Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل فشلت "الحرب على المخدرات" في بريطانيا؟

تستمر الوفيات المرتبطة بها في الارتفاع فيما تمضي لندن في ترسيخ استراتيجية غير مجدية قائمة على الحظر والعقاب

حظر المخدرات الخفيفة والرائجة مثل أكسيد النيتروز يُدخل الشباب في صدام ضار وغير ضروري مع السلطات (غيتي)

ملخص

سياسة بريطانيا القائمة على الحظر والعقاب فشلت في خفض وفيات المخدرات، ودفعت إلى مواد أشد خطراً، وسجون أكثر ازدحاماً، وحرمان المرضى من علاجات محتملة. البديل المطروح يقوم على الحد من الضرر عبر العلاج، وتنظيم بعض الأسواق، وفحص المخدرات، والاستفادة من تجارب البرتغال وهولندا والسويد.

في المملكة المتحدة، تواصل الوفيات المرتبطة بالمواد الأفيونية ارتفاعها عاماً بعد عام، فيما بات الكحول الآن السبب الرئيس للوفاة بين من هم دون سن الـ50. ومن الواضح أن السياسة الحالية في التعامل مع المخدرات لا تؤتي ثمارها، فكيف يمكن تحسينها؟

أولاً، تركز السياسة الحالية على تقليص تعاطي المخدرات لا على الحد من أضرارها، وتعتمد في ذلك على الحظر والعقاب. وقد ظل هذا النهج أساس السياسة البريطانية منذ صدور قانون إساءة استعمال المخدرات لعام 1971، وهو نهج فُرض علينا، إلى حد كبير، تحت ضغط الولايات المتحدة وسياستها المعروفة بـ"الحرب على المخدرات". وإلى جانب إخفاقه في تحقيق أهدافه، يُعد الحظر سياسة ضارة ومختلة، لأنه يفاقم الأضرار ويعرقل أبحاثاً حيوية في الاستخدامات الطبية للعقاقير المحظورة، لا سيما المهلوسات والقنب.

وعلى رغم أن التهديد بالعقاب قد يردع إلى حد ما من لم يبدأوا بعد تعاطي المخدرات غير القانونية، فإنه يفشل تماماً مع المدمنين، لأن الإدمان يستولي على الدماغ ويتجاوز آليات اتخاذ القرار العقلانية القائمة على الموازنة بين المخاطر والفوائد. كما يؤدي الحظر، لا سيما حظر المواد الخفيفة والرائجة مثل القنب أو أكسيد النيتروز، إلى زج أعداد هائلة من الشباب في صدام ضار وغير ضروري مع السلطات، وتجريم كثيرين منهم، فضلاً عن إهدار وقت الشرطة والمحاكم. وقد أسفر هذا النهج العقابي في التعامل مع تعاطي المخدرات عن زيادة هائلة في عدد نزلاء السجون. والأسوأ أن كثيرين داخل السجون ينتقلون من القنب إلى مخدرات أشد خطورة مثل "سبايس" والمواد الأفيونية.

كما يدفع الحظر إلى الالتفاف عليه عبر تطوير مخدرات جديدة لم تُدرج بعد على قوائم المواد غير القانونية. وعموماً، يؤدي ذلك إلى أن تحل مواد أقوى، ومن ثم أشد ضرراً، محل المواد المحظورة، في عملية مستمرة منذ أكثر من قرن، منذ أدى حظر تدخين الأفيون إلى انتشار حقن المورفين والهيروين. ومن الأمثلة الأحدث على ذلك القنب الصناعي، مثل "سبايس"، بديلاً من القنب العشبي، والنيتازينات والفنتانيلات بديلاً من الهيروين، والكاثينونات الجديدة بديلاً من الميفيدرون و"إم دي إم إيه". وفي الواقع، قد تكون بعض النيتازينات أقوى من الهيروين بما يصل إلى 500 مرة. ومن المرجح الآن أن "سبايس" يقتل مئات الأشخاص سنوياً. وعلى النقيض من ذلك، لم يتسبب القنب العشبي مباشرة في وفاة أي شخص قط.

عندما تولت الحكومة الائتلافية السلطة [عام 2010]، أخرجت الإدمان من إطار الاضطرابات الطبية. ونُقلت الخدمات المعنية به من هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى الرعاية الاجتماعية، وخُفض تمويلها إلى النصف. وكانت النتيجة وقف برامج علاج الإدمان التي تعتمد على أدوية مثل الميثادون، وهو ما أدى، كما كان متوقعاً، إلى ارتفاع تدريجي في عدد الوفيات بين هذه الفئة من المرضى، ليسجل كل عام رقماً قياسياً جديداً أسوأ من سابقه. وكان هذا التحول في السياسة محبطاً بصورة خاصة، لأنه تزامن مع تجربة البرتغال في إلغاء تجريم تعاطي المخدرات، التي كانت تحقق نتائج معاكسة تماماً. فمنذ عام 2001، عندما ألغت البرتغال تجريم تعاطي المخدرات، انخفضت الوفيات المرتبطة بالمخدرات بنسبة 70 في المئة. وعلى النقيض من ذلك، تضاعفت الوفيات المرتبطة بالمخدرات في المملكة المتحدة بين عامي 2012 و2024.

في ضوء هذه الدروس، ماذا ينبغي أن نفعل الآن؟

أولاً، علينا أن ننقل الهدف من منع التعاطي إلى تقليل الضرر. ولدينا بالفعل أدلة قوية على قيمة نهج الحد من الضرر في التعامل مع المواد القانونية، لا سيما تدخين السجائر. فقد كانت السلطات الصحية البريطانية سباقة عالمياً في تشجيع السجائر الإلكترونية باعتبارها بديلاً أقل ضرراً بكثير، مع ظهور أدلة على تحسن صحة الرئتين والقلب والأوعية الدموية. ويمكن المضي أبعد في هذا المسار باتباع النموذج السويدي في تشجيع استخدام النيكوتين الفموي عبر أكياس تبغ صغيرة تُعرف باسم الـ"سنوس".

ويمكن خفض أضرار الكحول بصورة كبيرة إذا استثمرنا في مشروبات بديلة تحقق الغرض نفسه مع ضرر أقل، مثل مشروبات تمنح الأثر الذي يبحث عنه معظم الناس في الكحول، أي تعزيز التواصل الاجتماعي والشعور بالألفة، ولكن من دون آثاره الضارة الكثيرة في الدماغ والجسم. وتشمل الأساليب الأخرى المثبتة للحد من استهلاك الكحول، ومن ثم أضراره، زيادة الضرائب تدريجاً، وحظر جميع أشكال الإعلان، كما نفعل حالياً مع التبغ، وتطبيق حد أدنى لسعر الوحدة، وهو إجراء ثبتت فاعليته في اسكتلندا.

أما المخدرات غير القانونية فالمسألة معها أكثر تعقيداً، لأن محتواها ومصدرها لا يخضعان للرقابة، مما يجعل معرفة حقيقتها أمراً غير مؤكد. ففي المملكة المتحدة مثلاً، شهدنا إضافة الفنتانيل إلى القنب والإكستاسي، مع عواقب قاتلة. وقد طورت بعض البلدان مقاربات أكثر عقلانية، لا سيما في التعامل مع القنب، كما في هولندا وكندا وكثير من الولايات الأميركية، حيث يُسمح بأسواق منظمة. وإضافة إلى تقويض السوق غير القانونية وزيادة العائدات الضريبية، يسهّل هذا النهج أيضاً استخدام القنب لأغراض طبية، وهو ملف شهد فشلاً ذريعاً في المملكة المتحدة. فعلى رغم تزايد الأدلة على فاعليته في تخفيف الألم والصرع واضطرابات المزاج، لا يزال استخدامه داخل هيئة الخدمات الصحية الوطنية ضئيلاً للغاية. ففي الواقع، لم تصدر الهيئة سوى أقل من خمس وصفات طبية للقنب بين عام 2018، حين أصبح القنب الطبي قانونياً، وأغسطس (آب) 2023.

وفي هولندا وثلاث ولايات أميركية، هي أوريغون وكولورادو ونيو مكسيكو، أصبح الفطر السحري قانونياً أيضاً. وينبغي النظر في إنشاء أسواق منظمة مماثلة، تُدار على غرار الصيدليات، لأي مخدر ترفيهي يكون أقل ضرراً على المستخدم من الكحول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالتوازي مع ذلك، يمكن أن تساعد خدمة وطنية لفحص المخدرات المستخدمين على معرفة حقيقة المواد التي يتعاطونها. فهذا النوع من الخدمات يعمل في هولندا منذ أكثر من 20 عاماً، وأسهم في خفض الوفيات المرتبطة بـ"مخدرات النوادي" هناك. وتؤكد التجربة البريطانية النتيجة نفسها، إذ أظهرت فحوص المخدرات التي تجريها مؤسسة "ذا لوب" الخيرية في المهرجانات أن إطلاع المتعاطين على المحتوى الفعلي للمواد التي اشتروها يقلل التعاطي المحفوف بالمخاطر، إذ يصبح من كانوا ينوون استخدامها أكثر ميلاً إلى التخلص منها بعد معرفة ما تحتويه.

ولا تقتصر فائدة الفحص على المستخدمين وحدهم، فالمعلومات التي يجمعها القائمون عليه يمكن أن تكشف عن أنواع جديدة يجري تداولها في الأسواق وقد تكون أكثر خطورة، مما يتيح تحذير الجمهور منها. غير أن القانون الحالي المتعلق بمواد الجدول الأول، أي لوائح إساءة استعمال المخدرات لعام 2001، يجعل تشغيل خدمات كهذه أمراً صعباً، وينبغي إصلاحه. ومن شأن ذلك أيضاً أن يصحح ظلماً تاريخياً حرم ملايين المرضى من الوصول إلى أدوية مثل المهلوسات و"إم دي إم إيه" بسبب تصنيفها ضمن الجدول الأول.

في المجمل، تظهر الأدلة بوضوح أن النهج العقابي الحالي في سياسة المخدرات فشل في حل مشكلة الإدمان لدينا. ولحسن الحظ، تُظهر الأدلة من الخارج كيف يمكننا تغيير الوضع. فمن خلال التحول بدلاً من ذلك نحو نهج الحد من الضرر، لا يمكننا فقط تقليل تعاطي المخدرات والأضرار المرتبطة به، بل أيضاً إنهاء التجريم غير الضروري لمن يحتاجون إلى المساعدة، لا إلى العقاب.

 

البروفيسور ديفيد نات أستاذ علم الأدوية النفسية والعصبية في "إمبريال كوليدج لندن" ومؤسس المؤسسة الخيرية "دراغ ساينس". وهذا مقتطف من كتاب "تحرير الليبرالية"، الصادر عن دار "برايت بلو".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير