ملخص
تحمل الضربة الإسرائيلية على الضاحية رسائل سياسية عدة. فهي رسالة إلى "حزب الله" بأن الشمال الإسرائيلي لن يبقى تحت النار من دون أن تُستهدف بيروت. وهي رسالة إلى الدولة اللبنانية بأن عجزها عن ضبط قرار الحرب سيجعل العاصمة عرضة للرد. لكنها قد تكون أيضاً رسالة إلى إيران، أو طعماً لها، وفيها "إن ردت، انتقل الاشتباك إلى مستوى إقليمي أوسع وإن لم ترد، اهتزت صورتها أمام حلفائها".
خلال ساعات قليلة كانت الضاحية الجنوبية لبيروت هي الحدث الأهم.
ضربة إسرائيلية على أطراف بيروت في منتصف أمس الأحد، وصفتها بأنها "رمزية" رداً على استمرار استهداف "حزب الله" المستوطنات الشمالية، فتحت الباب أمام ليل إقليمي طويل، بدأ من شمال إسرائيل، ومر فوق الضاحية، ثم وصل إلى إيران واليمن. فهل أرادت إسرائيل استدراج إيران إلى الرد، ونجحت في دفعها إلى فخ التصعيد؟
قالت تل أبيب إن "حزب الله" أطلق صواريخ باتجاه شمالها، فردّت بقصف موقع في الضاحية الجنوبية تابع للحزب، وفق ما زعم مسؤولوها. وسريعاً طرح المتابعون السؤال المنتظر "هل تترك إيران حليفها اللبناني يتلقى الضربة وحده، أم ترد فتمنح إسرائيل فرصة لنقل الاشتباك إلى مستوى أوسع؟".
اختارت طهران الرد. أطلقت في الليل صواريخ بالستية باتجاه إسرائيل، مؤكدة أن استهداف "حزب الله" في لبنان لا يمكن فصله عن الجبهة الإيرانية. أرادت أن تقول إن بيروت ليست ساحة معزولة، وإن أي ضربة على الضاحية ستستدعي ثمناً مباشراً. لكنها، في الوقت ذاته، دخلت المساحة التي قد تكون إسرائيل أرادت جرها إليها، مواجهة مباشرة تعيد خلط أوراق وقف النار والمفاوضات مع واشنطن.
بعد ساعات، جاء الرد داخل إيران. فأعلن الجيش الإسرائيلي أنه ضرب أهدافاً عسكرية، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن انفجارات في طهران وتبريز وأصفهان. عند هذه النقطة، بدا أن ضربة الضاحية لم تعد حدثاً لبنانياً، بل تحولت إلى بوابة لإعادة فتح الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية للمرة الأولى منذ وقف النار في أبريل (نيسان) الماضي.
الحوثيون يدخلون على الخط
بدورهم، لم يبق الحوثيون بعيدين طويلاً عن المشهد. فقد أعلن المتحدث العسكري باسم "أنصار الله"، صباح اليوم، إطلاق دفعة صواريخ على ما وصفه بـ"أهداف حساسة في منطقة يافا المحتلة"، مؤكداً أنها "حققت أهدافها". وهكذا اتسعت دائرة الردود، من لبنان إلى إيران واليمن، في مشهد يعيد وصل الساحات التي حاولت واشنطن فصلها.
من هذه الزاوية، تحمل الضربة الإسرائيلية على الضاحية رسائل سياسية عدة. فهي رسالة إلى "حزب الله" بأن الشمال الإسرائيلي لن يبقى تحت النار من دون أن تُستهدف بيروت. وهي رسالة إلى الدولة اللبنانية بأن عجزها عن ضبط قرار الحرب سيجعل العاصمة عرضة للرد. لكنها قد تكون أيضاً رسالة إلى إيران، أو طعماً لها، وفيها "إن ردت، انتقل الاشتباك إلى مستوى إقليمي أوسع وإن لم ترد، اهتزت صورتها أمام حلفائها".
لذلك تحاول طهران أن تقدم ردها بوصفه تثبيتاً للردع لا وقوعاً في الفخ. فهي تريد فرض قاعدة جديدة تقول إن أي هجوم على بيروت سيستدعي رداً إيرانياً مباشراً ضد إسرائيل. وتريد، في الوقت ذاته، إعادة ربط الجبهتين اللبنانية والإيرانية في مواجهة من يسعى إلى الفصل بينهما، وتعزيز صدقيتها لدى بيئة "حزب الله" التي دفعت ثمناً باهظاً في الحرب التي أطلقت إسناداً لطهران في الثاني من مارس (آذار) الماضي.
لكن الخطر أن تكون إيران، وهي تحاول تثبيت هذه المعادلة، قد منحت إسرائيل ما تحتاجه لتوسيع خريطة النار، وإحراج واشنطن، وتعقيد أي اختراق في التفاوض الأميركي - الإيراني. فإسرائيل لا تريد هدنة رخوة في لبنان، ولا تسوية تسمح لـ"حزب الله" بالخروج من الحرب محتفظاً بسلاحه وصورته.
والثابت واحد وهو أنه بين صواريخ الشمال، وضربة الضاحية، والرد الإيراني، والدخول اليمني على خط المواجهة، عاد الشرق الأوسط إلى لعبته القديمة، جبهات تتصل حين تريد واشنطن فصلها، وحروب صغيرة تفتح أبواب الحروب الكبرى.
من هنا تبدأ الأسئلة التي حملناها إلى محللين سياسيين في قراءة للوضع الراهن: من أرسل الرسالة، من وقع في الفخ، ومن يستطيع أن يمنع النار من أن تكتب الفصل التالي؟
إسرائيل توسع قواعد الاشتباك والدولة تستعيد حجتها
يرى أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية الدكتور عماد سلامة، أن "الضربة الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت تشكل انتقالاً من قواعد اشتباك كانت محصورة نسبياً في الجنوب، إلى معادلة أوسع تقوم على صواريخ تُطلق باتجاه شمال إسرائيل في مقابل ضربات إسرائيلية عميقة تصل إلى أطراف العاصمة بيروت"، معتبرا أن "ذلك يؤكد أن القتال مرشح للتوسع في ظل غياب حل قابل للتنفيذ".
وتابع "الرسالة الإسرائيلية واضحة، ومفادها أن أمن الشمال هو خط أحمر، وأن تل أبيب مستعدة للتصعيد داخل لبنان، أياً تكن الكلفة الدبلوماسية أو حجم الضغوط الأميركية". وأضاف أن "إسرائيل توجه، من خلال هذه الضربة، رسالة إلى ’حزب الله’ بأن الرد لن يبقى محدوداً، وإلى الدولة اللبنانية بأن عجزها عن ضبط قرار الحرب قد يؤدي إلى ضربات أوسع، كما توجه رسالة إلى واشنطن مفادها أن إسرائيل ستفرض شروطها ميدانياً".
يعتبر سلامة أن "الضربة، وعلى نحو مفارق، قد تعزز موقع الدولة اللبنانية داخلياً، لأنها تقوي الأصوات المطالبة بأن تكون الحكومة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم، وأن تتولى التفاوض على وقف نار أوسع وأكثر شمولاً"، معتبراً في الوقت ذاته أن "لبنان لا يزال رهينة كونه يُستخدم كساحة صراع للآخرين، بين من يريد تحويله إلى صندوق بريد إقليمي، ومن يرفض أي تسوية لا تمر عبر حساباته"، لافتاً إلى أن "لبنان يستطيع أن يؤكد استقلاله جزئياً عبر مؤسساته ودبلوماسيته، لكنه لا يستطيع تكريسه كاملاً في ظل اعتماده الكبير على الخارج لضمان بقائه واستقراره".
وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، رأى سلامة أنه يصعب على الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقاد إسرائيل في وقت يخرق "حزب الله" التفاهم عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل"، معتبرا أن "واشنطن تبدو وكأنها تستخدم الضغط العسكري لتثبيت شروط الهدنة، بالتزامن مع إظهار حزم أكبر حيال إيران ووكلائها".
وعن طرح إشراك سوريا في الضغط على "حزب الله"، قال سلامة إن "هذا الطرح يبدو أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى خطة عسكرية واضحة"، مشيراً إلى أنه "يذكر بمحطات سابقة دعمت فيها واشنطن دوراً سورياً ضد قوى لبنانية أو فلسطينية، كما حصل عام 1976 ضد منظمة التحرير الفلسطينية، وعام 1990 ضد قائد الجيش حينها العماد ميشال عون". لكنه شدد على أنه "من غير الواضح ما إذا كانت دمشق اليوم جاهزة أو راغبة في لعب هذا الدور".
استدراج إيران إلى الحرب عبر البوابة اللبنانية
في قراءة عسكرية أولية للتطورات التي حملتها الساعات الأخيرة، لا تبدو ضربة الضاحية مجرد حلقة في تبادل النار. فالوقائع المتلاحقة، من صواريخ الشمال إلى الرد الإيراني ثم اتساع الإنذارات نحو اليمن والبحر الأحمر، توحي بأن إسرائيل لم تكن تختبر بنك أهدافها فقط، بل كانت تختبر أيضاً أعصاب خصومها وحدود الصبر الأميركي. هنا يصبح السؤال العسكري مدخلاً إلى السؤال السياسي: هل كانت الضربة رداً محدوداً، أم محاولة مدروسة لاستدراج رد يفتح الباب أمام حرب يريدها بعض اللاعبين ولا يريدون إعلان مسؤوليتهم عنها؟
يقول العميد المتقاعد أكرم سريوي "الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت لا يمكن فصلها عن محاولة إسرائيل منع أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران"، معتبراً أن "تل أبيب تسعى، عبر البوابة اللبنانية، إلى تفجير الحرب مجددا، ولكن من دون أن يبدو ذلك تحدياً مباشراً لواشنطن".
وقال سريوي إن "تل أبيب تريد استفزاز طهران وجرّها إلى رد يفتح الباب أمام معاودة قصف الأراضي الإيرانية، بما يتيح لرئيس الوزراء الإسرائيلي استكمال الحرب التي توقفت خلافاً لرغبته، ومن دون أن يكون له القرار أو الرأي في وقفها".
وعن معادلات الميدان الجديدة، يعتبر سريوي أن إسرائيل تريد أكثر من معادلة "أي تصعيد في الشمال سيقابله استهداف في العمق اللبناني" بل وفق تعبيره هي ترغب بالعودة إلى معادلة ما بعد اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بحيث لا يطلق "حزب الله" النار على إسرائيل، فيما تواصل تل أبيب ملاحقة عناصر الحزب، وأضاف أن "ذلك يترافق مع انتشار الجيش اللبناني في ما سمي "مناطق تجريبية"، حيث يقوم الجيش بمصادرة أسلحة الحزب وفرض إجراءات أمنية مشددة، بمراقبة وإشراف أميركيين وإسرائيليين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن الناحية العملياتية، اعتبر سريوي أن "الضربة كانت محدودة من حيث الحجم، لكنها تحمل أبعاداً ومفاعيل كبيرة، لأنها تكرس معادلات ميدانية جديدة وتوجه رسائل متعددة إلى أكثر من طرف"، معتبراً أن "الضربة تشكل محاولة فعلية لاستدراج رد من الحزب بهدف تبرير عمليات واسعة النطاق"، مشيراً إلى "وجود انزعاج داخل إسرائيل من القيود التي فرضها الرئيس الأميركي ترمب على حركتها العسكرية، ومحاولة إسرائيل إيجاد مبرر لاستئناف الضربات".
وعن دلالة توقيت الضربة في ظل الحديث عن ترتيبات أمنية جنوب الليطاني وانتشار محتمل للجيش اللبناني، قال سريوي إن "إسرائيل لا تسعى إلى اتفاق أمني مع لبنان، بل تحاول فرض شروط تضمن لها حرية الحركة واستمرار الاحتلال"، لافتاً إلى أن إسرائيل ربطت أي انسحاب بنزع سلاح "حزب الله"، وهي تعلم أن الحزب يرفض تسليم سلاحه قبل انسحابها، معتبراً أن "الدولة اللبنانية ستكون، نتيجة ذلك، أمام معضلة ترتيب الأولويات هل يأتي الانسحاب أولاً أم تسليم السلاح؟"، مضيفاً أن ضرب الضاحية أعاد التفاوض إلى نقطة الصفر.
وعن السيناريو العسكري الأرجح بعد هذه الضربة، بين استمرار الضربات المحدودة أو التوسع التدريجي أو العودة إلى ضغط تفاوضي تحت النار، قال سريوي إن دخول إيران على خط القصف ضد إسرائيل لا يزال، حتى الآن، ضمن سقف محدد، ويمكن قراءته في إطار "تفاوض بالنار" بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران و"حزب الله" من جهة ثانية.
وفيما قال، إن "الوضع مفتوح على احتمالات عدة، أولها الاكتفاء بتبادل ضربات محدودة بين الطرفين ثم العودة إلى التهدئة واستمرار المفاوضات"، اعتبر أن السيناريو الأخطر هو "ما يرغب به نتنياهو، أي توجيه ضربة إلى منشآت الطاقة الإيرانية، واستدراج إيران والولايات المتحدة إلى الحرب مجدداً".
الضغط الداخلي الإسرائيلي ومسعى تحرير القرار اللبناني
بدوره، رأى الباحث في العلاقات السياسية الدولية في جامعة باريس الدكتور خطار أبو دياب، أن "الدور الأميركي، لا سيما من قبل الرئيس دونالد ترمب، جاء في سياق مراعاة الوضع الإقليمي والمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي كانت مرتقبة في واشنطن"، مشيراً إلى أن "إسرائيل اعتبرت إطلاق الصواريخ باتجاه شمالها، حتى وإن لم تصب أهدافها وتم اعتراضها، خرقاً للترتيبات القائمة".
وأضاف أن "الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية لعبت دوراً أساساً في قرار تنفيذ الضربة، خصوصاً في ظل الضغط على الحكومة الإسرائيلية من سكان الشمال، والتقديرات التي كانت تفترض أن قدرات ’حزب الله’ تراجعت كثيراً بعد حرب 2024، قبل أن يتبين لاحقاً أن الحزب لا يزال قادراً على استخدام أسلحة جديدة وتهديد الأمن في شمال إسرائيل".
وأوضح أبو دياب أن "الضربة الإسرائيلية بدت محدودة ورمزية، ولم تكن عملية اغتيال أو عملية واسعة، بل رسالة تذكيرية إلى الحزب وإيران بأن خرق معادلة الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي سيقابله رد إسرائيلي"، لافتاً إلى أن "الاحتمالات تبقى مفتوحة بانتظار ما إذا كان الطرف الآخر سيرد أم إن الأمور ستعود إلى حدود ’ضربة مقابل ضربة’".
وفي ما يتعلق بموقع الدولة اللبنانية، اعتبر أبودياب أن "الدولة تقوم بأقصى ما يمكنها القيام به، إذ لا تملك بديلاً عن المفاوضات أو الورقة الأميركية أو الدعم العربي، لكنها في المقابل لا تمسك عملياً بقرار الحرب". وقال إن "لبنان بات رهينة بين إسرائيل وإيران، وضحية لعبة إقليمية ودولية تتجاوز حدوده، بين من يريد استخدامه صندوق بريد ومن يرفض أن يكون جزءاً من صفقة".
وشدد أبو دياب على أن "هناك، للمرة الأولى، مسعى جدياً لتحرير القرار اللبناني"، مشيراً إلى "مواقف الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين عبّرا بوضوح عن رفض التدخلات الخارجية في لبنان"، معتبراً أن "مجرد بقاء الشرعية اللبنانية وحضور الدولة في التفاوض يشكلان عاملاً مهماً للحاضر والمستقبل، على رغم صعوبة الطريق وتعقيد الفجوة بين المطالب اللبنانية والإسرائيلية".
وعن الموقف الأميركي، قال أبو دياب إن "ترمب كان واضحاً في اشتراط أن تكون الضربة محدودة وجراحية فيما واشنطن تستخدم هذا النوع من الضغط لإقناع الحزب وإيران باحترام قواعد التهدئة".
كما توقف أبو دياب عند طرح إشراك سوريا في مواجهة "حزب الله"، معتبراً أنه "تطور جديد تماماً يذكرنا بسوابق تاريخية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي حين جرى ترتيب تدخل سوري في لبنان بضوء أخضر أميركي وتنسيق أمني مع إسرائيل"، ورأى أن السؤال المطروح اليوم هو "ما إذا كانت هناك صفقة إقليمية جديدة قد تُحضّر"، وختم بالقول إن ترمب "لا يرمي كلامه عبثاً وهناك شيء ما يُحضّر في الكواليس".
إسلام آباد وخريطة الجنوب
في موازاة الاشتباك المفتوح على الرسائل العسكرية والسياسية، تتجه الأنظار إلى إسلام آباد، حيث تحمل زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان أسئلة تتجاوز بروتوكول اللقاءات العسكرية. فهل يكون البحث مع نظيره الباكستاني جزءاً من محاولة أوسع لإخراج لبنان من موقع "الرهينة" بين حسابات المفاوضين وساحات الاشتباك؟
مصدر عسكري قال في حديث خاص لـ"اندبندنت عربية"، إن "الزيارة كانت مقررة منذ نحو شهر، كما أعلنت قيادة الجيش، لكنه أشار إلى أنها تكتسب، أهمية إضافية بفعل التطورات الجارية"، لافتاً إلى أن "الشق الأساس فيها يتعلق بدور الجيش في المرحلة المقبلة، إضافة إلى بحث مسألة دعمه وتسليحه، بما في ذلك إمكان شراء معدات ووسائل دعم عسكرية من باكستان".
وأوضح المصدر أن "الزيارة تتم بالتنسيق مع رئيس الجمهورية"، لكنه شدد في المقابل على "ضرورة عدم تحميلها أكثر مما تحتمل، لأن ملفات التفاوض والقرارات المتصلة بالعلاقات مع إيران وإسرائيل تبقى في يد رئيس الجمهورية والحكومة، فيما يلتزم الجيش بالقرارات السياسية التي تتخذها السلطة التنفيذية".
مع ذلك، لا تخلو الزيارة من دلالة خاصة، نظراً إلى الدور المحوري الذي يؤديه قائد الجيش الباكستاني في مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وإلى الحاجة لتنسيق بعض التفاصيل العسكرية المرتبطة بجنوب لبنان، لا سيما انتشار الجيش، والانسحاب الإسرائيلي، ومسألة سلاح "حزب الله". وتزداد أهمية هذا البعد، بحسب المصدر، "في ظل وجود ممثل لـ’حزب الله’ في إسلام آباد يشارك في مسار التفاوض إلى جانب الوفد الإيراني".
لكن الزيارة، بحسب المصدر نفسه، قد "لا تقف عند حدود التسليح أو التنسيق العسكري المباشر. فهي تتقاطع، ولو في إطار التحضيرات الأولية، مع نقاش دولي آخذ في الاتساع حول مستقبل الجنوب بعد انتهاء ولاية القوات الأممية في’اليونيفل’ في نهاية عام 2026، وإمكان إنشاء قوة دولية متعددة الجنسية تحل تدريجاً محل القوات الحالية".
ويتحدث المصدر عن "قوة كبيرة قد تضم نحو 20 ألف عسكري أو أكثر، بمشاركة دول أوروبية وعربية وربما دول أخرى، بينها باكستان، بالنظر إلى حضورها المقبول نسبياً لدى أطراف لبنانية أساسية، لا سيما في بيئة ’حزب الله’".
أما مهمة هذه القوة، فستكون مرتبطة بدعم الجيش اللبناني في الجنوب، ضمن مرحلة انتقالية تبدأ قبل انتهاء ولاية "اليونيفيل"، بحيث تدخل الوحدات الجديدة تدريجاً قبل مغادرة آخر جندي من القوات الدولية الحالية.
غير أن هذا المسار، كما يؤكد المصدر، "لا يزال مشروطاً بتفاهمات أمنية وسياسية أوسع لم تُحسم بعد، لا سيما في ضوء المشاورات الجارية في واشنطن". وفي هذا السياق، يأتي الموقف الفرنسي، كما عبّر عنه المبعوث الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان، بشأن استعداد فرنسا لقيادة القوة الدولية الجديدة، كجزء من النقاش الدولي المتصاعد حول مستقبل الانتشار العسكري الدولي في جنوب لبنان في المرحلة المقبلة.