Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشاريع إسرائيل في القدس تطوير أم تهويد؟

قفزت مساحة الحي اليهودي من 5 آلاف متر مربع فقط قبل عام 1948 إلى نحو 133 ألفاً ومراقبون يحذرون من مخطط يقوض أية فرصة لتحقيق سلام

مشاريع غير مسبوقة في مدينة القدس تعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا لصالح الإسرائيليين (أ ف ب)

ملخص

يرى مراقبون أن الصمت الدولي أمام كل تلك المشاريع الإسرائيلية الرامية إلى طمس معالم القدس التاريخية ومؤسساتها الدولية ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، أسهم في تشجيع الحكومة الإسرائيلية على المضي قدماً لفرض مخطط إسرائيلي يوصف بأنه الأخطر منذ عقود، يقوض أية فرصة لتحقيق سلام عادل قائم على القانون الدولي، ويفتح الباب على مصراعيه أمام تغييرات جوهرية في "الوضع القائم" في القدس.

منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حظرت إسرائيل عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وسحبت الحصانة الدبلوماسية والامتيازات الممنوحة لموظفيها، وهدمت مقرها الرئيس في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية مطلع العام الحالي، مما شل قدرتها على تقديم الخدمات الحيوية من تعليم وصحة وإغاثة لملايين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

إلا أن ذلك كله بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية لم يكن كافياً لإنهاء وجودها والقضاء على "الاعتراف الدولي" بملف اللاجئين الفلسطينيين، فقررت الوقوف على أنقاض مقرها في القدس لتقيم متحفاً لجيشها ومكتباً لوزير أمنها وآخر للتجنيد.

هكذا أصبح المقر الإنساني، الذي عمل منذ خمسينيات القرن الماضي من دون توقف على خدمة الفلسطينيين ووقف كحارس لحقهم في العودة وإقامة دولتهم المستقلة، منشأة عسكرية إسرائيلية بكل ما تعنيه كلمة عسكرية من معنى، بما يشكل خرقاً جسيماً لاتفاق جنيف الرابع، ولاتفاق امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، الذي يعتبر المقر مكاناً لمنظمة أممية ويتمتع بحصانة قانونية. ووفقاً لبيان مشترك بين وزارة الأمن الإسرائيلية وبلدية القدس، فإن مساحة مجمع الدفاع المزمع إقامته على أنقاض مقر "أونروا" في القدس تبلغ مساحته 36 ألف متر مربع.

وفيما اعتبرت محافظة القدس أن إقامة منشآت عسكرية إسرائيلية على أنقاض مقر "أونروا" يمثل "تصعيداً خطراً وخرقاً فاضحاً للقانون الدولي"، أشارت وزارة الخارجية الفلسطينية إلى أن خطورة هذه السابقة تكمن في خلق تآكل تدريجي في الحماية القانونية المقررة للمؤسسات الدولية العاملة في مناطق النزاع والاحتلال، بما يفتح المجال أمام إخضاع عملها الإنساني والقانوني لاعتبارات القوة والأمر الواقع، مطالبة الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها باتخاذ خطوات واضحة وفاعلة لمحاسبة منتهكي القانون الدولي من إسرائيل، بما يكفل حماية الأمم المتحدة بعامليها ومقارها والحفاظ على ولاية مؤسساتها في الأرض الفلسطينية، وصون مقارها بموجب القانون الدولي، ويحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.

في المقابل صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن القرار يتعلق "بالسيادة والصهيونية والأمن" وأثنى عليه وزير البناء والإسكان الإسرائيلي حاييم كاتس، حين أكد أن إقامة متحف للجيش ومكتب للتجنيد "خطوة ضرورية ومهمة للحفاظ على تراث إسرائيل وتحسين ظروف المجندين"، على حد قوله.

خطة خمسية

السياسات المتسارعة لفرض وقائع ميدانية غير مسبوقة في مدينة القدس تعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا لصالح الإسرائيليين، لم تتوقف عند بناء مجمع عسكري على أنقاض مؤسسة أممية محمية، فقد طاولت الإجراءات الجديدة المصادقة قرارين جديدين يتعلقان بمنطقة حائط البراق في القسم الجنوبي من السور الغربي للمسجد الأقصى البالغ طوله نحو 50 متراً وارتفاعه نحو 20 متراً، أحدهما يتضمن خطة خمسية للأعوام 2027-2031، تشمل تكثيف الأنشطة التعليمية والدينية الموجهة للمجتمع الإسرائيلي، عبر توسيع مشاريع التهويد والبنية التحتية في محيط المسجد والحائط.

فيما خصص الثاني لمشروع "تعزيز الجهوزية للطوارئ" خلال عام 2026، إلى جانب مواصلة أعمال الحفريات والكشف الأثري والبنى التحتية الرامية إلى توفير الوقت والجهد على المستوطنين داخل "الحي اليهودي" بالبلدة القديمة في القدس، فبدلاً من صعود ونزول أكثر من 120  درجة من الحي اليهودي وصولاً الى ساحة البراق، تعمل "جمعية تطوير الحي اليهودي" التابعة لوزارة الإسكان الإسرائيلية على إنهاء مشروع "المصعد الكهربائي" الذي يصل عمقه إلى نحو 26 متراً، ويشمل ممرات تحت الأرض تضم بعض الحوانيت ومتاجر وغرفاً وقاعات، خصوصاً أن الكنيست الإسرائيلي صادق بالقراءة الأولى خلال فبراير (شباط) الماضي على مشروع لتعديل "قانون الأماكن المقدسة" المعروف إسرائيلياً باسم "قانون ساحة البراق"، لفرض مرجعية دينية يهودية وسيطرة أكبر على الموقع، بما قد يقلص صلاحيات الأوقاف الإسلامية تدريجاً، وصولاً إلى نقل بعض الصلاحيات إلى الحاخامية الكبرى.

ووفقاً لما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي قبل أيام، فإن الحكومة الإسرائيلية صادقت على مصادرة ممتلكات لفلسطينيين في شارع باب السلسلة في البلدة القديمة في القدس "لحاجات أمنية" تهدف إلى السيطرة على الشارع الذي يربط بين حائط البراق ومنطقة المسجد الأقصى. وتشير المعلومات المتوفرة لدى محافظة القدس إلى أن الموجة الحالية من المصادرات تستهدف ما بين 15 إلى 20 عقاراً فلسطينياً في منطقة باب السلسة، تشمل منازل ومحال تجارية تاريخية تعود لفترات أيوبية ومملوكية وعثمانية وتقع على طريق باب السلسلة المؤدي مباشرة إلى المسجد الأقصى وتطل على حائط البراق الملاصق للمسجد، من بينها المدرسة "الطشتمرية" التي تعد واحدة من أهم المدارس التاريخية في القدس منذ العهد المملوكي، إضافة إلى كتاب كان مخصصاً لتحفيظ القرآن الكريم.

 

ويرى مراقبون أن السيطرة على حي باب السلسلة تعني التحكم الكامل في حركة الدخول والخروج من جهة الغرب، بل وتندرج ضمن مخطط أكبر لتفريغ المحيط المباشر للمقدسات الإسلامية من الوجود العربي، وتحويله إلى ثكنات ومراكز استيطانية معزولة عن محيطها الفلسطيني، كيف لا ومعظم مباني الحي ملاصقة لما كانت تسمى "حارة المغاربة" قبل عام 1967، التي حولتها إسرائيل إلى ما بات يعرف بـ"حارة اليهود"، التي أصبحت مساحتها اليوم تصل إلى نحو 130 ألف متر مربع بعد أن كانت لا تتجاوز 5 آلاف متر مربع فقط عام 1948.

بركة ماميلا

وضمن مشروع تهويدي آخر جديد بموازنة تصل إلى 80 مليون شيكل (26.6 مليون دولار)، وتحت بند التطوير، صادقت السلطات الإسرائيلية على مواصلة تطوير ما تسميه "بركة ماميلا"، في إشارة إلى "بركة مقبرة مأمن الله" التاريخية، وتحويل المنطقة المحيطة بها إلى ما تسميه "حديقة الاستقلال"، التي تعد جزءاً من أبرز المقابر الإسلامية في القدس، وتضم قبور عدد كبير من الصحابة والمجاهدين أثناء الفتح الإسلامي يعود تاريخها لأكثر من تسعة قرون.

ووفقاً لما أعلنته بلدية القدس مطلع مايو (أيار) الجاري، فإن الأعمال الجديدة ستشمل إنشاء أنظمة ري متطورة، لري مساحات خضراء واسعة، إضافة إلى تطوير الجدران والأرضيات، وتركيب أنظمة إضاءة وصوت متطورة. وقد أكد رئيس البلدية موشيه ليون عبر الموقع الإلكتروني للبلدية أن المشروع الجديد "سيعزز مساحات خضراء واسعة كمركز ثقافي وترفيهي نابض بالحياة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحذر مقدسيون من أن الأعمال الجديدة ستلحق أضراراً مباشرة بما تبقى من القبور التاريخية المحيطة بالبركة الإسلامية، التي أصبحت أقل من خمسة في المئة، وقدرت المساحة المتبقية منها بنحو 19 ألف متر مربع فقط، من أصل 200 ألف متر مربع من مساحتها الكلية، التي كانت سيطرت عليها إسرائيل بالكامل عام 1948 وأقامت على جزء كبير منها "متحف التسامح" ومجمعاً للمحاكم، كما شرعت لجان التخطيط الإسرائيلية في ترسيم مخططات لبناء منشآت سياحية وتجارية وفنادق على الأجزاء الجنوبية الوسطى من المقبرة.

مركز سياحي

وفي إطار مشروع إضافي تقوده وزارة التراث الإسرائيلية، قررت لجان التخطيط تحويل موقع مطار القدس الدولي في بلدة قلنديا شمال القدس لمركز سياحي وتعليمي إسرائيلي، يتضمن إعادة تأهيل مباني المطار التاريخية، التي أنشئت خلال فترة الانتداب البريطاني وجرى توسيعها في العهد الأردني، إضافة إلى إنشاء معارض توثق "تاريخ الطيران الإسرائيلي" و"تاريخ الاستيطان" في المنطقة التي يطلق عليها الإسرائيليون اسم مجمع "عطروت" الاستيطاني، كما سيشمل المشروع جناحاً خاصاً لتخليد ذكرى "يوني نتنياهو" المرتبط بعملية "عنتيبي" العسكرية عام 1976.

وبالتوازي مع ذلك، أقرت الحكومة الإسرائيلية مخططاً لإقامة مركز للفئات السكانية الخاصة بحسب وصفها، جنوب البلدة القديمة بالقدس، يتضمن مرافق سكنية وخدماتية، على أن يستخدم أيضاً كمركز "إجلاء".

ويرى مراقبون أن الصمت الدولي أمام كل تلك المشاريع الإسرائيلية الرامية لطمس معالم القدس التاريخية ومؤسساتها الدولية ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، أسهم في تشجيع الحكومة الإسرائيلية على المضي قدماً لفرض مخطط إسرائيلي يوصف بأنه الأخطر منذ عقود، يقوض أية فرصة لتحقيق سلام عادل قائم على القانون الدولي، ويفتح الباب على مصراعيه أمام تغييرات جوهرية في "الوضع القائم" (الستاتيكو) في القدس، الذي يهدف إلى الحفاظ على الوضع الإداري والديني للأماكن المقدسة كما كان، وتعود جذوره للقرن الـ19 في العهد العثماني، وتم تكريسه دولياً عام 1878 .

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير