Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التقاعد المبكر... حلم جميل قد يخفي مخاطر صحية ونفسية

نحن نعيش ونعمل لفترات أطول من أي وقت مضى، لذلك لا تستسلموا لهذه "الخرافة"

في لمح البصر: إعادة اكتشاف الذات خيار أفضل من الانسحاب من الحياة المهنية قبل أن يكون المرء مستعداً لذلك (إتش بي أو)

ملخص

تنتقد ليندسي سيمبسون، مؤلفة كتاب "ثورة العمر"، وهم التقاعد المبكر، مؤكدةً أنه قد يقود إلى فقدان المعنى والتدهور النفسي والصحي. وتدعو إلى إعادة تشكيل الحياة المهنية بدل إنهائها، عبر عمل أكثر مرونة وهدفية، والاستفادة من الخبرة في مراحل لاحقة من العمر لبناء حياة أطول وأكثر توازناً ورضى.

يرى كثيرون في التقاعد المبكر وعداً مشرقاً. أرض أحلام. مكافأة. تحرر. والوجهة التي نسعى إليها منذ سنوات. حتى أن البعض يعتبره وسام شرف ومنافسة، فإذا تمكنوا من التقاعد في سن 58 بينما تقاعد صديقهم في سن 60، فإنهم يعتقدون أنهم "نجحوا" في حياتهم!

بعد عقود قضيناها ونحن نكدح، تتراءى لنا صور الحرية والسفر وممارسة الهوايات، وتراجع الضغوط، والحصول على متسع من الوقت أخيراً لتعلم اللغة الإسبانية وترميم المنزل، ولقاء أصدقائنا متى شئنا.

وإن كان هذا حلمك فلا أقصد أن أحبطك تماماً، لكن عليّ أن أقول لك بصراحة: إن التقاعد ليس فقط أوقاتاً سعيدة واسترخاءً. بل غالباً ما يقترن بالتهميش وفقدان المعنى، وقد يكون، على نحو صادم للكثيرين، ضاراً بصحتنا. في الواقع، ثبت أن تأخير التقاعد لمدة عام واحد فقط يمكن أن يقلل من خطر الوفاة بنسبة 11 في المئة، وهذا ما يُفقد حلم التقاعد المبكر بعضاً من بريقه، أليس كذلك؟

لقد أقنعونا بخرافة. أن العمل سيئ والتقاعد جيد. لكن التركيز على شيء واحد كلياً دون الآخر ليس أبداً ما نريده حقاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يدخل الناس مرحلة التقاعد مسلّحين بخطة ترشدهم لملء 24 ساعة في اليوم طوال أيام الأسبوع على مدار عقود قادمة. بل غالباً ما يمضون إلى التقاعد دون وعي، أو يُدفعون إليه، كمن يهوي من حافة جرف. وبدلاً من الشعور بالتحرر، يشعرون بالضياع.

يقلّ عدد المكالمات الهاتفية. وتفقد الأيام ملامحها. وتختفي مكانة الإنسان بين ليلة وضحاها. وتصبح علاقتنا بالمال معقدة (سواء كان لديك ما يكفي منه أم لا)، بينما يتلاشى بهدوء إحساسنا بفائدتنا - وبأننا مطلوبون.

نادراً ما نتحدث بصراحة عن الآثار المترتبة على التقاعد المبكر. ومع ذلك، فإن المعطيات والتجارب الحياتية تروي قصة مشتركة. فالتوقف عن العمل قبل الأوان، دون خطة، غالباً ما يضر بسلامتنا العقلية وأمننا المالي وحتى طول عمرنا.

كيف تعيد بناء حياتك المهنية بعد الاستغناء عنك من العمل من دون أن تتوارى؟

لا ينظر شخص في الخمسينيات أو أوائل الستينيات من عمره إلى تسريحه من العمل على أنه مجرد قرار تجاري محايد. بل يشعر بأنه أمر شخصي. بل قاسٍ. ففي لحظة ما، يكون شخصاً صاحب خبرة يحظى بالاحترام والثقة. وفي اللحظة التالية، يقال له إنه "مكلف للغاية" أو "غير ضروري"، والأسوأ من ذلك هو عندما لا يقولون له شيئاً على الإطلاق.

تعدّ هذه اللحظة بالنسبة إلى كثر من الناس لحظة استسلام نفسي، إذ يتساءلون: إذا لم أستطع الحصول على الوظيفة نفسها، واللقب نفسه، والراتب نفسه، فما الفائدة إذن؟ لكن إليكم الحقيقة التي أتمنى أن يعرفها المزيد من الناس مبكراً: لا تكمن المشكلة في عدم قدرتك على الحصول على وظيفة مماثلة لوظيفتك السابقة. بل المشكلة هي أنك تستخدم معياراً خاطئاً لقياس النجاح في هذه المرحلة من حياتك.

قد تتراجع مكانتك الوظيفية، وقد تتغير هياكل السلطة. لكن هذا لا يعني أن حياتك العملية قد انتهت. بل يعني أن شكل العمل يحتاج إلى تغيير. وعليك أن تذكر نفسك بأنك لم تعد في مرحلة "إثبات الذات" من الحياة. أنت الآن في مرحلة "تحسين الذات".

إن تقليص الطموح المهني لا يعني الاستسلام. بل هو إعادة ضبط استراتيجية. إنه يعيد لك السيطرة على حياتك لتنفذ خطة "العيش أكثر والعمل أقل". ليست مهمتك أن تتقاعد وتتخلى عن كل شيء. بل هي بناء مسار عمل طويل ومتنوع في مرحلة متأخرة من الحياة. أو كما يروق لي أن أقول، مهمتك هي أن تصمم حياة لا ترغب أبداً في التقاعد منها لأنها تمنحك هدفاً ودخلاً وعلاقات ونظاماً يومياً وتنوعاً، وهي جميعها عناصر نحتاج إليها لعيش حياة طويلة وصحية في مرحلة متأخرة من العمر. قد يعني هذا أن تُحوّل هواية إلى عمل إضافي، أو أن تعود إلى الكلية أو الجامعة لتطوير مهاراتك، أو أن تنتقل للعمل في وظائف بدوام جزئي أو كمتعاقد. في كثير من الأحيان، قد تغير مجال عملك ومسيرتك المهنية بالكامل.

أعد ابتكار نفسك، لا تتقاعد

لا تعني إعادة ابتكار نفسك التظاهر بأنك في الـ30 من عمرك مجدداً. بل تعني طرح أسئلة أكثر جرأة وصدقاً: ما الذي يثير فضولي حقاً الآن؟ ما هي المهارات التي اكتسبتها ولم أستخدمها بشكل كامل؟ ما هي الأنشطة ومن هم الأشخاص الذين يمنحونني الطاقة أو يستنزفونها؟

غالباً ما تكون مرحلة العمر الحافلة بالخبرة أقوى مراحل حياتك. فأنت تتمتع بحسن التقدير وبنظرة ثاقبة، وقدرة على التعرف إلى الأنماط. لقد اختبرت دورات وأخطاء وعمليات إعادة هيكلة وفترات انتعاش، ولذلك فأنت الآن أفضل في حل المشاكل مما كنت عليه في شبابك. أنت تعرف ما هو المهم، ولم تعد تكترث بالأمور غير المهمة.

غالباً ما تظهر إعادة اكتشاف الذات على شكل مشاركة مهاراتك. وقد يتجسد ذلك في توجيه الزملاء أو تدريبهم، أو حتى تطوير عملك بحيث تنخرط في مجال التدريس أو الاستشارات. في كتاب "ثورة العمر"، أوضح لك عملية اكتشاف الـ"إيكيغاي" الخاص بك، وهذا مفهوم ياباني يعني اكتشاف هدفك في الحياة. إنها طريقة رائعة لتحفيز عقلك كي يحدد المهنة التي قد تمارسها في المستقبل، من خلال التفكير في الأمور التي تحبها وتلك التي يحتاج إليها العالم وتلك التي يمكن أن تكسب منها رزقك، وتلك التي تجيدها.

عندما تعكس وظيفتك شخصيتك الحالية، بدلاً من شخصيتك قبل 20 عاماً، فلن تستنزف طاقتك بعد الآن بل ستصبح مصدر دعم لك.

كن سيّد نفسك

تُعدّ حركة رواد الأعمال الذين بلغوا منتصف عمرهم إحدى الثورات الصامتة في عصرنا الحالي. ويعتبر هذا الأمر من المفارقات، نظراً إلى أن هؤلاء الأشخاص يمثلون إحدى أكبر الشرائح امتلاكاً للثروة والقوة الشرائية. فهم يؤسسون أعمالاً تستند إلى خبراتهم الحياتية الملموسة، وليس إلى مجرد صيحات.

يبلغ عدد الأشخاص الذين تجاوزوا الـ50 من عمرهم ممن يؤسسون مشاريعهم الخاصة ويصبحون رواد أعمال جدد مستويات قياسية. إن كنت تحلم باتخاذ هكذا خطوة منذ زمن طويل دون أن تمتلك الثقة الكافية للقيام بها، فقد يسرّك أن تعلم بأنّ فرصة نجاح شخص يبلغ من العمر 50 سنة في بناء شركة سريعة النمو تبلغ ضعف فرصة نظيره البالغ من العمر 30 سنة، الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و64 سنة يمثلون الآن ما يقارب ربع جميع رواد الأعمال الجدد.

نحن نتجاهل عنصراً أساساً عندما نعتبر ريادة الأعمال حكراً على الشباب. إن الخبرة مصدر قوة، إذا سمحنا لها بأن تكون كذلك.

كيف تستغل ما لديك لتوليد الدخل

من الخرافات الأخرى المتعلقة بالتقاعد: أنك إذا أردت الاستمرار في كسب المال، فعليك البدء من الصفر. في الواقع، يمتلك الكثيرون بالفعل ما يكفي من الخبرة والمعرفة بقطاع عملهم والأصول وشبكات العلاقات لتوليد الدخل، لكنهم لم يكرسوا الوقت الكافي للتفكير في كيفية تحقيق ذلك.

هل يمكنك توظيف خبرتك لتولي أدوار قيادية جزئية في الشركات الصغيرة، أو في التدريس أو الكتابة أو إلقاء المحاضرات؟ هل تمتلك منزلاً يمكنه توليد دخل من الإيجار؟ هل يمكنك تسويق معرفتك أو إنشاء دورات تدريبية عبر الإنترنت؟ في كثير من الأحيان، لا يمثل ذلك مصدر دخل واحد كبيراً، بل مجموعة من مصادر الدخل الصغيرة. ليس الهدف هنا تحقيق أقصى ربح ممكن، بل القدرة على التكيف. إن الدخل المرن الذي يمكن الاعتماد عليه والذي يعزز رفاهيتك يساوي أكثر بكثير من استنزاف سنواتك الأخيرة في وظيفة مليئة بالضغوط التي تضعف صحتك شيئاً فشيئاً.

في أنّ هذا القرار قد يكون أفضل قرار تتخذه في حياتك

هذه هي النقطة التي علينا التحدث عنها حقاً. فالتقاعد من دون خطة لقضاء الوقت بصورة هادفة يرتبط بتدهور الصحة، وفقدان الروتين وفقدان الهوية وتقلص العلاقات الاجتماعية، وكلها عوامل تسرّع التدهور الجسدي والمعرفي.

على النقيض من ذلك، فإن مواصلة العمل بشكل هادف ترتبط بوضع نفسي أفضل، وروابط اجتماعية أقوى، وعمر أطول.

وقد أظهرت الأبحاث التي أجرتها الدكتورة بيكا ليفي من كلية الصحة العامة في جامعة يال أن النظرة الإيجابية للشيخوخة وحدها كفيلة بإطالة العمر سبع سنوات ونصف. هذه ليست سنوات تقضيها مقيداً بمكتبك. بل هي سنوات تعيشها بمغزى. وحسب إيقاعك. وبإرادتك. وهي تعطيك دافعاً للاستيقاظ في الصباح يتجاوز مجرد إنجاز المهام والمواعيد.

توهمنا فكرة التقاعد المبكر بفكرة مفادها أن السعادة تكمن في الخروج من سوق العمل. لكن المعنى الحقيقي للحياة لم يكن يوماً على هذا النحو. فالمال لا يساوي الإحساس بالغاية، والتقاعد لا يعني بالضرورة السعادة. وفي عالم نعيش فيه أعماراً أطول من أي جيل سبقنا، لا يكمن الخطر الأكبر في العمل لفترة طويلة، بل في الانسحاب مبكراً والتلاشي تدريجياً على الجانب الآخر من ذلك "الحلم" المزعوم.

ليندسي سيمبسون هي مؤلفة كتاب "ثورة العمر: انطلق بقوة في النصف الثاني من حياتك"، ومؤسِّسة شركة "55/ريديفايند" Redefined/55 ورئيستها التنفيذية

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات