ملخص
يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة ويضغط على وظائف الشباب في بريطانيا، مع صعود البطالة وتحذيرات بأن معظم الأعمال المكتبية قد تُؤتمت خلال 12 إلى 18 شهراً، لكن الهلع المروّج لمستقبل بلا بشر ليس القصة كاملة. الفارق يصنعه من يراكم المهارات التي لا تُستنسخ: تفكير نقدي أصيل، سرد محكم، حس إنساني وتعاطف، ومرونة تواصل تجعل الذكاء الاصطناعي أداة مُعززة لا بديلاً، وهو ما يفسّر عودة الشركات للاستثمار في التدريب والإرشاد بدلاً من الارتهان للتقنية.
من حسن حظي أنني أمضي شطراً كبيراً من حياتي المهنية رفقة الشباب، فوجودهم يمدني بطاقة وحيوية دائمتين، وفي سن الـ58، وهي المرحلة التي كان والداي يفكران فيها بالتقاعد، أجدني أعيش اليوم حالاً من التجدد بفضلهم.
لكن شيئاً ما تغير خلال الأشهر الأخيرة، فانطفأ البريق في عيونهم وسيطر عليهم القلق في شأن مستقبلهم المهني، بعدما قيل لهم إن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادم للاستيلاء على وظائفهم، وكثير منهم شاركوا معي المقالة المتشائمة نفسها "أمر جلل يحدث"، الذي كتبه مات شومر.
لقد اطلع أكثر من 70 مليون شخص بقلق بالغ على الصورة القاتمة التي رسمها لمستقبل شركات مزدهر يخلو من التفاعل الإنساني، حيث يصبح الموظف المكتبي نوعاً منقرضاً، وللتوضيح فإن شومر مستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد كُتبت أجزاء من مقالته باستخدام هذه التكنولوجيا نفسها، ونُشر المقالة في اليوم ذاته الذي أطلق فيه رئيس الذكاء الاصطناعي في شركة "مايكروسوفت" مصطفى سليمان تحذيراً شديداً قال فيه "إن معظم المهمات المكتبية، سواء كنت محامياً أو محاسباً أو مدير مشاريع أو متخصصاً في التسويق، ستصبح مؤتمتة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي خلال 12 إلى 18 شهراً".
إنها مقالة لافتة وتوقع مخيف، وتنسجم بوضوح مع أحدث أرقام سوق العمل التي تظهر وصول معدل البطالة في المملكة المتحدة إلى مستوى يقترب من أعلى مستوياته خلال خمسة أعوام مسجلاً 5.2 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025.
وتنعكس الأزمة الوجودية التي يثيرها هذا الواقع في كل مكان، من مقالات "لينكد إن" إلى أفلام حديثة مثل Subservience أو الفيلم الكوري الجنوبي No Other Choice، وهو فيلم إثارة اجتماعي داكن يصور حياة رجل في منتصف العمر تنهار بعد فقدانه عمله، لتتحول رحلة بحثه عن وظيفة إلى مسار دموي، مع شروعه في تصفية كل منافس يتقدم للمنصب ذاته في سوق عمل منكمشة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك لا أقتنع بهذه السردية التي يجري الترويج لها عن مستقبل ميؤوس منه، أو في الأقل، لا أقتنع بكل ما فيها.
نعم يغيّر الذكاء الاصطناعي عالم العمل بطرق نعجز عن استيعابها أو التنبؤ بها، وكلنا قابلون للاستبدال كما يُقال لنا، والذكاء الاصطناعي لا يفعل سوى تسريع هذا المصير المحتوم، وتكشف أحدث أرقام الصناعات الإبداعية جانباً من هذه الصورة، فخلال العام الماضي، ووفق "معهد ممارسي خدمات الإعلانات" في بريطانيا، انخفض عدد العاملين بأكثر من 14 في المئة، أما بين من هم دون الـ 25، مستقبل هذا القطاع، فاقترب التراجع من 20 في المئة، ولقد اختفى خُمس القوة العاملة المستقبلية ببساطة.
وتؤكد أحدث بيانات البطالة هذا الاتجاه المقلق، إذ تُظهر ارتفاعاً حاداً بين العمال الشباب، ففي الفئة العمرية بين 16 و24 سنة بلغ معدل البطالة 16.1 في المئة نهاية عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد، لكن ما أريد قوله لهذه الفئة هو: لا تستسلموا، ويمكنكم أن تجعلوا أنفسكم غير قابلين للاستبدال في هذا العالم الجديد، فالألقاب الوظيفية لم تعد تعني الكثير ولا جدوى من ملاحقتها، والأهم هو التركيز على المهارات التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن منافستها والانضمام إلى ما بات يُعرف بـ "الـ35 في المئة".
خلال الأشهر الـ 12 الماضية لاحظت تطوراً مثيراً للاهتمام في عملي مع الشركات، فأنا أعمل على مستوى تنفيذي رفيع ويعود نجاحي جزئياً لكيفية استخدام الشركات والأفراد أدوات الذكاء الاصطناعي أو عدم استخدامها، ويبدو أن مناخاً جديداً يسود الآن، إذ بدأ قادة الأعمال يدركون أن هذه التكنولوجيا ليست بلا عيوب، فالعمق العاطفي والتفكير النقدي وسرد القصص المعقدة والمتعددة الطبقات وومضات الإبداع العفوية والتواصل الإنساني والقيادة الجريئة، كلها عناصر مفقودة، وهنا تحديداً يتمركز "غير القابلين للاستبدال" الآن وفي المستقبل: نحو 35 في المئة من العاملين في المهن المكتبية القادرين على اجتياز كارثة الذكاء الاصطناعي بنجاح.
نصيحتي ضاعفوا الاستثمار في مهاراتكم الإنسانية فهي اليوم أكثر قيمة من أي وقت مضى، حتى بالنسبة إلى المبتدئين "القابلين للاستبدال" الذين جرى شطبهم بغير إنصاف من حسابات المستقبل، فالذكاء الاصطناعي مجرد أداة لكنه يحتاج إليكم كي يعمل على نحو صحيح، وأنتم تملكون العضلات فاستخدموها.
طُلب مني الأسبوع الماضي تقديم عرض تنافسي لمشروع تدريب على المهارات، قد يكون من أكبر أعمالي حتى الآن، ويستهدف المشروع أكثر من 100 متخصص في التسويق والتحليلات والبيانات يعملون في شركة ترفيه كبرى، وقد تضمنت لائحة الشروط ما يلي: "يرجى عدم إدراج أية أدوات أو وحدات تدريبية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي فنحن نستخدمه طوال الوقت، لكننا لم نعد نروي لبعضنا قصصاً جيدة بما يكفي، وقد تضررت مهارات التواصل لدينا بسبب هذه التكنولوجيا"، وليس هذا الطلب استثناء بل يتكرر اليوم مرات عدة كل شهر، وكذلك فإنني الكاتب الظل لمقالات في "القيادة الفكرية" لعدد من قادة الأعمال البارزين الذين لا شك في أنكم تعرفونهم، وجميعهم استخدموا في السابق أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتواهم من دون نجاح يُذكر، لأن هذه المواد، كما يقولون، لا تبدو مثلهم.
توفر المؤسسات الكبرى التي أعمل معها اليوم برامج تدريب على فن السرد وبرامج إرشاد مهني للموظفين الجدد إدراكاً منها لأهمية هذه المهارة، غير أن المشكلة تكمن في أن كثيراً من العقول الشابة واللامعة الخارجة من الجامعات تجد صعوبة في التفكير العميق، بسبب اعتمادها المفرط على التكنولوجيا في الحصول على الإجابات، فهم لا يحسنون التفكير بعناوين رئيسة، ولا يمتلكون فهماً قائماً على التعاطف للجمهور أو العملاء، وغالباً ما يعجزون عن طرح الأسئلة الصحيحة ويبدون مرتبكين حين يواجه عملهم البحثي المتقن استجواباً نقدياً أو حتى تشكيكياً من رؤسائهم.
حين بدأت عملي كانت المزايا التي يتطلع إليها الجميع تتمثل في طاولات تنس الطاولة وكعك "البيغل"، أما اليوم فقد أصبح فن السرد والتفكير النقدي هما الميزتين اللتين يسعى الجميع إلى امتلاكهما، ولا تسيئوا فهمي فأدوات الذكاء الاصطناعي مذهلة فعلاً، فأنا أستخدم تطبيق "بيربليكسيتي" (Perplexity) في عمليات البحث الإلكتروني، وبرنامج "كلود" (Claude) لصقل كتاباتي، ولا أستغني عن روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" (ChatGPT) في البحث عن إجابات سريعة (مع تحققي الدائم من المصادر)، بينما يرفع المساعد الذكي "جيميناي" من "غوغل" كفاءتي في المراسلات البريدية، وتقدم أداة التصميم "كانفا" نتائج باهرة في عروض الـ "باور بوينت"، وكذلك أصنع فيديوهات تعليمية باستخدام منصة "سينثيزيا" (Synthesia)، وكل هذه الأدوات فائقة السرعة وخالية من الأخطاء إلى حد كبير وسهلة الاستخدام، ولكنها تفتقر إلى "الخلطة السرية" للإبداع التي نضفيها نحن البشر.
في المقابل ليس في مقدور الآلات صبغ عملك ببصمتك الخاصة وشخصيتك الفريدة، فلكل إنسان أسلوبه الفريد وخلفيته الثقافية والفكرية ورؤيته الذاتية التي تضفي على العمل روح الأصالة، وإذا كان الجميع يكتبون المحتوى ذاته، ومن السهل كشف المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، فإن أولئك الذين يشغلون عقولهم ويقدمون أفكارهم الأصيلة (والعشوائية أحياناً) سيكونون الأكثر أهمية وقيمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الآلات غير قادرة على التقاط الموقف العاطفي لحظة وقوعه والتفاعل معه خلافاً للإنسان، والجزء الأهم في أي عرض تقديمي ليس تلك الشرائح الأنيقة التي أعدتها التكنولوجيا، بل يكمن السر في وجودك داخل الغرفة، حيث ترصد ردود فعل الحاضرين وتتحسس مواطن إحباطهم وتدرك يقيناً متى أصبت الحقيقة ومتى أهدرت فرصة محققة، وتلك هي اللحظة الحاسمة والجزء الذي يضمن إبرام الصفقة.
يتعذر على الآلات مضاهاة مهاراتك البشرية، فأنت تملك القصص الواقعية واللمسات الحيوية والخبرة الشخصية والقدرات التفاعلية التي تمنح الأمور بعداً أعمق في لمح البصر، وصحيح أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتطور كل يوم ولكنه يظل متملقاً في تفاعلاته، ويكتفي بالتنبؤ بسلوكنا وأفعالنا المحتملة، إنه مجرد تخمين لما يعنيه أن نكون بشراً.
في هذه البيئة يعتمد النجاح على القدرة على التواصل الفاعل من طريق الملاحظة الدقيقة والاستماع الواعي، ثم التكيف سريعاً مع الحاجات المتغيرة للعملاء والمستهلكين والزملاء الحاليين منهم والمحتملين، وفي عالم يفيض بمحتوى مبتذل تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي، تتعاظم الحاجة إلى الأصالة وإلى شيء جريء ومختلف عن كل ما عداه، فإذا استطعت أن تمارس ذلك التفكير النقدي المعقد بطبيعته البشرية الفوضوية، وأن تنجز مهماتك عبر توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي توظيفاً واعياً بدلاً من إسناد كل شيء إليه، فستتمكن من التطور والارتقاء في هذا العالم، وسيزدهر عملك جنباً إلى جنب معك.
بينما يبشر الذكاء الاصطناعي بإحداث ثورة في قطاع الأعمال تكتشف مؤسسات كثيرة أنه لا يقدم دائماً القيمة الموعودة، أو أنه يكون مكلفاً ومعقداً حين يُطبق بمعزل عن الإشراف البشري، ولذا عليكم توظيف العناصر البشرية للعمل مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من إقصائها بسببه، والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي يتعثر عند نشره على نطاق واسع مما يخلق طلباً متجدداً على خبرات بشرية قادرة على إصلاحه، و"يبقى أن البشر مصدر الثقة والدقة والأصالة"، والجملة الأخيرة كتبها الذكاء الاصطناعي، وبصراحة ما كنت لأصوغها على نحو أفضل.
يكتب غرانت فيلر على منصة "سابستاك" Substack عن صناعة السرد القصصي في عالم الأعمال، عبر نشرته المتاحة على: https://open.substack.com/pub/grantfeller.
© The Independent