ملخص
لم يكن فارق التوقيت يوماً عائقاً أمام المشجع السعودي، فقد تعلّم منذ مونديال 1994 كيف يسرق ساعات النوم لمصلحة الكرة. واليوم، مع عودة كأس العالم إلى أميركا، تعود معه تلك الليالي الطويلة، لكن بأدوات مختلفة وجمهور أكثر استعداداً.
مع انطلاق صفارة بداية كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتشارك فيها السعودية للمرة السابعة، لن يكون التحدي الذي يواجهه المشجعون في المملكة مقتصراً على البث أو المحطات الناقلة للبطولة أو متابعة نتائج المنتخب أو حسابات التأهل، بل سيمتد إلى التعامل مع فارق التوقيت الذي سيضع بعض المباريات في ساعات متأخرة من الليل أو عند ساعات الفجر الأولى.
وتعكس مواعيد مباريات البطولة، تحديداً المنتخب السعودي في دور المجموعات هذا الواقع بوضوح، إذ يواجه الأخضر منتخب الأوروغواي عند الواحدة صباحاً، قبل أن يلعب أمام إسبانيا في السابعة مساء، ثم يختتم مبارياته أمام الرأس الأخضر عند الثالثة فجراً، وهي مواعيد تدفع كثراً إلى إعادة ترتيب أيامهم بما يتناسب مع جدول البطولة.
شاهدت جميع المباريات
حاولت "اندبندنت عربية" استطلاع آراء بعض متابعي مونديال 2026 ممن شاهدوا كأس العالم الذي نظمته الولايات المتحدة عام 1994، فرأى أبو محمد وهو مشجع أربعيني، أن هذه المواعيد ليست غريبة على المشجع السعودي، مشيراً إلى أنه سبق وعاش تجربة مشابهة قبل نحو 32 عاماً.
ويوضح المشجع السعودي أن البطولة في ذلك الوقت تزامنت مع فترة الاختبارات الدراسية، لافتاً إلى أن خيارات المشاهدة كانت محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم، مضيفاً أن "الحياة كانت صعبة والتوقيت كان صعباً، إذ كانت بعض المباريات تُبث عند الواحدة أو الثانية صباحاً، ولكن على رغم ذلك تابعت جميع المباريات".
وعلى رغم تلك الظروف، تابع أبو محمد جميع مباريات المنتخب السعودي التي كانت تتطلب جهداً أكبر من الوقت الحالي، موضحاً أن "الوضع مختلف اليوم، إذ توجد حالياً قنوات ومنصات ومقاهٍ في كل مكان، ففي الوقت الحالي وقبل المباراة تحدد المكان الذي تريد الذهاب إليه وتشاهد المباراة بسهولة".
وخلال حديثه عن أجواء المتابعة في ذلك الوقت، شرح أبو محمد أن المقاهي الرياضية المنشرة هذه الأيام لم تكُن موجودة من قبل أو حتى بالشكل المعروف اليوم، مشيراً إلى أن كثراً بخاصة الطلبة والشباب كانوا يتجهون إلى مقاهي الشيشة لمتابعة المباريات".
مونديال يعيد ذكريات 1994
متابعو كرة القدم في السعودية ليسوا جميعهم من المواطنين، إذ يضم المجتمع عدداً كبيراً من الجنسيات التي تتلاقى اهتماماتها مع اهتمامات المواطنين في مجال الكرة، مما يؤكده صحافي مصري عايش أجواء كأس العالم 1994، منوهاً بأن تلك البطولة شكلت محطة فارقة في تاريخ المونديال، سواء على مستوى المنافسة أو المتابعة الجماهيرية.
وأشار الصحافي المصري إلى أن مونديال 1994 كان آخر نسخة أقيمت بمشاركة 24 منتخباً قبل زيادة العدد إلى 32 فريقاً خلال نسخة فرنسا 1998، موضحاً أن البطولة شهدت حضوراً لافتاً لعدد كبير من نجوم كرة القدم العالمية، في مقدمتهم الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا في آخر ظهور مونديالي له، والثنائي البرازيلي روماريو وبيبيتو، فضلاً عن أسماء بارزة مثل الإيطالي روبرتو باجيو والبلغاري خريستو ستويشكوف والروماني جورج هاجي.
ونوه المتحدث إلى المشاركة التاريخية عندما سجل المنتخب السعودي حضوره الأول في البطولة بمجموعة من الأسماء التي بقيت في ذاكرة الجماهير السعودية من بينهم فؤاد أنور وماجد عبدالله وسامي الجابر وحمزة إدريس والحارس الأسطوري محمد الدعيع الذين قادوا منتخب الأخضر إلى التأهل للدور الثاني عن مجموعة ضمت هولندا وبلجيكا والمغرب.
ويردف أن توقيت البطولة أسهم في رفع نسب المتابعة في المنطقة العربية، إذ أقيمت المباريات خلال فترة الإجازة الصيفية وكانت تُلعب في ساعات السهر وحتى الفجر، مما شجع الشباب على التجمع لمشاهدتها، بخاصة في ظل بث المباريات عبر القنوات الأرضية المجانية آنذاك.
ويرى أن ظروف كأس العالم 2026 تحمل كثيراً من أوجه التشابه مع نسخة 1994، سواء من ناحية فارق التوقيت أو طبيعة التجمعات الشبابية لمتابعة المباريات، إضافة إلى وجود عدد من النجوم العالميين المعروفين للجمهور السعودي من خلال مشاركتهم في الدوري المحلي.
حديث الصحافي المصري تطرق أيضاً إلى المنصات الرقمية والتطبيقات والهواتف الذكية التي يشهدها العالم حالياً ولم تكُن موجودة من قبل والتي توفر سبل الراحة للمشاهدين لمتابعة مباريات البطولة ليس للمنتخب السعودي وحسب، بل للفرق والنجوم المفضلين، حتى لو كان المشجع في سريره قبل أن يخلد إلى النوم.
ليالٍ طويلة في غرف الأخبار
بدوره يرى رئيس القسم الرياضي في صحيفة "الشرق الأوسط" عبدالعزيز الغيامة أن فارق التوقيت سيشكل تحدياً حقيقياً لشريحة واسعة من الجماهير، بخاصة الموظفون الذين تبدأ أعمالهم في ساعات الصباح المبكرة، ويقول إن المباريات الكبرى في الغالب ما تقام عند الثانية أو الثالثة فجراً، مما قد يدفع بعضهم إلى الاكتفاء بمتابعة الملخصات أو النتائج في اليوم التالي، باستثناء مباريات المنتخب السعودي التي تحظى باهتمام مختلف لدى الجماهير.
ويستعيد الغيامة تجربة متابعة البطولات العالمية قبل انتشار الإنترنت والمنصات الرقمية، موضحاً أن المشجعين لم يكونوا يملكون الخيارات المتاحة اليوم، ويقول "إذا فاتتك المباراة، فلم يكُن أمامك سوى معرفة النتيجة أو مشاهدة الأهداف، أما الملخصات بالشكل الذي نعرفه اليوم فلم تكُن موجودة في السابق".
ويضيف أن التلفزيون السعودي كان ينقل عدداً محدوداً من المباريات ويختار أبرزها، بينما كانت الصحف الورقية تمثل النقطة الرئيسة لمتابعة أحداث البطولة، مشيراً إلى أن صحيفة "الرياضية" السعودية كانت من بين الصحف التي تحرص على تأخير الطباعة حتى ساعات الفجر لإدراج نتائج المباريات وتحليلاتها في محاولة لمواكبة أحداث البطولة قبل وصول الصحف إلى القراء في الصباح.
ويلفت الغيامة إلى أن المشهد الإعلامي الراهن تغير بصورة كاملة عن الأعوام الماضية، إذ أصبحت التغطية فورية وعلى مدى الساعة، بينما تخصص المؤسسات الإعلامية فرقاً تعمل في الليل لمتابعة الأحداث لحظة بلحظة، ووصف تأهل المنتخب السعودي لكأس العالم 1994 بأنه كان حدثاً استثنائياً بالنسبة إلى جماهير السعودية لأنه التأهل الأول في تاريخ المنتخب للبطولة.
حماسة وحلم
ويرى الناقد الرياضي أن الحماسة في ذلك الوقت لم تكُن مرتبطة بالمباريات فقط، بل بأن المنتخب السعودي نجح في تحقيق حلم طال انتظاره، قبل أن يواصل مشواره ويبلغ الدور الثاني في إنجاز لا يزال حاضراً في الذاكرة الرياضية السعودية.
ويتذكر الغيامة تلك الفترة قائلاً "كنت طالباً جامعياً آنذاك، وكنت أذهب إلى الاختبارات الجامعية بعد ليالٍ طويلة من متابعة المباريات"، مضيفاً أن "كثيراً من السعوديين عاشوا التجربة ذاتها وهم يحاولون الموازنة بين الدراسة ومواكبة مباريات المنتخب".
جيل يستعد للسهر
وبالنسبة إلى المواطن السعودي عبدالله بن خالد، فإن كأس العالم مناسبة رياضية لا تتكرر سوى كل أربعة أعوام، لذا فهي تستحق بعض التغييرات في الروتين اليومي، حتى إن كانت المباريات في ساعات متأخرة.
ويؤكد بن خالد أنه لا يمانع في إعادة ترتيب يومه بما يتناسب مع جدول المباريات، مضيفاً "إذا كان لدي عمل في وقت يحتاج إلى السهر لمشاهدة المباريات، سأنتهي من العمل وأتجه إلى المنزل للنوم، وأستيقظ متأخراً عند منتصف الليل، صحيح أن ساعات النوم قد تكون أقل من المعتاد، لكن بالنسبة لي أهم شيء ألا أفوّت المباريات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا يخطط بن خالد لمتابعة البطولة بمفرده، إذ أوضح أن عدداً من أصدقائه بدأت أحاديثهم عن التجمع في الاستراحة لمشاهدة مباريات المنتخب السعودي وبعض المواجهات الكبرى خلال دور المجموعات والأدوار الإقصائية، معتبراً أن هذه التجمعات تمثل جزءاً من متعة كأس العالم.
استعدادات خارج المستطيل الأخضر
لا تقتصر الاستعدادات على المشجعين فقط، إذ بدأت بعض المقاهي التجهيز مبكراً لكأس العالم 2026 وكيفية التعامل مع المباريات التي ستقام بعد منتصف الليل أو مع ساعات الصباح الأولى.
وأوضح عامل في أحد المقاهي أن من بين الخيارات المطروحة إعادة توزيع ساعات عمل الموظفين ووضع مناوبات إضافية خلال أيام المباريات المهمة، مشيراً إلى أن الحماسة تجاه البطولة بدأت مبكراً من خلال استفسارات المشجعين ومتابعتهم لمواعيد المباريات لا تزال مرتفعة، على رغم اختلاف التوقيت مقارنة بكأس العالم 2022 في قطر.
وأضاف أن المقاهي مستعدة لعرض المباريات المتأخرة، بل يتوقع استمرار الإقبال الجماهيري على مباريات المنتخب والمواجهات الكبرى حتى في الساعات المتأخرة.