ملخص
يرى أكاديميون أن رؤية أديس أبابا تقوم على أن غياب المنفذ البحري يُبقي أمنها القومي رهينة لتقلبات دول الجوار، ويحرمها من صياغة أمن البحر الأحمر.
لم يعد الحديث عن المنفذ البحري في السياسة الإثيوبية شعار مرحلة، بل تحوله إلى عُقدة في سياسة أديس أبابا، التي تبنت هذا الملف ليكون تذكيراً للداخل باعتباره هدفاً حيوياً لضمان مستقبل إثيوبيا، وللخارج بوصفه حقاً مشروعاً لا بد من تأييده والاعتراف به.
وكثيراً ما ارتبطت هذه القضية بآخرين في معترك مناخ إقليمي لا يخلو هو الآخر من عُقد... فهل تتطلب قضية المنفذ البحري مبدأ العطاء من أجل الأخذ، وما أبعاد القضية؟.. وإلى أي مدى تؤثر القضية في الواقع المحلي والإقليمي خلال الحقب المقبلة؟
والمنفذ البحري أدرجته أديس أبابا كقضية حيوية للسياسة الإثيوبية أخيراً في ظل ما تعانيه من انغلاق بحري بعد استقلال إريتريا، خلال مايو (أيار) عام 1993، واستحواذها على ميناءي عصب ومصوع، وما يمثله المنفذ البحري من أهمية للاقتصاد الإثيوبي، فضلاً عن الطموح كدولة إقليمية لها تاريخ مشارك في حضارة البحر الأحمر، وعليها ضمن ذلك التزامات تلعبها تجاه الواقع الإقليمي والمنطقة والمحيط الدولي.
إثيوبيا في تطلعها القُطري تتجاوز ما يقال في صفة الانغلاق الذي توصف به 16 دولة أفريقية حبيسة غير ساحلية في القارة السمراء و44 دولة حول العالم، فهي لا تعترف بواقع الانغلاق بحكم رؤى ممزوجة بواقع تاريخ قديم، ودور مستقبلي تنظر إليه في حيثيات المنطقة الإقليمية وصراعتها وتنافساتها، ويغذي ذلك الشعور مستوى دولي ينظر إليها كلاعب في رسم واقع مستقبلي بمنظار قوى دولية تبحث عن فرص وتكريس مصالح سياسية على واقع الجغرافيا في منطقة القرن الأفريقي وشرق القارة والبحر الأحمر ضمن متطلبات الصراع.
اقتصاد واقع غير مواتٍ
ولعل ما جرى ويجري في المنطقة من تحولات لا يخرج عن نطاق تلك المعطيات المدعومة بإحساس الحقوق وقد خطت إثيوبيا من جهتها خطوات في فرض واقع سد النهضة، الذي لا تزال تداعياته على منطقة وادي النيل وما يواجه من مطالبات قانونية وتشاركية من قبل دولتي المصب (بحجة الحفاظ على حقوقهما المشروعة في المياه).
ويجيء إعلان إثيوبيا ومطالبتها بالمنفذ البحري في المياه الإقليمية والدولية والبحر الأحمر على وجه الخصوص كذلك في ظرف تداعيات سد النهضة، فضلاً عن واقع إقليمي غير مواتٍ في حيثيات ما يمكن أن نصفه بـ"أضغان التنافس وخلفيات الأحداث"، بدليل ما واجهته مذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا خلال يناير (كانون الثاني) 2024 مع إقليم صوماليلاند من رفض ومقاومة قادت إلى أتون صراع لا تزال آثاره متفاعلة.
ضمن ما أشرنا إليه من معطيات تخطو السياسة الإثيوبية في كل الاتجاهات في حيثيات الضرورات، وتمضية المصالح الآنية في واقع الانغلاق (غير المسلم به). وتشير الإحصاءات على النطاق الاقتصادي إلى بلوغ قيمة واردات السلع إلى إثيوبيا نحو 21.5 مليار دولار خلال عام 2024، أي زيادة تقارب 26 في المئة مقارنة بعام 2023.
أما بيانات التجارة الدولية للأمم المتحدة فتلفت الانتباه إلى أن واردات السلع خلال عام 2023 كانت نحو 17.05 مليار دولار. وتشمل أهم الواردات، الوقود والآلات ومعدات النقل الثقيلة والسيارات وقطع الغيار والأسمدة والأدوية والمنتجات الكيماوية، فيما تتقدم الصين قائمة الدول المصدرة لإثيوبيا.
وعلى مستوى الصادرات، قال وزير التجارة والتكامل الإقليمي ورئيس مجلس إدارة بورصة السلع الإثيوبية كاساهون غوفي، خلال مايو 2026، إن بلاده حققت عائدات تصديرية تجاوزت 8.7 مليار دولار خلال الأشهر الـ10 الماضية من العام المالي الحالي، في مؤشر إلى تطور أداء قطاع التجارة الخارجية في البلاد.
ووفقاً لوكالة الأنباء الإثيوبية، أوضح غوفي أن الإصلاحات الأخيرة أسهمت في تحقيق نتائج ملموسة في قطاع الصادرات، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على رفع العائدات إلى 10 مليارات دولار بحلول نهاية العام المالي.
رفع قيود خدمات البحر
وعن السياسات الجديدة التي تنتهجها إثيوبيا على نطاق قطاع النقل البحري والخدمات البحرية اللوجيستية، كشفت مصادر محلية عن أن أديس أبابا أقرت رفع القيود التنظيمية المفروضة على مشاركة المستثمرين الأجانب في قطاع خدمات الشحن والتخليص الجمركي، بما يتيح الملكية الأجنبية الكاملة في هذا القطاع، في إطار استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية.
وبحسب المصادر، فقد وافق مجلس الاستثمار الإثيوبي التابع لهيئة الاستثمار على القرار، متضمناً إلغاء شرط الشراكة مع مستثمرين محليين، إضافة إلى إلغاء سقف الملكية الأجنبية البالغ 49 في المئة.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن القطاع كان يصنف ضمن الأنشطة المقيدة في إطار اللوائح المنظمة لقطاع الخدمات اللوجيستية، والتي كانت تحدد نطاق مشاركة المستثمرين الأجانب في هذا المجال. وأضافت المصادر أن هذا التعديل يأتي ضمن مسار تدريجي لتحرير قطاع الخدمات اللوجيستية، والذي بدأ منذ عام 2018 عبر السماح بمشاركة محدودة للمستثمرين الأجانب في بعض الأنشطة من خلال ترتيبات شراكة، قبل الانتقال إلى مرحلة الانفتاح الكامل في هذا القطاع.
ويرتبط هذا الإجراء بجهود حكومية لمعالجة التحديات الهيكلية في قطاع الخدمات اللوجيستية، بما في ذلك ارتفاع كلف النقل وتجزؤ الخدمات وضعف التكامل التقني، في اقتصاد غير ساحلي يعتمد على ممرات تجارية إقليمية.
وتوضح المعلومات أن الخطوة تهدف إلى تعزيز جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع الخدمات اللوجيستية، ورفع كفاءة خدمات الاستيراد والتصدير، ودعم إدخال التقنيات والخبرات التشغيلية.
الجرح التاريخي
الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الأفريقية علي حسين يمر يرى أن "أبعاد قضية الانغلاق تشكل خنقاً جمركياً كلفته السنوية تتجاوز 1.5 مليار دولار في استخدام ميناء جيبوتي (95 في المئة من التجارة الإثيوبية)، ما يهدد نمو دولة يفوق تعداد سكانها 130 مليون نسمة".
ويقول إن "رؤية أديس أبابا تقوم على أن غياب المنفذ البحري يبقي أمنها القومي رهينة لتقلبات دول الجوار، ويحرمها من صياغة أمن البحر الأحمر. إلى جانب الشعور بالجرح التاريخي بعد فقدان الساحل منذ استقلال إريتريا عام 1993، وبحكم التاريخ الذي ظل فيه البحر الأحمر يمْثُل كماضٍ حقيقي وكحق طبيعي".
ويمضي في رؤيته بقوله "إثيوبيا من جهتها مستعدة للعطاء وتقديم حصص في شركاتها الكبرى كالخطوط الإثيوبية والاتصالات ومشاريع الطاقة مقابل المنفذ البحري، ولكن تكمن العقدة في نوعية الأخذ (طبيعة المنفذ)، فأديس أبابا لا تبحث عن مجرد ممر تجاري، بل عن موطئ قدم سيادي أي قاعدة عسكرية وميناء بإدارة كاملة. وهذا الطموح السيادي يصطدم مباشرة بمخاوف السيادة لدى دول الجوار، كما حدث في أزمة مذكرة التفاهم مع صوماليلاند".
ويضيف "في اعتقادي... داخل النطاق المحلي الإثيوبي ستبقى القضية ورقة لحشد الجبهة الداخلية وتأجيل الصراعات العرقية، لكن استمرار العزلة سيعمق استنزاف العملة الصعبة ويعطل التنمية. أما إقليمياً فتؤدي الأزمة إلى استمرار الاستقطاب الحاد وتشكيل تحالفات مضادة (مثل التقارب الصومالي – المصري - الإريتري)، مع تزايد تدويل أمن المنطقة ودخول القوى العظمى والملفات الإقليمية على الخط".
ويتابع "عموماً سيبقى البحر هماً مؤرقاً حتى ينتقل الخطاب من لغة الأمر الواقع والحق التاريخي إلى لغة التكامل الاقتصادي الشامل (سوق إقليمية مشتركة للقرن الأفريقي)، إذ تذوب الحدود الاقتصادية وتتحول الموانئ إلى منافع متبادلة، وبغير ذلك يظل الملف فتيلاً للاشتعال".
ليس بمستحيل
في الوقت نفسه، يقول الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية يوسف ريحان إن "هناك أهدافاً تقع ضمن استراتيجيات أي دولة ومن أولوياتها المرتبطة بنواحي عدة، سواء المتعلقة بأمنها القومي أو بمستقبل التنمية أو ببناء الاقتصاد لديها، مما يحقق رفاهية الشعب كواجبات أي حكومة تجاه شعبها، وهناك وسائل وآليات لتحقيق ذلك. فالحقائق على الأرض لا يمكن القفز عليها سواء متعلقة باستقلالية الدول أو بسيادتها على أراضيها، وهذه الحقائق يجب ربطها بالأهداف والوسائل لكي نقيمها وندرس كيفية تحقيقها".
وينبه إلى أن "المنفذ البحري أحد المتطلبات المهمة لدى حكومة آبي أحمد بعدما أنجزت مشروع سد النهضة، إذ يعد المشروعان (السد والمنفذ البحري) ركيزتي أساس لنهضة إثيوبيا تعمل حالياً على إنجاز الشق الثاني المتعلق بالمنفذ. فإن كان المنفذ البحري هو الهدف، فإن وسيلة تحقيقه إما بالتفاوض مع إريتريا، وهذا شيء طبيعي لا يجب أن يثير ضجة إعلامية، وبخاصة في ظل وجود اتفاقات لإثيوبيا مع جيبوتي التي تعد الدولة الرئيسة في نقل واردات وصادرات إثيوبيا، كما كانت لها اتفاقات سابقة مع السودان ومحاولات مع صوماليلاند أثارت توترات مع دولة الصومال وقتها، وأظن من الصعب تحقيقها".
ويمضي في طرح رؤيته بالقول "تظل الوسيلة الأخرى المتعلقة بالحرب للحصول على المنفذ البحري، وجرى التلويح بها من قِبل القيادة الإثيوبية في مناسبات عدة عبر رسائل صريحة وأخرى ضمنية في البريد الإريتري، جعلت من هذا الخيار أحد الخيارات المتاحة التي يمكن اللجوء إليها للحصول على المنفذ البحري".
ويؤكد أن "هذا الخيار يرجعنا لفتح باب الحقائق التي لا يمكن تجاوزها والتي أشرنا إليها أعلاه والمتعلقة بكون إريتريا دولة ذات سيادة وذات حدود معلومة، ولم يكن هناك خلاف بين الدولتين في حدود على البحر من قبل، وخلافهما الوحيد كان على مثلث بادمي الحدودي والذي أشعل الحرب بينهما خلال عامي 1998 و2000، وحُسم بقرار من محكمة العدل الدولية عام 2002 لمصلحة إريتريا، ثم عادت العلاقات بين الدولتين من جديد وجرى إنهاء الحرب بينهما وأصبح رئيس الوزراء آبي أحمد رجل السلام الذي أوقف الحرب واستحق جائزة نوبل للسلام جراء ذلك". ويضيف "لذلك، يصبح خيار الحرب للحصول على المنفذ البحري مناقضاً لتجربة لم يمض عليها إلا أعوام قلائل، والتناقض نفسه ينعكس حين الجمع بين رجل السلام ورجل الحرب في الوقت ذاته".
ويقول أيضاً "خيار الحرب، والذي لا أظنه الخيار المفضل لدى القيادة الإثيوبية، معقد ومكلف ويهدد كل المنجزات التي جرت في إثيوبيا، والتي ما كان لها أن تتحقق من دون السلام والاستقرار الذي أوجد بيئة ملائمة لجذب رؤوس الأموال للاستثمار في البلاد، وخلق فيها طفرة تنموية ملحوظة، إلا إنني أرى أن هذا الاهتمام الكبير من قبل حكومة آبي أحمد بالمنفذ وإثارته بالدرجة التي لا تقل أهمية عن سد النهضة، إنما يأتي من خلال نظرة مختلفة لمنفذ بحري ذي مهام ليست محصورة فقط في الصادر والوارد والحركة التجارية الطبيعية بين دولة مشاطئة وأخرى حبيسة، إنما من خلال منفذ بحري تُفرض عليه السيادة الإثيوبية الكاملة في دولة أخرى، وتتسع فيه دائرة الأهداف المرسومة له والتي من ضمنها إنشاء قوة بحرية ذات طبيعية عسكرية لها علاقة بالأمن القومي الإثيوبي، وبتطلعاتها لأن تكون دولة ذات نفوذ بحري كبير في ممر بحري مهم كالبحر الأحمر، الذي بدأ يكتسب مزيداً من الأهمية في الآونة الأخيرة".
ويوضح أن "المنفذ البحري يظل مهماً بالنسبة إلى إثيوبيا ولكنه ليس بالدرجة التي يجعلها تخوض حرباً لتحقيقه، لأن كثيراً من الدول الحبيسة استسلمت لقدر الجغرافيا وبعضها، كدولة رواندا على سبيل المثال لا الحصر وبعض الدول الأخرى، حققت معدلات نمو أكبر من الدول المتشاطئة. لذلك، فإن إثيوبيا تحتاج إلى مزيد من الحكمة لتحقيق أهدافها الوطنية من دون المساس بسيادة الدول ومن دون اللجوء للحرب، ويظل الجمع بين تلك العناصر من الصعوبة بمكان ولكنه ليس بمستحيل التحقيق".
ضرورة أمنية
من جهته، يقول الباحث الإثيوبي المتخصص في شؤون القرن الأفريقي عبدالصمد أحمد إن "المنفذ البحري يمثل لإثيوبيا حاجة اقتصادية ملحة لتلبية حاجات وتطلعات البلاد في الاستيراد والتصدير بيسر وسهولة، تحقق وتستجيب للتطورات الاقتصادية المعبرة عن الإمكانات الكبيرة التي يتطلع لها المخططون للاقتصاد الإثيوبي. كما أن المنفذ البحري بالنسبة إلى أديس أبابا ضرورة أمنية تتغلب بها على خطر استيرادها حاجاتها ومتطلباتها العسكرية والمدنية الحساسة".
ويضيف "كما أن اعتمادها على منافذ بحرية يديرها الآخرون له تأثير في أمن المعلومات، وفي هذا أخطار وآثار ظاهرة. وخلاصة القول أن القضية لها أبعاد اقتصادية وأمنية بتأثيراتها وتداعياتها المتداخلة، ولحل هذا الملف فإن إثيوبيا منفتحة على كل الخيارات التي يمكن التفاوض عليها بالأخذ والعطاء، وبما يحقق مصلحة الجميع، وبما لا يسبب أي ضرر لأي طرف".
إعادة تشكيل النظام الإقليمي
الأستاذة الجامعية المتخصصة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي تقول من جانبها إن "منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تشهد تحولات متسارعة تتجاوز حدود الأزمات المحلية، لتدخل نطاق إعادة تشكيل النظام الإقليمي للبحر الأحمر، وبخاصة في ظل تأكيد آبي أحمد أن تأمين منفذ بحري يمثل مسألة بقاء وطني لإثيوبيا، وليس مجرد قضية سياسية".
وتضيف "وضعت أديس أبابا الحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر على رأس أولوياتها، لكنها تواجه تعقيدات جيوسياسية عميقة تشمل التوتر المتجدد مع إريتريا والصومال، اللتين أبديتا رفضاً رسمياً لأية محاولات لامتلاك ميناء على سواحلهما، إضافة إلى التحفظات المصرية التي ترى في تعزيز القدرات البحرية الإثيوبية تهديداً محتملاً في سياق النزاع حول سد النهضة ومياه النيل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتابع "ولا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، والذي يمثل ملامح مشروع جيوسياسي متكامل يستهدف السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمها مضيق باب المندب. لذا، تتزايد المخاوف الإقليمية من احتمالات انزلاق منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى حرب مفتوحة".
وتختم حديثها بالقول "في تقديري، أن السبيل لحصول إثيوبيا علي منفذ على البحر الأحمر لا يجري إلا عبر تبني مبدأ الشراكة والتعاون، وبخاصة أن مصر لا تمانع في أن يكون لإثيوبيا منفذ بحري، لكنها ترفض السلوك حول المياه والمنافذ والتهديد بالوصول إلى البحر على حساب السيادة الوطنية للدول. وبالتفاهم حول الملفات المزمنة التي تؤثر في استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في مقدمها النزاع حول منطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، والذي يجسد نمطاً أفريقياً أشمل بتحول الحروب الداخلية إلى أنظمة إقليمية مفتوحة، تستقطب القوى الخارجية وترسخ دورات العنف. وأزمة سد النهضة الإثيوبي الذي يدون مرحلة تاريخية جديدة في معادلة مياه نهر النيل بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، تعد بداية لفصل جديد من النزاع حول الموارد المائية".
التناقض البنيوي
إلى ذلك، ينبه الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو إلى أن "الإشكالية الأساس في الخطاب الإثيوبي الرسمي لا تكمن في الحديث عن الحاجة إلى منفذ بحري بحد ذاته فالدول تبحث دائماً عن مصالحها الاستراتيجية، وإنما تكمن في التناقض البنيوي بين لغة الحق المشروع التي يجري تسويقها وبين الطبيعة القانونية والسياسية الفعلية للقضية".
ويقول أيضاً "إثيوبيا منذ استقلال إريتريا أصبحت دولة حبيسة وفقاً للقانون الدولي، وهو وضع تشترك فيه عشرات الدول من دون أن يتحول ذلك إلى مبرر لإعادة إنتاج نزاعات جغرافية أو ابتزاز سياسي مستمر للجوار".
ويضيف "اللافت أن الخطاب الإثيوبي خصوصاً في عهد آبي أحمد يحاول تقديم المسألة البحرية باعتبارها قضية وجودية تمس بقاء الدولة، بينما تكشف الوقائع أن إثيوبيا تمتلك بالفعل إمكانية الوصول إلى البحر عبر ترتيبات واتفاقات قائمة، أبرزها عبر جيبوتي، إضافة إلى إمكانات التعاون مع موانئ أخرى في المنطقة. بالتالي فإن جوهر الأزمة ليس غياب الوصول إلى البحر بل السعي إلى امتلاك نفوذ سيادي أو شبه سيادي على منافذ بحرية خارج الحدود الإثيوبية. ومن هنا يظهر التناقض الأوضح في خطاب أديس أبابا، ففي وقت تؤكد خلاله حكومة آبي أحمد احترامها لسيادة الدول ووحدة أراضيها تعود ذات النخب السياسية والإعلامية للحديث بلغة تاريخية أو ديموغرافية توحي بأن البحر حق مسلوب أو أن إثيوبيا ’حُرمت ظلماً‘ من منفذ بحري. وهذه اللغة لا تعكس فقط نزعة توسعية كامنة، بل تكشف أيضاً محاولة لإعادة كتابة التاريخ السياسي للمنطقة على نحو يتجاهل حقيقة أن إريتريا لم تكن امتداداً جغرافياً لإثيوبيا، بقدر ما كانت كياناً سياسياً خضع لمسارات استعمارية ودولية مختلفة، انتهت باعتراف دولي كامل بسيادتها واستقلالها".
وينوه الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية بأن "توظيف الملف البحري داخلياً يرتبط بصورة وثيقة بالأزمات البنيوية التي تواجه الدولة الإثيوبية. فكلما تصاعدت الأزمات العرقية أو الاقتصادية أو التوترات المسلحة داخل البلاد، عاد خطاب المنفذ البحري إلى الواجهة باعتباره أداة لإعادة إنتاج التعبئة القومية وتحويل الأنظار نحو قضية كبرى تتجاوز الانقسامات الداخلية. وبذلك يتحول البحر من ملف اقتصادي إلى أداة سياسية لإعادة بناء الشرعية الداخلية المأزومة".
ويؤكد أنه على المستوى الإقليمي فإن "خطورة هذا الخطاب لا تتوقف عند البعد الدعائي، بل تتعداه إلى خلق بيئة استراتيجية مضطربة داخل القرن الأفريقي. فحين يجري تقديم الوصول إلى البحر باعتباره حقاً تاريخياً أو ضرورة وجودية، فإن ذلك يفتح الباب أمام احتمالات التصعيد وإعادة إنتاج الصراعات الحدودية ،خصوصاً في منطقة تعاني أصلاً هشاشة التوازنات الأمنية وتشابك التدخلات الدولية".
ويرى قارو أن "الأكثر تناقضاً أن إثيوبيا التي تطرح نفسها باعتبارها قوة استقرار إقليمية، تبدو في الوقت ذاته أحد أبرز مصادر إنتاج القلق الجيوسياسي داخل المنطقة، عبر خطاب متقلب يجمع بين الدبلوماسية والتهديد الضمني. فهي تارة تتحدث عن الشراكة الاقتصادية والتكامل الإقليمي، وتارة أخرى توحي بأن قضية البحر مسألة لا يمكن استبعاد الخيارات الأخرى فيها، بما في ذلك استخدام موازين القوة والضغط السياسي".
ويختم حديثه بالقول "أزمة الخطاب الإثيوبي تجاه البحر تكمن في أنه يتعامل مع الجغرافيا بمنطق الرغبة السياسية لا بمنطق القانون الدولي وتوازنات الواقع. فالحصول على تسهيلات بحرية أمر يمكن تحقيقه عبر التعاون والتكامل والمصالح المشتركة، أما تحويل المسألة إلى قضية حق سيادي مفقود فهو مسار لا يقود إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار. وفي هذا السياق تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الحساسية، فإما أن يجري ضبط الطموحات الإثيوبية ضمن إطار التعاون الإقليمي واحترام سيادة الدول، أو أن يتحول ملف البحر إلى عنوان دائم لإعادة إنتاج الأزمات في القرن الأفريقي خلال الأعوام المقبلة، خصوصاً إذا استمرت النخب الإثيوبية في توظيف القضية كأداة تعبئة قومية ومشروع نفوذ إقليمي يتجاوز حدود الحاجات الاقتصادية الطبيعية".