Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الوصاية الهاشمية" معركة مكتومة في جنبات القدس

تسريبات حول وجود مخطط إسرائيلي لتقويضها ومعركة دبلوماسية تدور رحاها في الأسابيع المقبلة

تعود جذور هذه الوصاية إلى عام 1924 حينما بايع وجهاء القدس الحسين بن علي راعياً للمقدسات الإسلامية في المدينة (أ ف ب)

ملخص

يرى مراقبون أن معركة دبلوماسية ستدور رحاها في الأسابيع المقبلة، وسيتجاوز الأمر مجرد سجال سياسي عابر إذا ما اتضح حجم هذا المخطط وجديته، كونه يلامس أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الأردن، وأكثرها ارتباطاً بشرعية الدور الأردني التاريخي في المدينة المقدسة.

على رغم أن الموقف الأردني يؤكد أن القدس "خط أحمر"، وأن مسؤوليات المملكة تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية ثابتة وغير قابلة للمساومة، فإن حجم التسريبات المتداولة هذه المرة في شأن وجود مخطط إسرائيلي يستهدف تقويض الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، يثير تساؤلات كبيرة حول ما إذا كانت حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف انتقلت فعلاً من مرحلة التشكيك بالوصاية الأردنية إلى مرحلة استهدافها.

ويرى مراقبون أن معركة دبلوماسية ستدور رحاها في الأسابيع المقبلة، وسيتجاوز الأمر مجرد سجال سياسي عابر إذا ما اتضح حجم هذا المخطط وجديته، كونه يلامس أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الأردن، وأكثرها ارتباطاً بشرعية الدور الأردني التاريخي في المدينة المقدسة.

مؤشرات ودلائل

وتعد الوصاية أحد أهم أدوات الأردن السياسية والدبلوماسية في القضية الفلسطينية، التي تمنحها ثقلاً إقليمياً يتجاوز حدود الجغرافيا والديموغرافيا.

وحذرت محافظة القدس من عواقب أي مساس بالوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، رافضة أية ترتيبات أو تسميات بديلة لها، عقب تقارير تحدثت عن مخطط يستهدف تجريد الأردن من وصايته التاريخية على المسجد.

 

وأكدت المحافظة أن الطروحات المتداولة تمثل تصعيداً خطراً يستهدف المسجد الأقصى بصورة مباشرة، وتشمل فرض ترتيبات جديدة تمس الوضع التاريخي والقانوني والديني القائم، بخاصة أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تمثل مرجعية تاريخية وقانونية وسياسية معترفاً بها دولياً.

وأشارت إلى أن إسرائيل صعدت خلال الأعوام الأخيرة من تدخلاتها في شؤون المسجد الأقصى عبر عرقلة عمل الحراس والموظفين، وفرض قيود على المصلين، ومنع أعمال الترميم والإعمار، على رغم أن دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية هي الجهة الوحيدة المخولة قانونياً ودينياً بإدارة شؤونه وتنظيمه.

ومن أبرز بنود هذه الخطة وفق وسائل إعلام إسرائيلية، تأسيس إدارة إسرائيلية تتولى دوراً رئيساً في فرض السيادة البديلة داخل الحرم القدسي الشريف، والتحكم بالخطاب الديني من خلال منح إسرائيل صلاحية تعيين الأئمة والخطباء والموافقة المسبقة على محتوى خطب الجمعة، وطمس هوية الأقصى عبر محاولة تحويل المسجد إلى "مركز متعدد الأديان" لشرعنة الصلوات والطقوس التلمودية.

أكثر من إدارة

ترى عمان في الوصاية الهاشمية ركناً أساساً من أركان الشرعية التاريخية والسياسية للدولة الأردنية في الملف الفلسطيني، وليست مجرد وظيفة إدارية أو دور بروتوكولي في إدارة المسجد الأقصى.

وتعود جذور هذه الوصاية إلى عام 1924 حينما بايع وجهاء القدس الحسين بن علي راعياً للمقدسات الإسلامية في المدينة، قبل أن تتكرس هذه البيعة عبر عقود كالرعاية الهاشمية للمسجد الأقصى وقبة الصخرة وسائر الأوقاف الإسلامية.

لاحقاً وبعد السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية عام 1967، حافظ الأردن على دوره الديني والإداري في إدارة الأوقاف، ونص اتفاق السلام الأردني - الإسرائيلي عام 1994 على هذا الدور ومنحه اعترافاً خاصاً، قبل أن يعيد الاتفاقي الأردني - الفلسطيني عام 2013 تثبيت الوصاية الهاشمية باعتبارها المرجعية الشرعية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن منذ وصول التيار الديني القومي المتطرف إلى قلب المشهد السياسي الإسرائيلي لم يعد الحديث يدور فقط حول توسيع الاستيطان أو تغيير الواقع الديموغرافي في القدس، بل أصبح يتصل مباشرة باستهداف الوضع القانوني والسياسي والديني القائم في الحرم القدسي.

وتشير قراءات سياسية متقاطعة إلى أن بعض دوائر اليمين الإسرائيلي تنظر إلى الوصاية الأردنية باعتبارها آخر العقبات أمام فرض سيادة إسرائيلية كاملة على المسجد الأقصى، خصوصاً أن الوصاية تمنح الأردن حضوراً سياسياً وقانونياً ودينياً يصعب تجاوزه في أية ترتيبات تخص المدينة المقدسة.

وترى هذه القراءات أن الهدف هو تفكيك المرجعية الأردنية وإضعاف قدرتها على الاعتراض والمواجهة السياسية والدبلوماسية مع إسرائيل.

لماذا تقلق عمان؟

ويثير هذا الملف قلق الأردن لارتباطه مباشرة بالأمن الوطني، إذ إن أي تغيير أحادي في الوضع التاريخي والقانوني للقدس سيؤدي إلى موجات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار، ليس فقط في الأراضي الفلسطينية، بل في الإقليم بأكمله.

كذلك فإن المملكة تنظر إلى الوصاية باعتبارها أحد أهم أدواتها السياسية والدبلوماسية في القضية الفلسطينية، وأحد الملفات التي تمنحها ثقلاً إقليمياً يتجاوز حدود الجغرافيا والديموغرافيا.

لهذا السبب، كانت عمان من أكثر العواصم تشدداً في رفض الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، وفي مواجهة الدعوات الإسرائيلية المطالبة بتقسيمه زمانياً ومكانياً أو فرض وقائع جديدة داخله.

ودأبت المملكة خلال الأعوام الماضية على اعتبار أي مساس بالوصاية الهاشمية تجاوزاً للخطوط الحمراء، وحرصت على حشد دعم عربي وإسلامي ودولي متواصل للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس.

لكنها هذه المرة تراهن على مواجهة إسرائيل عقبات قانونية وسياسية كبيرة، في ظل ما تشهده المنطقة من مستويات غير مسبوقة من التوتر.

ويرى مراقبون أن الموقف الأردني يواجه تحدياً مزدوجاً، فداخلياً ثمة رغبة في عدم تضخيم التسريبات الإسرائيلية إعلامياً، إذ ربما تكون مجرد اختبار سياسي لجس نبض المنطقة، أما خارجياً فالأردن يرغب بإرسال رسائل حازمة إلى تل أبيب والعواصم الحليفة بأن العبث بهذا الملف هو وصفة للانفجار الشامل.

اشتباك سياسي

يعتقد المحلل السياسي حسين الرواشدة أن ‏الأردن سيواجه ملفات ساخنة خلال الأشهر المقبلة من أبرزها ملف القدس والمقدسات، وملف الضفة الغربية وهواجس التهجير، ثم انعكاسات الملفين وتداعياتهما على الداخل الأردني.

يؤكد الرواشدة أن المنطقة أمام صفقة قرن جديدة، إذ إن النقاشات التي تدور في رأيه في واشنطن وتل أبيب وغيرهما من العواصم الأخرى تشير إلى خطة جاهزة تشمل إدارة القدس وتدويل الإشراف على المسجد الأقصى، وضم ما تبقى من أراضي الضفة وتجميع الفلسطينيين في كانتونات محددة، وخلق فراغ سياسي من خلال إعلان إسرائيل التخلي عن مسؤولياتها المدنية والخدماتية التي تتعلق بالمناطق التي يتجمع فيها الفلسطينيون، مع احتفاظها بالسيطرة الأمنية والسيادية.

وحول طريقة تعاطي عمان مع هذه الملفات يقول الرواشدة إن الأردن قدم كل ما يستطيع لدعم القضية الفلسطينية سياسياً وإنسانياً، وسيبقى يمارس دوره في هذا الاتجاه، ولكنه لا يتحمل وحده مهمة التصدي لمشروع التصفية الذي تقف وراءه واشنطن وتل أبيب، وسينحاز خلال المرحلة المقبلة إلى خيار "الاشتباك السياسي"، ويخوض معركة سياسية طويلة وصعبة عبر بناء موقف عربي، ثم وضع مستقبل القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية في عهدة هذا الإطار العربي والإسلامي.

يدعو الرواشدة إلى إدارة الأزمة بحكمة وهدوء ونفس طويل، وطرح أفكار منتجة وحشد مواقف دولية ضاغطة لوقف تنفيذ المخططات الإسرائيلية، وإبقاء الوضع القائم في الضفة الغربية على ما هو عليه.

خطاب عدائي

بصورة عامة تحول الخطاب الإسرائيلي تجاه الوصاية الهاشمية عبر الأعوام من الالتزام الدبلوماسي الحذر إلى الهجوم العلني، وتنوعت هذه التصريحات بين مواقف رؤساء حكومات، ووزراء أمن، وتقارير ومخططات مسربة استهدفت جميعها الدور الأردني في القدس.

ففي عام 2022 وفي واحدة من أكثر المواقف علنية لضرب الاتفاقات الموقعة، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بتصريح حاسم يرفض فيه أي تدخل للأردن في إدارة المسجد الأقصى.

يومها قال نفتالي بالنص "إن جميع القرارات المتعلقة بجبل الهيكل (المسجد الأقصى) والقدس سيتم اتخاذها من قبل حكومة إسرائيل، التي تتمتع بالسيادة على المدينة، من دون أية اعتبارات أجنبية".

شكل هذا التصريح تراجعاً إسرائيلياً صريحاً عن "تفاهمات وادي عربة" التي نصت في مادتها التاسعة على احترام إسرائيل للدور الأردني الخاص في الأماكن الإسلامية في القدس.

وبين عامي 2024 -2025 ومع تولي اليمين المتطرف حقائب سيادية مثل وزارة الأمن القومي بقيادة إيتمار بن غفير، انتقل الخطاب من نفي الوصاية قانونياً إلى محاولة فرض واقع جديد ينهي دور الأوقاف الأردنية تماماً.

وأعلن بن غفير علناً في مناسبات عدة أنه "لو كان الأمر بيده لأقام كنيساً يهودياً داخل باحات المسجد الأقصى". وفي تصريحات لاحقة أكد أن سياسته تسمح لليهود بالصلاة وإقامة الطقوس والرقص ورفع الأعلام داخل الحرم، معتبراً أن "التمييز ضد اليهود في جبل الهيكل قد انتهى"، وهو تحد مباشر للصلاحيات التنفيذية لإدارة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية.

وانتقل الاستهداف الإسرائيلي من التصريحات الفردية للوزراء إلى المخططات الهيكلية المسربة، وتشير تقارير معهد السياسة والمجتمع إلى وجود تصور إسرائيلي - أميركي يهدف إلى تقليص دور الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن تدريجاً، وتحويل المسجد الأقصى من موقع إسلامي خالص تحت الوصاية الهاشمية إلى "فضاء ديني مفتوح" ومتعدد الأديان يمنح اليهود حق الوصول والصلاة بالتساوي.

اقرأ المزيد

المزيد من الشرق الأوسط