Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمير هاري يخسر معركته الأخيرة ضد الصحافة

حرب دوق ساسكس مع السلطة الرابعة تجدد النقاش حول حدود حرية الإعلام في بريطانيا

الأمير هاري خاض 3 معارك مع الصحافة البريطانية خلال السنوات الأخيرة (غيتي) 

ملخص

بعد نحو أربعة أعوام من التقاضي، خسر الأمير هاري معركته القضائية ضد صحيفتي "ديلي ميل" و"ميل أون صنداي"، إذ رفضت المحكمة العليا في لندن دعواه ودعاوى شخصيات بارزة أخرى اتهمت الناشر بجمع معلومات عنهم بطرق غير قانونية. الهزيمة تحمّل دوق ساسكس وشركاءه فاتورة قانونية قد تبلغ 50 مليون جنيه استرليني، وتفتح في بريطانيا نقاشاً واسعاً حول تنظيم الصحافة وحرية الإعلام، فيما تلقي بظلالها على مساعي المصالحة داخل العائلة المالكة.

انتهت أطول معارك الأمير هاري القضائية ضد الصحافة الشعبية البريطانية بهزيمة مدوية، بعدما قضت المحكمة العليا في لندن الثلاثاء الماضي، برفض الدعوى التي رفعها دوق ساسكس وست شخصيات عامة أخرى ضد مجموعة "أسوشيتد نيوزبيبرز" الناشرة لصحيفتي "ديلي ميل" و"ميل أون صنداي". وخلص القاضي ماثيو نيكلين إلى أن المدعين لم يثبتوا أن المعلومات المنشورة عنهم جرى الحصول عليها بطرق غير مشروعة، ورفض الادعاءات الـ97 المتعلقة بأنشطة غير قانونية كلها.

وتعود جذور القضية لأكتوبر (تشرين الأول) عام 2022، حين رفع هاري ومعه المغني إلتون جون والممثلة سادي فروست والسياسي السابق سايمون هيوز وزوج إلتون جون ديفيد فيرنيش، إضافة إلى الممثلة إليزابيث هيرلي والبارونة دورين لورانس، دعوى تتهم الناشر بانتهاك خصوصيتهم خلال الفترة الممتدة من مطلع تسعينيات القرن الماضي حتى العقد الثاني من الألفية الثالثة، وزعمت الدعوى أن الصحيفتين تورطتا في جمع معلومات بطرق غير قانونية، شملت اعتراض رسائل البريد الصوتي والتنصت على الهواتف الأرضية وانتحال الصفة للحصول على معلومات، مما يعرف في الوسط الصحافي بمصطلح "blagging".

بالنسبة إلى هاري، لم تكُن الدعوى مجرد نزاع قانوني، بل إنها فصل من حرب شخصية طويلة مع الصحافة الشعبية، فالأمير يحمّل الصحافة مسؤولية وفاة والدته الأميرة ديانا التي قضت في حادثة مرورية عام 1997 بينما كان المصورون (الباباراتزي) يطاردونها في باريس، كما يحملها مسؤولية الهجمات على زوجته ميغان دوقة ساسكس، مما دفع الزوجين إلى التخلي عن الحياة الملكية والانتقال إلى الولايات المتحدة عام 2020، وقد اعتبر هاري رفع الدعوى ضد ناشر "ديلي ميل" بمثابة "واجب عام" يقع على عاتقه.

وشهدت جلسات المحاكمة التي بدأت في يناير (كانون الثاني) الماضي واستمرت 11 أسبوعاً لحظات غير مسبوقة في التاريخ البريطاني الحديث، إذ كان هاري يحبس دموعه وهو يدلي بشهادته أمام المحكمة العليا، ليصبح أول فرد من العائلة المالكة يقف في منصة الشهود منذ 130 عاماً، متهماً "ديلي ميل" بجعل حياة زوجته ميغان "بؤساً مطلقاً". وقال الأمير خلال شهادته إن تغطية الصحيفة لحياته كانت "مرعبة" وجعلته "قلقاً من أن شيئاً سيئاً سيحدث"، مضيفاً أنه كان يتوقع دائماً أنه ملاحق ومراقب كلما استقل طائرة أو سيارة.

في المقابل، دافعت "أسوشيتد نيوزبيبرز" عن نفسها بقوة، ووصفت الاتهامات بأنها "منافية للعقل"، وأصرت على أن المقالات الـ50 تقريباً موضع النزاع استندت إلى مصادر مشروعة، من بينها أصدقاء ومساعدون ملكيون ووكلاء علاقات عامة قدموا المعلومات للصحافيين طواعية، وسارت محاكمة "ميل" بصورة مختلفة عن قضايا سابقة، إذ توافد الصحافيون إلى المحكمة للدفاع عن عملهم، وأشار بعضهم إلى مصادر رسمية مثل متحدث باسم القصر، وسمى آخرون مصادرهم لدحض تأكيد هاري أن دوائره الاجتماعية "لم تكُن تسرب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جاء الحكم النهائي حاسماً في صياغته وقاسياً في مضمونه على المدعين، فأصدر القاضي نيكلين حكماً امتد على أكثر من 400 صفحة، خلص فيه إلى أن المدعين فشلوا في إثبات أية مخالفة ارتكبها صحافيو المجموعة. وكتب القاضي أن "الشك، حتى لو كان مفهوماً، ليس دليلاً". ورفض نيكلين الاستنتاجات العامة التي اعتمد عليها دوق ساسكس لإثبات تورط الناشر في أنشطة غير قانونية، مؤكداً وجود نقص في الأدلة الداعمة للادعاءات، ومرجحاً أن التقارير الصحافية جاءت من مصادر مشروعة. وأوضح في حيثيات الحكم أن المدعين دعوا المحكمة عملياً إلى استنتاج أن المقالات استُقيت بطرق غير قانونية لمجرد أن المعلومات كانت خاصة ولأن الناشر لم يستطِع تفسير مصدرها بدقة، معتبراً أن ذلك "نهج غير مقبول".

وردّ هاري على الحكم بمرارة واضحة، إذ قال في بيان مشترك مع البارونة لورانس إن الحكم "تبييض كامل وواضح، لكنه للأسف لم يكُن مفاجئاً تماماً"، مؤكداً أن المحكمة حرمته العدالة والمحاسبة اللتين سعى إليهما. وأضاف البيان أن المدعين قدموا أدلة بينما اكتفى صحافيو "ميل" بالإنكار، "واختارت المحكمة تصديقهم من دون تمحيص".

تتجاوز تداعيات الخسارة على هاري البعد المعنوي إلى كلفة مالية ضخمة. فالحكم لا يطيح فقط بمسعى المدعين للحصول على تعويضات كبيرة، بل قد يتركهم أمام فواتير قانونية هائلة، إذ قدرت "أسوشيتد نيوزبيبرز" الكلف القانونية للقضية بأكثر من 50 مليون جنيه استرليني (نحو 67 مليون دولار) عن أعوام من التحضير للقضية، ومحاكمة استمرت 11 أسبوعاً. ويرى مراقبون أن توزيع هذه الكلف سيكون محل جدال أمام المحكمة لاحقاً، ولا يعني بالضرورة أن المدعين سيدفعون المبلغ كاملاً دفعة واحدة.

وكشفت تطورات لاحقة عن أن فريق هاري القانوني كان يدرك حجم المخاطرة قبل الحكم، إذ استعان ممثلو دوق ساسكس وشركائه في الدعوى بمحقق شرطة كبير متقاعد كوسيط للتواصل مع الناشر قبيل إدلاء هاري بشهادته، في محاولة للتوصل إلى تسوية كان من بين خياراتها المطروحة انسحاب الطرفين من التقاضي وتحمل كل منهما كلفه، غير أن رفض "أسوشيتد" الدخول في المفاوضات أنهى القنوات الخلفية، ومضت المحاكمة في موعدها.

وتحمل الهزيمة دلالة خاصة لأنها الأولى من نوعها في سجل هاري القضائي ضد الصحافة، فالأمير كان انتزع عام 2023 حكماً دان ناشري صحيفة "ديلي ميرور" بممارسة اختراق الهواتف على نحو "واسع ومعتاد"، كما قدمت صحيفة "ذا صن" التابعة لإمبراطورية روبرت مردوخ العام الماضي اعتذاراً غير مسبوق من التطفل على حياته لأعوام، ووافقت على دفع تعويضات كبيرة لتسوية دعواه.

وفي بريطانيا، تجاوزت أصداء الحكم حدود القضية نفسها لتلامس جوهر النقاش حول تنظيم الصحافة، فاحتفى معسكر الصحافة الشعبية بالنتيجة بوصفها انتصاراً تاريخياً، إذ وصف الناشر الحكم بأنه "انتصار كاسح لـ’ديلي ميل‘ وصحافييها"، فيما اعتبره متحدث باسم المجموعة "انتصاراً للصحافة الحرة عموماً" و"تزكية رائعة لصحافة ’ديلي ميل‘"، منتقداً "الدعوى الضالة التي أهدرت وقتاً قضائياً ثميناً وأكثر من 50 مليون جنيه من الكلف القانونية".

وذهب رئيس تحرير "دي أم جي ميديا" بول ديكر أبعد من ذلك، ووصف الحكم بأنه "أعظم يوم في تاريخ ’ديلي ميل‘"، معتبراً أن الدعوى كانت "مؤامرة لتدمير صحيفة، ومحاولة شريرة لإحياء المرحلة الثانية من تحقيق ليفيسون وفرض تنظيم قانوني على الصحافة"، كما وصف ديكر هاري بأنه "شاب مرتبك وغاضب"، معرباً عن أسفه لانجراره إلى القضية.

 

في المقابل، رفض معسكر الإصلاح الإعلامي اعتبار الحكم نهاية المطاف، إذ أشارت حملة "هاكد أوف" المدافعة عن ضحايا انتهاكات الصحافة، إلى أن المحكمة بتركيزها على حفنة من المقالات، لم تصدر استنتاجات حول ما إذا كانت الممارسات غير القانونية واسعة الانتشار في الصحيفة، وطالبت الحملة بمضي "المرحلة الثانية من ليفيسون" من دون مزيد من التأخير عبر تحقيق عام. ويتقاطع هذا الجدل مع مسار سياسي راهن، إذ تخشى الصحف من أن تعيد "الورقة الخضراء للإعلام" التي نشرتها الحكومة "العمالية" في يونيو (حزيران) الماضي فتح ملف التنظيم القانوني للصحافة.

وبدأ "تحقيق ليفيسون" عام 2011 بعد فضيحة تنصت صحيفة "نيوز أو ذا وورلد" News of the World على هواتف ضحايا وشخصيات عامة، ركز الجزء الأول منه على ثقافة الصحافة وأخلاقياتها وتنظيمها، أما الجزء الثاني فكان يهدف إلى بحث "ما وراء" الانتهاكات الصحافية، أي شبكات العلاقات بين الإعلام والشرطة والسياسة، أما "الورقة الخضراء" فهي ليست جزءاً من "تحقيق ليفيسون"، لكنها تقع في سياق أوسع من النقاش البريطاني حول الثقة بالإعلام والتنظيم الذاتي للصحافة ودور الدولة في حماية المجال المعلوماتي والعلاقة بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية.

وعلى صعيد العائلة المالكة، فإن توقيت الحكم زاد من حساسيته، إذ صدر القرار عن بعد ومن دون جلسة علنية بينما كان هاري في زيارة إلى المملكة المتحدة طغت عليها عناوين الصحف حول جهوده الأخيرة لرأب الصدع مع والده الملك تشارلز الثالث. وكان الأمير ظهر قبيل صدور الحكم خلال فعالية لمؤسسة "إنفيكتوس" للمحاربين القدامى  بلندن، في مؤشر إلى رغبته في الحفاظ على حضوره العام في بلاده على رغم العاصفة القضائية.

المفارقة أن معارك هاري القضائية كانت أحد أسباب القطيعة العائلية، إذ سبق للأمير أن قال إن لجوءه إلى المحاكم، في خروج على تقاليد العائلة المالكة، كان سبباً رئيساً في خلافه مع والده وشقيقه الأمير ويليام. فالمؤسسة الملكية ظلت تاريخياً تفضل احتواء أزماتها مع الصحافة بعيداً من قاعات المحاكم، حفاظاً على علاقة متوازنة مع إعلام تحتاج إليه لشرعيتها الشعبية. ومن هذه الزاوية، من الممكن أن ترى دوائر القصر في الحكم ما يعزز وجهة نظرها القائلة إن طريق التقاضي محفوف بالأخطار، وإن كانت الهزيمة تدفع هاري ربما، وقد استنفد معاركه الكبرى ضد الصحافة، إلى التفرغ أكثر لمسار المصالحة العائلية.

مستقبل حرب هاري مع الصحافة بلغ نهايته عملياً، إذ كانت هذه ثالث وآخر قضية يرفعها الأمير ضد الصحافة البريطانية، ويبدو استئنافه ضد الحكم في القضية الأخيرة مستبعداً، لكن النقاش الذي أشعلته قضايا الأمير حول حرية الصحافة وحماية الخصوصية في البلاد سيبقى حياً، وربما يجد صداه المقبل في أروقة السياسة لا داخل قاعات القضاء.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير