ملخص
خطاب “إعادة ابتكار الذات” بعد التسريح من الوظيفة يخفي واقعاً أكثر قسوة، حيث يجد كثيرون في منتصف العمر أنفسهم أمام بطالة طويلة الأمد، وتحيز عمري، وضغط مالي ونفسي لا تعالجه نصائح الإيجابية والمرونة. فقدان العمل في هذه المرحلة لا يبدو دائماً فرصة لبداية جديدة، بل زعزعة عميقة للهوية والاستقرار، تحتاج إلى اعتراف واقعي لا إلى شعارات جاهزة عن التحول والنجاح.
وصلني أحدث قرار بتسريحي من العمل عبر رسالة نصية في صباح يوم كنت أسير فيه مسرعة في طريقي إلى المكتب. وخلال ساعات، بدأت النصائح تنهال عليَّ كما تتناثر بتلات الزهور في حفل زفاف: حافظي على الإيجابية، بسيرتك الذاتية ستقفين على قدميك مجدداً، سيكون هذا أفضل ما حدث لك، انتظري وسترين.
لم يكن ما لفتني هو النصيحة بحد ذاتها، بل سرعة ظهورها، كأنها كانت واقفة في كواليس حياتي، تنتظر لحظة أخرى كي تُقال. ولم تكن هذه تجربتي الأولى مع التسريح الوظيفي، بل الخامسة. لكنني، في الـ46، وبعد أعوام طويلة من العمل مستشارة في عالم الشركات، أصبحت قادرة على تمييز الفجوة بين لغة إعادة ابتكار الذات والواقع الخشن الذي يُفترض أن تصفه.
من اللافت مدى سرعة تصوير التسريح الوظيفي لا بوصفه حدثاً قائماً بذاته، بل كأنه إشارة مسرحية لبدء فصل جديد. تظهر العبارات نفسها بانتظام يثير القلق: واصلي، تستطيعين فعل ذلك، تحدثي إلى شبكة معارفك. تأتي هذه العبارات من أصدقاء ومعارف، وأحياناً من غرباء، وكلها تُقال بنية صادقة، لكنها، حين تجتمع، تصنع شيئاً أكثر صلابة وأقل رفقاً بكثير. فما يبدو عنايةً يتكشف في النهاية بوصفه نصاً جاهزاً معلباً، ومجموعة تعليمات لا تترك مجالاً كبيراً للحقائق الأكثر فوضوية التي ترافق التسريح الوظيفي: الغضب، والتشكيك في الذات، بل وحتى الشعور بالعار.
في صميم هذا النص الجاهز تقف فكرة باتت مهيمنة اليوم، وهو أن التسريح الوظيفي، خصوصاً في منتصف العمر، فرصة لإعادة ابتكار الذات. ففي إعلام الأعمال، وثقافة التدريب المهني، وعلى منصة "لينكد-إن" تحديداً، يُعاد تقديم خسارة العمل بوصفها لحظة مليئة بالإمكانات، وفرصة لتغيير المسار، أو اكتساب مهارات جديدة، أو احتضان غاية مختلفة. تبدو هذه الفكرة جذابة لأنها تمنح شعوراً بالسيطرة في وضع لا تتوافر فيه سيطرة فعلية كبيرة. لكنها أيضاً مضللة بعمق، لأنها حين تركز على ما يمكن أن يفعله الفرد لاحقاً، تتجاوز الظروف التي جعلت إبعاده من موقعه ممكناً، وتعفي الآخرين من المسؤولية.
ليس ذلك مصادفة. فهذه السردية تستمر لأنها تخدم نظاماً يستفيد من تكرارها. تبقى ثقافة الشركات بمنأى عن أي مساءلة، كأن شيئاً لم يمسّها، وتُعاد صياغة قراراتها باعتبارها ضرورية، بل حتى خيّرة. أما صناعة التدريب المهني فتزدهر في لحظات الضعف، خصوصاً بين من هم في منتصف العمر، ممن يدركون أصلاً قلة الوظائف المماثلة المتاحة لهم من ناحية مستوى المنصب والراتب.
تُظهر الأبحاث باستمرار أن العمال الأكبر سناً يواجهون فترات بطالة أطول، وأن احتمالات عودتهم سريعاً إلى العمل بعد الاستغناء عنهم أقل بكثير. فاحتمالات إعادة توظيف من تجاوزوا الـ50 خلال ثلاثة أشهر لا تبلغ سوى نحو ثلث احتمالات العمال الأصغر سناً، فيما يبقى نحو ثلث العاطلين عن العمل في هذه الفئة العمرية خارج سوق العمل لأكثر من عام. وتُظهر أرقام حديثة من مكتب الإحصاءات الوطنية أن معدلات التسريح الوظيفي تبلغ أعلى مستوياتها بين من تبلغ أعمارهم 50 سنة فأكثر. وبالنسبة إلى بعضهم، تكون النتيجة أكثر نهائية: فأكثر من واحد من كل 10 يخرجون من سوق العمل تماماً.
أما على "لينكد-إن"، فتُعرض صورة مختلفة تماماً. هناك تبدو ثقافة الشركات وسرديات التدريب المهني استعراضية إلى حد بعيد، ويجري تضخيمها يومياً: منشورات تشكر أصحاب العمل السابقين على "الفرصة" و"التحدي"، مكتوبة بتماسك يثير الدهشة ويبدو متدرَّباً عليه حتى حين توحي الظروف بغير ذلك، إلى جانب سيل لا ينتهي من المتخصصين الذين يقدمون حلولاً لمشكلات لا يستطيعون إصلاحها فعلياً.
إن الواقع القاسي الذي يواجهه كثير من العاملين في منتصف العمر لا ينسجم بسهولة مع هذه اللغة الجديدة المفعمة بوعود الفرص المثيرة. ففي قطاعات مثل التكنولوجيا، حيث أُلغيت مئات آلاف الوظائف عالمياً منذ عام 2022، لم تعد الخبرة ضمانة للأمان الوظيفي، بل قد تعمل أحياناً ضد صاحبها. فالمناصب العليا أقل عدداً، والمنافسة عالمية، وعمليات التوظيف كثيراً ما تضع أصحاب الخبرة الممتدة لعقود أمام أصحاب قرار أقل خبرة منهم. وحتى مفهوم "منتصف العمر" نفسه تغيّر. فبينما يُفهم غالباً على أنه يبدأ في الخمسينيات، قد يجد العاملون أنفسهم يُعاملون كفائض في منتصف الأربعينيات، وبالنسبة إلى النساء، أحياناً في سن أبكر.
غالباً ما يشكّل التحيز العمري النتائج بطرق خفية وواسعة الانتشار. في المراحل الأولى، قد يشعر المرء بزخم ما: تُحدَّث السيرة الذاتية، وتُرسل طلبات العمل، وينشأ اعتقاد غريب يبعث على الحماسة بأن شيئاً ما سيأتي سريعاً. لكن مع انتقال الطلبات من العشرات إلى المئات، ومع غياب الردود، تبدأ تلك الشرارة الأولى في الاضطراب قبل أن تنطفئ تماماً. فالصمت لا يقدم تفسيراً، وما بدا في البداية تقدماً يتحول إلى شعور بالتجاهل.
ما يلي ذلك تجربة مزعزعة. فالعمل، بعد عقدين، نادراً ما يكون مجرد عمل، إنه هوية وبنية ومبدأ ينظم الحياة اليومية. وعندما يُنتزع فجأة، يتردد أثر ذلك في العلاقات بطرق يصعب التعبير عنها. تتراجع الثقة بالنفس مع امتداد الوقت وتفاقم الضغط المالي. تصبح الأحاديث متوترة، وتتبدل الأدوار، ويبدأ الإحساس بالذات في التآكل. ونادراً ما تُعاش هذه الزعزعة بمعزل عن المحيطين بالشخص.
وغالباً ما يرافق ذلك سيل ثابت من التدخلات حسنة النية: تذكير بالحفاظ على الإيجابية، وإعادة تأطير الوضع بوصفه فرصة، وتعديل الذهنية، والمضي قدماً مهما حدث. لكن هذه الاقتراحات، مهما حسنت نياتها، سرعان ما تبدأ في الظهور كأنها تصحيحات شخصية، كما لو أن المشكلة لا تكمن في الظروف نفسها، بل في فشل العاطل عن العمل في الاستجابة لها بالطريقة المطلوبة، وبما يكفي من التفاؤل.
إلى جانب ذلك يقف الواقع المالي للبطالة، الذي كثيراً ما يتجاهله الخطاب العام عن إعادة ابتكار الذات. وسرعان ما يصبح التحول مستحيلاً تجاهله. فحيث كانت هناك في السابق تحديثات مصاغة بعناية وإشارات إلى الكفاءة، يحل الصمت، أو تظهر مناشدات مباشرة: طلبات للمساعدة، وروابط لصفحات جمع تبرعات، وروايات عن إيجارات متأخرة ومدخرات استُنفدت. تبدأ الحيطة المعتادة المرتبطة بقابلية التوظيف، أي الحاجة إلى الظهور بمظهر المرن والمتماسك والمسيطر على الأمور، في التراجع تحت وطأة احتياجات أكثر إلحاحاً. أعرف مديراً إبداعياً سابقاً انتقل من راتب قدره 75 ألف جنيه استرليني إلى تجميع 12 ألف جنيه من أعمال حرة متفرقة. وأعرف امرأة أخرى، شغلت منصب المديرة المالية في شركتين، باتت اليوم توصل الطرود لتأمين لقمة عيشها، بينما تتقدم لوظائف لا تتحقق أبداً. وهي خارج سوق العمل منذ نحو عامين.
ومع تضاؤل الخيارات، قد يخرج الضيق الشخصي إلى العلن، أو يختفي تماماً حين ينسحب الناس خجلاً في اللحظة التي يكونون فيها في أمسّ الحاجة إلى الدعم. هذه ليست ملامح ظاهرة لقصة نجاح جديدة، بل غالباً ما تكون المرحلة القاسية التي تسبق أي محاولة حقيقية للبدء من جديد. ومع ذلك، تبقى غائبة إلى حد كبير عن الرواية العامة التي تُقدَّم لنا.
ومع تأطير التسريح الوظيفي بوصفه مسألة تتعلق برد فعلنا الشخصي وقدرتنا على الصمود، ينتقل التركيز بعيداً عما حدث ولماذا حدث. وتنطوي هذه النقلة على افتراض ضمني بشأن ما ستفعله لاحقاً: أن التعافي سيكون سريعاً نسبياً، وأن العودة إلى الاستقرار تقع إلى حد كبير ضمن سيطرتك. لكن كثيرين يكتشفون عملياً أن هذا لم يعد صحيحاً. فكثيراً ما ينصح محامو العمل بالاستعداد لفترة اضطراب تمتد من ستة أشهر إلى 12 شهراً عند الخروج من مناصب عليا، غير أن حتى ذلك يثبت على نحو متزايد أنه متفائل أكثر مما ينبغي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وليس من النادر أن يقضي مهنيون أصحاب خبرة أعواماً في محاولة العودة إلى سوق العمل، لينتهي الأمر ببعضهم إلى قبول أنهم لن يعودوا إليه أبداً، وتعديل حياتهم وتوقعاتهم وفقاً لذلك.
لكن لغة تغيير المسار، واكتساب مهارات جديدة، والحفاظ على الإيجابية لا تترك مجالاً لهذا الواقع، مما يجعل الناس يشعرون بأنهم لو حاولوا بجهد أكبر قليلاً، ربما لما وجدوا أنفسهم في هذا الوضع. وما يتبع ذلك ليس مجرد تفسير خاطئ للواقع، بل حكم أخلاقي: فموضعك لا يعكس الظروف، بل يعكس شخصيتك. تُختزل القيود البنيوية بعنف في مجرد أسئلة عن الجهد الشخصي، ومع هذا التحول تأتي الوصمة، والتشكيك في الذات، وتعميق الشعور بالعار. كان مؤلماً أن أسمع صديقة كانت يوماً من أصحاب المناصب الرفيعة تعتذر عن تكرر غيابها قائلة: "لا أستطيع مواجهة أحد. أحاول، لكنني أشعر بأنني فاشلة. أشعر بإحراج شديد". في المقابل، تبقى القرارات التي أدت إلى فقدانها عملها بمنأى عن أي مساءلة حقيقية، وبالكاد تُذكر.
لا تكمن كلفة هذه السردية، بالنسبة إلى كثيرين، في أنها تشوّه الواقع فحسب، بل في أنها تسحق إحساسهم بقيمتهم الذاتية. وأي نقاش أكثر صدقاً ينبغي أن يبدأ بالتخلي عن رد الفعل التلقائي الذي يعيد تصوير التسريح الوظيفي كفرصة، وأن يتحدث عن مدى ما يسببه فعلاً من زعزعة. وسيقر بأن فقدان العمل في منتصف العمر، بالنسبة إلى كثيرين، ليس نقطة تحول أهداها الكون لهم بلطف، بل مرحلة من انعدام اليقين الشديد، تشكلها عوامل تتجاوز سيطرة الفرد. وسيترك مجالاً للمرور بالاضطراب من دون المطالبة الفورية بالتحول، وسيعترف بأن الاستقرار واستيعاب ما حدث، لا إعادة ابتكار الذات، هما غالباً الحاجة الأكثر إلحاحاً.
لا يعني ذلك استبعاد التغيير، لكنه يمنح فهماً أعمق لمن يعبرون تجربة الفقد، ويتطلب اعترافاً أكثر صراحة بكيفية عمل أسواق العمل. وبتحويل التركيز بعيداً من إعادة ابتكار الذات الفورية، يُمنح الفرد مساحة للتصرف انطلاقاً من حاجته الفعلية إلى استعادة الاستقرار. وعملياً، قد يشمل ذلك، حيث أمكن، تأمين دخل موقت، أو إعادة تقييم الالتزامات المالية، أو طلب مشورة مهنية، مع الإقرار بأن الخيارات لا تتاح للجميع بالتساوي، وأنها كثيراً ما تُقدَّم كإمكانات حيث لا تكاد توجد خيارات حقيقية.
ما يحتاج إليه الناس فعلاً هو مساحة للتوقف قليلاً واستيعاب ما فُقد. ففقدان الوظيفة ليس مجرد اضطراب لوجيستي، بل هو، بالنسبة إلى كثيرين، اضطراب نفسي أيضاً، والضغط للانتقال سريعاً إلى الفعل قد يحجب الحاجة إلى استيعاب أثره. المطلوب ليس نصاً أفضل لإعادة ابتكار الذات، بل فهماً واقعياً لتعافٍ قد يكون متفاوتاً وطويلاً.
وإذا كان ثمة تحول حقيقي سيحدث، فلن يأتي من تشجيع الأفراد على اعتبار اللحظة فرصة ينبغي اغتنامها، بل من الاستعداد لوصفها كما هي فعلاً. فالخطوة الأولى ليست أن تصلح نفسك، بل أن تنظر بوضوح إلى نفسك وإلى ما تعيشه فعلاً.
© The Independent