفاض أسعار الإقراض والودائع وضعف الطلب على القروض، مما دفع عدداً من البنوك إلى تقليص منتجات الودائع طويلة الأجل أو إلغائها.
بدافع انخفاض أسعار الفائدة على الودائع البنكية طويلة الأجل، قررت غونغ جيه التي تعمل لدى شركة تصدير في شنغهاي أخيراً توظيف نصف مدخراتها في صناديق استثمارية تركز على قطاع التكنولوجيا.
وقالت "انتهت ودائعي لأجل ثلاث سنوات لدى بنك الصناعات والتجارة الصيني قبل شهر، لكن أسعار الفائدة الحالية انخفضت إلى النصف تقريباً مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاث سنوات، وعادة لا أستثمر هذا النوع من الأموال في منتجات إدارة الثروات بسبب مخاوف الأخطار، كما كانت منتجات التأمين على الحياة خياري البديل، لكن مع صعود أسهم الذكاء الاصطناعي، أصبحت أرغب في تجربة الاستثمار في الأسهم".
وتبلغ الفائدة الحالية على الودائع لأجل ثلاث سنوات لدى بنك الصناعات والتجارة الصيني، وهو أكبر بنك في الصين، نحو 1.55 في المئة سنوياً في شنغهاي، مقارنة بنحو ثلاثة في المئة عام 2023.
وأضافت غونغ لصحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" أنها سحبت أموالها من حساب الوديعة البنكية، ووزعتها على صندوقين استثماريين يركزان على قطاعي الرقائق الإلكترونية وتقنيات التجميع المشترك للضوئيات (CPO)، وهما من أكثر القطاعات سخونة في سوق الأسهم الصينية.
وتقوم تقنية الرقائق الإلكترونية وتقنيات التجميع المشترك للضوئيات على دمج الأجهزة الضوئية داخل نفس حزمة الشرائح الإلكترونية، مما ينتج ما يُعرف بـ"الدوائر المتكاملة" الخاصة بالتطبيقات، ويسهم في تقليل استهلاك الطاقة بصورة كبيرة وزيادة كثافة النطاق الترددي وخفض زمن الاستجابة.
وقال مديرو حسابات في عدد من البنوك المملوكة للدولة في شنغهاي إن الأموال الخارجة من الودائع كانت تتجه العام الماضي بصورة رئيسة إلى منتجات التأمين على الحياة، فضلاً عن بعض المنتجات المرتبطة بالذهب.
لكن منذ بداية هذا العام، بدأ المدخرون من ذوي الدخل المتوسط يظهرون اهتماماً متزايداً بصناديق الاستثمار المرتبطة بالتكنولوجيا، مدفوعين أساساً بالاهتمام بالشركات المدرجة في سوق "تشاينيكس".
وارتفع المؤشر الذي يتتبع سوق "تشاينيكس" ذات الطابع التكنولوجي بنسبة 49.6 في المئة خلال العام الماضي، وسجّل ارتفاعاً إضافياً بنسبة 23.6 في المئة منذ بداية عام 2026 وحتى الجمعة الماضي، مدفوعاً بجهود بكين لتعزيز الابتكار في التقنيات الرئيسة مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وقال دونغ ييجون، وهو مستثمر تجزئة في الأسهم مقيم في شنغهاي للصحيفة، "أعتقد بأن الشركات الصينية الرائدة التي تمتلك تقنيات أساسية ستواصل النمو وجذب الاستثمارات، وأشعر بأن من الآمن ملاحقة هذا الصعود حالياً لأنه مدعوم من الحكومة".
وأظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن الودائع الأسرية في البنوك داخل البر الرئيس أضيف إليها نحو 7.68 تريليون يوان (1.13 تريليون دولار) خلال الربع الأول من هذا العام، بانخفاض نسبته 16.7 في المئة مقارنة بـ9.22 تريليون يوان (1.28 تريليون دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي.
في المقابل، تجاوزت القيمة الصافية الإجمالية لصناديق الاستثمار المشتركة في البر الرئيس 39 تريليون يوان (5.42 تريليون دولار) للمرة الأولى في أبريل (نيسان) الماضي، بزيادة قدرها 1.65 تريليون يوان (229 مليار دولار) مقارنة بنهاية العام الماضي.
ويبدو أن هذا الاتجاه مرشح للاستمرار، في ظل تراجع الطلب على القروض المصرفية، مما دفع بعض البنوك التجارية الصينية إلى وقف تقديم منتجات الودائع طويلة الأجل ذات العوائد المرتفعة.
وكان بنك "تشونغقوانتسون" في بكين أحدث البنوك التي اتخذت هذا القرار نهاية الشهر الماضي، عندما أعلن وقف تقديم ودائع الثلاث سنوات، وأوقف بنك "سانشيانغ" في مقاطعة هونان تقديم ودائع الخمس سنوات، وكذلك بنك "هوا روي" في شنغهاي الذي كان يُعرف سابقاً بعوائد ودائعه المرتفعة، إضافة إلى بنك "شينآن" في مقاطعة آنهوي الذي اتخذ خطوة مماثلة.
وقال نائب رئيس مركز شنغهاي للتمويل والتنمية دونغ شيمياو للصحيفة إنه "في المستقبل، ستواصل البنوك الصغيرة في البر الرئيس خفض أسعار الفائدة على الودائع أو التراجع عن المنتجات ذات الأجل الطويل من أجل الحفاظ على هوامش صافي الفائدة (NIMs) في المنطقة الإيجابية".
ضعف الطلب على الاقتراض
ويمثل هامش صافي الفائدة الفارق بين أسعار الإقراض وأسعار الودائع، ووفقاً للبيانات الرسمية، تراجع هذا الهامش في القطاع المصرفي الصيني إلى 1.4 في المئة، وهو مستوى أقل بكثير من عتبة 1.8 في المئة التي تعتبر على نطاق واسع خط إنذار لربحية البنوك.
ويُعد ضعف الطلب على الاقتراض الذي حدّ من قدرة البنوك على رفع أسعار الفائدة على القروض، السبب الرئيس وراء قرارها وقف تقديم الودائع طويلة الأجل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال كبير اقتصاديين في شركة وساطة أوراق مالية محلية، طلب عدم الكشف عن هويته، إن تراجع القروض الجديدة المقومة باليوان في البر الرئيس خلال أبريل الماضي، كان أكبر بكثير من توقعات السوق، مضيفاً أن "الأسر في مرحلة تقليص المديونية، بينما لا يزال الطلب على الاقتراض من الحكومات المحلية والشركات ضعيفاً"، وأشار إلى أن أي تعافٍ في الطلب لن يحدث قريباً مع استمرار أزمة قطاع العقارات.
تزايد الديون المتعثرة
وفي الوقت نفسه، تتزايد الديون المتعثرة لدى البنوك الصغيرة، وأظهرت بيانات الهيئة الوطنية للتنظيم المالي أن متوسط نسبة القروض المتعثرة في البنوك التجارية بلغ 1.51 في المئة بنهاية مارس (آذار) الماضي، بزيادة نقطتين أساسيتين عن نهاية عام 2025.
وقال دونغ شيمياو إن "البنوك التجارية الريفية والمملوكة للقطاع الخاص تعتمد على قاعدة عملاء من الشركات الصغيرة والكيانات المرتبطة بالزراعة، وهي فئات تمتلك قدرات أقل على إدارة الأخطار، وتواجه هذه البنوك أيضاً منافسة شديدة مع توسع البنوك الحكومية الكبرى بصورة قوية، لذلك ارتفعت نسب القروض المتعثرة لديها بوتيرة سريعة"، ومع اشتداد المنافسة في القطاع، يُتوقع أن تصبح أكثر حدة، خصوصاً بعد تقارير إعلامية محلية أفادت بأن الجهات التنظيمية المالية وجهت البنوك التجارية إلى زيادة الإقراض.