ملخص
يرى اقتصاديون بارزون أن بريطانيا تتجه نحو أزمة مالية محتملة خلال الأعوام المقبلة، مع ارتفاع الدين العام وتزايد كلفة الاقتراض والتضخم، مما قد يرفع احتمال تدخل صندوق النقد الدولي في حال تفاقم الأوضاع.
حذر اقتصاديون من أن حكومة حزب العمال البريطانية قد تضطر إلى طلب مساعدة طارئة من صندوق النقد الدولي إذا انزلقت البلاد نحو أزمة ديون خلال الأعوام المقبلة.
وفي تحذير موجه إلى المرشح المحتمل لقيادة حزب العمال آندي بورنهام، قال كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي كينيث روغوف، إن احتمال تعرض بريطانيا لأزمة ديون كبيرة قبل نهاية العقد الحالي أصبح "أكثر ترجيحاً من عدمه".
وأوضح أن سلسلة من الصدمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا ثم الحرب مع إيران، جعلت المملكة المتحدة أكثر عرضة لخطر أزمة مالية بحلول عام 2030، مع وجود "احتمال يتجاوز 50 في المئة" لحدوث أزمة قد تفرض زيادات كبيرة في الضرائب أو خفوض حادة في الإنفاق العام.
وقال المتخصص في الشأن الاقتصادي في جامعة هارفرد وكبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي أوليفييه بلانشار لصحيفة "تليغراف"، إن الوضع قد يصبح أكثر خطورة إذا أدى أي اضطراب اقتصادي إلى فقدان بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) السيطرة على التضخم، مما قد يستدعي حزمة إنقاذ أوسع نطاقاً بدعم من الصندوق، وأضاف "في مثل هذه الظروف سيجرى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لتقديم الدعم الفني والمساعدة اللازمة".
الدين العام يتجه إلى 4 تريليونات دولار
ارتفع الدين العام البريطاني بصورة ملحوظة منذ وصول حزب العمال إلى السلطة بقيادة وزيرة الخزانة راشيل ريفز، ففي أول موازنة لها وافقت ريفز على زيادة الإنفاق العام بنحو 70 مليار جنيه استرليني (93.7 مليار دولار)، في حين جرى تمويل نحو نصف هذا المبلغ فقط من خلال حزمة ضريبية قياسية استهدفت الأسر والشركات، مما أدى إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض لتمويل بقية الإنفاق.
ويعني ذلك أن إجمال الدين العام البريطاني يتجه إلى بلوغ نحو 3 تريليونات جنيه استرليني (4 تريليونات دولار) بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل، في وقت تقترب فيه نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 100 في المئة.
وحذر المسؤول السابق في مكتب مسؤولية الموازنة السير تشارلي بي، من أن تدخل صندوق النقد الدولي لم يعد احتمالاً مستبعداً، بل أصبح "خطراً ملموساً"، وأضاف "أعتقد أن الرسالة المهمة للحكومة هي أن هذا الاحتمال لم يعد ضئيلاً إلى درجة يمكن تجاهلها، بل أصبح أمراً ينبغي أخذه في الحسبان، هناك احتمال قائم بالفعل".
وتعكس التحذيرات الصادرة عن اقتصاديين بارزين من الولايات المتحدة وبريطانيا تنامي المخاوف في شأن متانة الوضع المالي للمملكة المتحدة، في ظل تسجيلها أعلى معدلات للتضخم وكلفة الاقتراض بين دول مجموعة السبع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال بلانشار إن الاقتصادات المتقدمة مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة تواجه تحديات مالية متزايدة.
وأضاف "أعتقد أن الأمر قد يتطلب في الأقل أزمة مالية محدودة، مثل فشل أحد مزادات السندات الحكومية أو اتساع فروق العوائد، حتى تضطر بعض الحكومات إلى اتخاذ الإجراءات التي ينبغي عليها اتخاذها".
بريطانيا رهينة أسواق السندات
أصبح المستثمرون أكثر قلقاً إزاء تداعيات المنافسة على قيادة حزب العمال، في ظل خوض أندي بورنهام انتخابات فرعية في دائرة ميكرفيلد في الـ18 من يونيو (حزيران) الجاري.
بورنهام صرح سابقاً بأنه لا يريد أن تصبح بريطانيا "رهينة أسواق السندات"، ولمح إلى رغبته في زيادة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية وتأميم أجزاء واسعة من الاقتصاد.
إلا أنه سعى لاحقاً إلى تهدئة مخاوف المستثمرين، مؤكداً التزامه قواعد الضرائب والإنفاق التي وضعتها راشيل ريفز، وتراجع عن تعهد سابق باللجوء إلى الاقتراض لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.
في حين شبه توجهات بورنهام الداعية إلى تأميم أجزاء من الاقتصاد بالأجندة اليسارية الراديكالية التي تبناها فرنسوا ميتران (رئيس فرنسا من عام 1981 إلى عام 1995) في أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
وقال روغوف "وصل ميتران إلى السلطة وهو يحمل برنامجاً مشابهاً لما يطرحه آندي بورنهام، لكن الأسواق انهارت".
وأشار إلى أن تلك السياسات أدت آنذاك إلى انهيار الفرنك الفرنسي، وارتفاع التضخم بصورة حادة، وهرب رؤوس الأموال، مما اضطر ميتران بعد أعوام قليلة إلى تطبيق إجراءات تقشف صارمة.
وقال روغوف إن الاقتصاد البريطاني بات أكثر عرضة للأخطار من الاقتصاد الأميركي، على رغم أن الولايات المتحدة تسجل مستويات أعلى من العجز والدين العام، وأضاف "المملكة المتحدة تواجه مشكلات أكبر من الولايات المتحدة، لأنه لا توجد قصة نمو واضحة في بريطانيا".
ورأى روغوف أن الحكومة البريطانية قد تلجأ إلى صندوق النقد الدولي ليس فقط للحصول على الدعم الفني، بل أيضاً كوسيلة لتحميل جهة خارجية مسؤولية الإجراءات الصعبة التي قد تضطر إلى اتخاذها.
وقال "هي لا تحتاج فعلياً إلى صندوق النقد الدولي، لكنها قد تستدعيه، الأمر يشبه استعانة شركة بمؤسسة ماكينزي عندما تكون قد حسمت أمرها بأنها في حاجة إلى إقالة رئيسها التنفيذي".
في المقابل، رفضت وزارة الخزانة البريطانية هذه التقديرات، وقال متحدث باسمها "هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق، خطتنا الاقتصادية هي الخطة الصحيحة، إذ يتراجع الاقتراض بينما يتسارع النمو".
وأضاف "خفضنا الاقتراض الحكومي، وخلال هذا العام سيكون مستوى الاقتراض في المملكة المتحدة أقل من متوسط دول مجموعة السبع للمرة الأولى منذ عام 2004".
وأشار المتحدث أيضاً إلى أن صندوق النقد رفع توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني هذا العام من 0.8 في المئة إلى واحد في المئة، في إشارة إلى تحسن النظرة المستقبلية للاقتصاد.