ملخص
وفق تقارير أمنية واستخباراتية حصلت عليها "اندبندنت عربية" ينشط في القرن الأفريقي أكثر من 120 خبيراً لـ"الحرس الثوري" من أجل الإشراف التقني والتدريب على المسيرات والتخطيط السيبراني.
يرى مراقبون دوليون أنه في حال تعرضت إيران لضغط عسكري في الداخل يجري تحريك الخلايا النائمة في أفريقيا لإغلاق قناة السويس فعلياً عبر استهداف السفن في خليج عدن والمحيط الهندي، مما يجبر القوى الدولية على تشتيت جهودها العسكرية بين الخليج العربي والبحر الأحمر.
لم تعد المياه الدافئة الممتدة على طول الساحل الصومالي الأطول في القارة الأفريقية، مجرد ممر حيوي للتجارة الدولية أو مسرحاً تقليدياً لعمليات القرصنة، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة كباش مغلقة ومكتومة بين قوى إقليمية ودولية. ففي وقت تشهد العلاقات بين واشنطن ومقديشو فترات من الجفاء والتوتر الصامت، تتقاطع التقارير الاستخباراتية الغربية والإقليمية عند رصد تحركات مريبة لما يعرف بـ"وحدات الظل التابعة للحرس الثوري الإيراني"، والتي اتخذت من شواطئ القرن الأفريقي بيئة مواتية لإعادة تموضعها الاستراتيجي، بعيداً من الرقابة اللصيقة المفروضة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
هذا الوجود الإيراني غير النمطي، الذي يتكئ على شبكات تهريب معقدة وفاعلين محليين من غير الدول، بات يطرح علامات استفهام كبرى حول أبعاد التوتر الأخير بين الصومال والولايات المتحدة، وعما إذا كانت واشنطن ترى في التراخي الأمني لقوات مقديشو ضوءاً أخضر سمح لطهران باختراق هذه الخاصرة الجيوسياسية الرخوة.
منطقة عازلة
بالمعنى العسكري الصارم، لا يكمن الحديث عن ألوية أو كتائب نظامية ترفع علم فيلق القدس الإيراني فوق الأراضي الصومالية، فـ"وحدات الظل" وفقاً لمصادر أمنية مطلعة تحدثت لـ"اندبندنت عربية"، هي عبارة عن شبكات لوجستية مرنة وخلايا ارتباط مصغرة تتبع إدراياً لـ"الوحدة 190 في الحرس الثوري" (المسؤولة عن عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود)، هذه الوحدات تتحرك تحت غطاء الصيد غير القانوني مستخدمة سفناً خشبية وحديدية تنطلق من موانئ تشابهار وبندر عباس. وتفيد المعلومات الجيوسياسية المرصودة حتى منتصف عام 2026 بأن هذه السفن لا تبحث عن الثروة السمكية، بل تعمل كـ"مستودعات عائمة ونقاط تقاطع بحرية في المياه الدولية والمسطحات المقابلة لإقليمي بونت لاند وجلمدغ. من هنا يجري تفريغ الشحنات الحساسة من قطع طائرات مسيرة ومواد متفجرة ونقلها عبر قوارب صيد محلية سريعة إلى مرافئ طبيعية وعرة وخارجة عن السيطرة الفعلية للحكومة الفيدرالية".
تحالف المصلحة
قراصنة ومهربون ومسيرات لـ"حركة الشباب"... أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في أروقة الأمن الدولي هو طبيعة التعاون بين هذه الوحدات والداخل الصومالي. التحليل الموضوعي يظهر أن هذا التحالف ليس أيديولوجياً على الإطلاق بل هو تحالف نفعي وتجاري بحت، وتتوزع خطوط هذا التعاون على مسارين وهما شبكات المهربين وبقايا أمراء القرصنة، إذ تستغل طهران الخبرة الميدانية لشبكات القرصنة والتهريب المحلية التي تمتلك معرفة جغرافية دقيقة بالثغرات الساحلية لخليج عدن والمحيط الهندي، ويقدم الصوماليون خدمات الحماية والتخزين الموقت في المغارات الجبلية الساحلية في مقابل الحصول على وقود إيراني رخيص وأموال لتغذية أنشطتهم المنفصلة، بحسب معلومات أمنية.
التقاطع العسكري
وهو المسار الأشد خطورة، إذ رصدت لجان التقصي الأمنية تزايداً في وتيرة اللقاءات والتنسيق بين جماعة "أنصار الله" الحوثيين الذين يمثلون الذراع البحرية التنفيذية لإيران في المنطقة، وقيادات ميدانية من "حركة الشباب".
ووفق ما جاء في رسالة تحذير أميركية تسلمتها الاستخبارات الصومالية، فبموجب هذا التنسيق يجري توفير الدعم الفني واللوجستي للحركة، بما في ذلك تقنيات تشغيل الطائرات المسيرة الانتحارية مقابل تأمين ممرات التهريب البرية والبحرية المتجهة نحو اليمن أو العمق الأفريقي. كذلك تبدو الدوافع الإيرانية واضحة في سياق إعادة تموضعها الإقليمي، فبعد تضييق الخناق البحري على تحركات الحوثيين في البحر الأحمر عبر تحالف "حارس الازدهار" والعمليات الأوروبية المشتركة، وجد "الحرس الثوري" في الساحل الصومالي الممتد لأكثر من 3 آلاف كيلومتر ملجأ خلفياً ومحطة ترانزيت مثالية لتجميع الشحنات وإعادة تعبئتها في مياه الصومال، قبل دفعها شمالاً نحو الشواطئ اليمنية، مما يمنح طهران أوراق ضغط إضافية في المحيط الهندي وبحر العرب، وموقعاً متقدماً لمراقبة القواعد الأميركية في جيبوتي والداخل الصومالي، بحسب الرسالة.
فتور واشنطن
يربط مراقبون بين رصد هذه التحركات والفتور الواضح الذي يعتري العلاقات الأميركية – الصومالية. وعلى رغم أن مقديشو تحاول حصر الخلافات في زاويا سياسية داخلية، فإن الدوائر الاستراتيجية في واشنطن تضيق ذرعاً بما تراه عجزاً أو تراخياً من الحكومة الفيدرالية في ضبط حدودها البحرية. ومع ذلك يرى خبراء ومحللون أن التوتر الأميركي - الصومالي الحالي يحمل أبعاداً مركبة تتجاوز ملف "وحدات الظل" والقراصنة، ويمكن تلخيصها في ثلاثة ملفات رئيسة على رأسها أزمة التعديلات الدستورية، بعد إصرار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود على تمرير إصلاحات دستورية تحول نظام الحكم إلى رئاسي، أثار حفيظة الأقاليم الفيدرالية، وعلى رأسها بونتلاند وجوبالاند، حيث ترى واشنطن في هذا الانقسام الداخلي إضعافاً للجبهة الموحدة ضد الإرهاب وتفكيكاً لبنية الدولة.
أثار عودة نشاط القرصنة الصومالية منذ أواخر عام 2023 وحتى عام 2026 ريبة واشنطن، كونه يمثل بيئة خصبة وتهديداً يستغله "الحرس الثوري الإيراني" لتمرير إمداداته، مما يهدد بصورة مباشرة القطع البحرية الأميركية الحليفة في المنطقة.
في مكاتب الاستخبارات البحرية وغرف العمليات المشتركة لا يدور الحديث حول القرصنة التقليدية التي كانت تؤرق العالم قبل عقد من الزمن، بل يدور حول "الشبح الإيراني" الذي استبدل القراصنة الصوماليين بخبراء تقنيين، واستبدل بنادق الكلاشينكوف بمسيرات انتحارية ذكية.
القرن الأفريقي اليوم يواجه هندسة إيرانية دقيقة تهدف إلى تحويل الساحل الأفريقي الممتد من السودان شمالاً حتى كينيا جنوباً، إلى غرف عمليات خلفية تتحكم في تدفق الطاقة العالمي، وتضع خنجراً في خاصرة التجارة الدولية التي تمر عبر البحر الأحمر، وفق محللين أمنيين.
تدرك القيادة في طهران أن أية مواجهة شاملة في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز أو تضرر خطوط إمدادها التقليدية، لذا عمدت "الوحدة 190" في "فيلق القدس" إلى بناء قاعدة إمداد بديلة في القرن الأفريقي، حيث يرى المراقبون الدوليون أن الهجمات التي ينفذها الحوثيون من اليمن والميليشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا ليست معزولة عما يجري في سواحل الصومال. ففي حال تعرضت إيران لضغط عسكري في الداخل يجري تحريك الخلايا النائمة في أفريقيا لإغلاق قناة السويس فعلياً عبر استهداف السفن في خليج عدن والمحيط الهندي، مما يجبر القوى الدولية على تشتيت جهودها العسكرية بين الخليج العربي والبحر الأحمر.
كشفت بيانات تتبع السفن والبيانات الاستخباراتية خلال فبراير (شباط) الماضي عن نمط متزايد وخطر للسفن الإيرانية التي ترفع أعلام دول كملاذ آمن، وتفرغ شحنات ضخمة من الوقود المهرب في موانئ غير رسمية في الصومال، حيث تبحر الناقلات الإيرانية من ميناء بندر عباس وتقوم بإطفاء أجهزة التتبع بمجرد دخولها بحر العرب، وتلتقي هذه السفن في عرض البحر بقوارب صيد صومالية كبيرة تابعة لشبكات مرتبطة بـ"حركة الشباب" أو رجال أعمال موالين للحوثيين. بعدها يجري بيع هذا الوقود في السوق السوداء الصومالية والإثيوبية بأسعار أقل من السعر العالمي بنسبة 40 في المئة، وتذهب هذه الأرباح مباشرة لتمويل شراء الولاءات السياسية لزعماء عشائر في مناطق ساحلية، وتغطية التكاليف التشغيلية لورش تجميع المسيرات في بونتلاند، وتأمين رواتب المقاتلين الموالين لإيران الذين يجري تدريبهم لنقل المعركة إلى أعماق المحيط الهندي.
خبراء الحرس
وفق تقارير أمنية واستخباراتية حصلت عليها "اندبندنت عربية"، ينشط في القرن الأفريقي أكثر من 120 خبيراً لـ"الحرس الثوري" من أجل الإشراف التقني والتدريب على المسيرات والتخطيط السيبراني، بينما يبلغ مستشارو "جماعة الحوثي" على سواحل بونتلاند وكيسمايو ما يزيد على 300 شخص، دورهم الربط اللوجستي بين ضفتي البحر الأحمر وإدارة عمليات التهريب البحرية، إضافة إلى 800 مجند من خلايا "وحدة 400" المحلية التي تنشط في جمع المعلومات الاستخباراتية عن القواعد الغربية والسفن التجارية، هذا إلى جانب 45 شركة معتمدة كشركات واجهة مالية لغسل أموال الوقود المهرب وتحويلها إلى عملات رقمية. كذلك تستغل طهران الثغرات المينائية في ظل النزاع بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، حيث تفتقر هذه الموانئ لأنظمة تفتيش متطورة، مما يسمح بدخول حاويات تحتوي على أجزاء من صواريخ "قدس 3" مفككة تحت غطاء معدات زراعية، أيضاً تحولت ولاية بونتلاند بحكم استقلاليتها الإدارية وضعف الرقابة الدولية إلى ترانزيت عالمي للسلاح الإيراني المتجه لليمن أو إلى العمق الأفريقي، كل هذا يحصل خلف عباءة الاستثمارات والمساعدات الانسانية لجمع معلومات دقيقة عن حركة الأساطيل الغربية.
فراغ سيادي
تعبر أكثر من 21 ألف سفينة سنوياً مضيق باب المندب حاملة ما يعادل 12 في المئة من إجمال التجارة العالمية ونحو تسعة في المئة من إمدادات النفط المنقولة بحراً. وقد تحول هذا الممر الحيوي مطلع عام 2026 إلى بؤرة للصراع الجيوسياسي الأكثر تعقيداً في القرن الحادي والعشرين. وتشير التقارير الإقليمية إلى أن الإنفاق العسكري في دول القرن الأفريقي قفز بنسبة 18 في المئة خلال العامين الماضيين، مدفوعاً بسباق تسلح محموم لبناء القواعد العسكرية الأجنبية. وفي قلب هذا المشهد يبرز الصومال، كحجر زاوية في الأمن القومي الإقليمي. ومع محاولات إيران تطويق المنطقة عبر سفن الظل التي هربت ما قيمته 2.2 مليار دولار من الوقود في عام 2025 وحده، يجد الصومال نفسه أمام تحدي الحفاظ على سيادته في بيئة تتداخل فيها أطماع إيران مع التحركات الإسرائيلية الناشئة، مما يجعل المنطقة برميلاً من البارود ينتظر شرارة الانفجار.
تستغل طهران الفراغ السيادي في القرن الأفريقي لتحويله إلى منطقة خارج القانون الدولي، حيث تمتلك الصومال أطول ساحل في أفريقيا لكن الحكومة الفدرالية لا تسيطر فعلياً إلا على 15 في المئة منه، وهذا الفراغ الأمني يمثل ثغرة عملاقة تسمح للسفن الإيرانية بتفريغ حمولاتها من الوقود والسلاح في نقاط عمياء، بعيداً من مراقبة الأقمار الاصطناعية الدولية، إذ تشير التقديرات الاستخباراتية إلى تهريب أكثر من 2 مليون برميل شهرياً إلى السوق السوداء الأفريقية، تذهب أرباحها الصافية لتمويل خلايا "الوحدة 400" التابعة للحرس الثوري في شرق أفريقيا. كذلك تشير المعلومات إلى وجود قواعد إطلاق مخفية على الساحل الصومالي، وقادرة على استهداف السفن حتى مسافة 1500 كلم في المحيط الهندي. وهذا ينقل التهديدات من القرصنة التقليدية إلى الإرهاب الجيوسياسي، الذي يستهدف شل حركة التجارة عبر وكلائها، بحسب مسؤولين أمنيين.
النقاط المهددة
تتركز التهديدات في مثلث الموت الملاحي الذي رسمته طهران بعناية، ومضيق باب المندب النقطة الأكثر حرجاً، إذ تقع القواعد الحوثية في اليمن على بعد دقائق فقط من المواقع الموالية لإيران في الساحل الأفريقي، مما يخلق فكي كماشة على الممر. كذلك تسعى طهران لاستخدام سواحل بونتلاند على بعد أقل من 200 ميل بحري من سقطرى لتهديد خطوط الملاحة المتجهة نحو رأس الرجاء الصالح، إضافة إلى ميناء بوساسو الذي يمثل المركز اللوجستي الأول للسفن الإيرانية بسبب القرب الجغرافي من السواحل العمانية واليمنية، ما يجعله محطة ترانزيت مثالية للسلاح والوقود.
إن استغلال طهران لمكامن الخلل في القرن الأفريقي ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو استراتيجية خنق بعيدة المدى عبر الربط بين نقاط مراكزها في الشرق الأوسط وبين الوجود في أفريقيا، وهذا يمنح إيران القدرة على مساومة العالم بأكمله. وبحسب أمنيين، ما لم تردم هذه الخنادق الخلفية لطهران قانونياً وأمنياً فإن البحر الأحمر سيتحول إلى بحيرة إيرانية مغلقة تتحكم في نبض الاقتصاد العالمي من مقديشو قبل طهران.
استراتيجية التطويق
لم تعد استراتيجية التطويق مقتصرة على الحرس الثوري الإيراني، فالديناميكيات الجيوسياسية في عام 2026 أدخلت فاعلين جدد إلى المعادلة مما عقد الحسابات الأمنية لمقديشو، حيث تشير المعلومات الاستخباراتية إلى محاولات إسرائيلية حثيثة لبناء نقاط مراقبة في منطقة أرض الصومال مستغلة التوترات القائمة بين مقديشو والإقليم.
إذ تسعى تل أبيب إلى بناء رادار أمني متقدم لمراقبة تحركات "الوحدة 190" الإيرانية وتتبع مسارات المسيرات التي تطلقها ميليشيات الحوثي والوكلاء الأفارقة. هذا التمركز يمثل تطويقاً مضاداً لإيران لكنه يضع الصومال في أتون صراع استخباراتي متحدم. وبالنسبة لمقديشو، يمثل هذا التغلغل انتهاكاً للسيادة الوطنية وتهديداً لعمقها العربي، حيث تسعى طهران لاتخاذ الوجود الإسرائيلي ذريعة لتكثيف هجماتها وتجنيد خلايا إرهابية محلية تحت شعارات "محاربة التغلغل الصهيوني" مما يهدد السلم الأهلي الصومالي، أيضاً وفق مصادر أمنية.
نجحت أجهزة الاستخبارات الصومالية في رسم خارطة دقيقة لأذرع طهران التي تحاول تغيير التوازنات التقليدية عبر استغلال الثغرات الأمنية. وجرى رصد تحركات تقنية في أطراف إقليم بونتلاند لخلايا الوحدة "400" التي تقوم بإدارة منصات إطلاق المسيرات الانتحارية، مستهدفة السفن التجارية المرتبطة بخصوم إيران في المحيط الهندي، حيث تحاول طهران كسر الاحتكار العسكري الغربي - العربي في المنطقة من خلال حرب المسيرات، مما يجعل القواعد العسكرية التقليدية تحت تهديد مستمر ويجبر الدول الحليفة على إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية البحرية.
يتبنى الصوماليون قيادة وشعباً استراتيجية الحياد السيادي مدفوعين بدوافع وطنية لتفادي الانزلاق إلى صراعات المحاور. وبالفعل تمكنت الصومال من تسجيل نمو اقتصادي بنسبة 4.2 في المئة، وإنما أي صراع مباشر سيعني هروب الاستثمارات العربية والدولية وتوقف مشاريع إعادة الإعمار.
وتتبنى طهران عمليات التمويل الذاتي للصراع عبر الأرباح الناتجة عن تهريب النفط الإيراني للصومال، وتذهب مباشرة لتمويل خلايا "حركة الشباب" ووكلاء آخرين، مما يجعل الصراع في أفريقيا ممولاً لذاته ومستقلاً عن ميزانية طهران الرسمية، التي تئن تحت وطأة العقوبات والحرب الحالية.
وتستخدم إيران الجماعات المسلحة والشبكات اللوجستية لتسيير أعمالها، إذ يتولى الحوثيون نقل أسلحة متطورة ومسيرات وخبرات فنية لـ"حركة الشباب" مقابل تسهيل الحركة في السواحل الصومالية الطويلة. ولم يعد نشاط الحوثيين محصوراً في اليمن بل امتد عبر خلايا لوجستية في جيبوتي وإريتريا وبونتلاند لاستخدامها كمحطات ترانزيت للسلاح الإيراني. كذلك برزت خلايا "وحدة 400" التي تنشط في تجنيد عناصر محليين في دول مثل الصومال وكينيا وأوغندا وإثيوبيا للقيام بعمليات مراقبة للمصالح الغربية وخطوط الملاحة، لا سيما في الممرات المائية الضيقة مثل مضيق باب المندب، الذي يمثل نقطة اختناق مثالية حيث يمكن لمسيرة انتحارية واحدة تعطيل ناقلة نفط بمليارات الدولارات.
السيناريوهات المستقبلية
قال الخبير السياسي عبدالرحمن محمد عبدالله "في حال إغلاق مضيق هرمز ستضطر دول الخليج العربي إلى الاعتماد الكلي على خطوط الأنابيب والموانئ المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، وسيتحول الساحل الصومالي وجيبوتي إلى الممر الإلزامي الوحيد للطاقة العالمية. حينها سنشهد تدفقاً هائلاً للاستثمارات العربية لتأمين الموانئ الصومالية في مقديشو وكيسمايو وبوساسو وتحويلها إلى مراكز تخزين وإمداد عالمية، مما سيؤدي إلى وانتعاش اقتصادي صومالي غير مسبوق تحت حماية مظلة أمنية عربية دولية مشددة، مما ينهي نفوذ سفن الظل الإيرانية التي لن تجد مكاناً في مياه مراقبة بكثافة".
وأوضح أنه "في حال شعرت إيران باقتراب نهايتها فقد تلجأ إلى استراتيجية الأرض المحروقة في القرن الأفريقي، لتشتيت القوات الدولية عبر تحريك خلايا ‘الوحدة ‘400 و‘حركة الشباب‘ لتنفيذ عمليات انتحارية ضد القواعد العسكرية الأميركية والصينية والفرنسية في جيبوتي، واستهداف ناقلات النفط قبالة سواحل الصومال، وذلك لإثبات أن إغلاق هرمز يعني إغلاق باب المندب أيضاً، والنتيجة تحول القرن الأفريقي إلى ساحة حرب استنزاف دموية، مما يعيق جهود الدولة الصومالية في التنمية ويجعل المنطقة تعيش حالة طوارئ مستدامة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع الحرب القائمة، ستسعى إسرائيل لتأمين بديل بحري بعيداً من صواريخ إيران، مما سيزيد من ضغطها للحضور في أرض الصومال أو جزر إريتريا، وهذا يحول الصومال إلى مسرح لعمليات "الموساد" ضد "فيلق القدس". وستسعى إسرائيل لضرب خطوط الإمداد الإيرانية المتبقية في أفريقيا بينما سترد إيران بمحاولات اغتيال شخصيات أو ضرب مصالح حلفاء إسرائيل في المنطقة. وستجد مقديشو نفسها مضطرة للموازنة بين حلفائها وبين ضغوط القوى العظمى، مع محاولة منع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين طهران وتل أبيب. وعليه لم يعد نفوذ طهران في البحر الأحمر مجرد رغبة في دعم الحوثيين في اليمن، بل تحول إلى استراتيجية تطويق مزدوج. فبينما يسيطر الحوثيون على الضفة الشرقية لمضيق باب المندب، تسعى إيران عبر وكلائها لبناء موطئ قدم على الضفة الغربية. وهذه الاستراتيجية تهدف إلى تحويل القرن الأفريقي من ممر عبور إلى قاعدة عمليات متقدمة. فإيران لم تعد تكتفي بتهريب السلاح عبر السودان كما كانت الحال سابقاً، وهي الآن تبني خلايا تصنيع وتجميع داخل الدول الهشة مستغلة الانقسامات السياسية والفقر المدقع. إذ تتنوع أدوات إيران بين جماعات مسلحة عابرة للحدود وشخصيات سياسية وشبكات مالية معقدة، على حد قول محمد عبدالله.
وقد رأى المتحدث ذاته أنه يجب تأسيس درع بحرية موحدة عبر تحالف يضم دول القرن الأفريقي والقوى الدولية، لا يكتفي بالمراقبة بل يمتلك حق الملاحقة داخل المياه الإقليمية، لتدمير المسيرات على اليابسة ووضع شبكة من المستشعرات البحرية التي ترصد الترددات اللاسلكية المنبعثة من المسيرات الإيرانية قبل إطلاقها، مما يمنح السفن التجارية وقتاً كافياً للمناورة، إضافة إلى فرض بصمة كيميائية إلزامية لكل شحنات الوقود التي تدخل أفريقيا، بحيث يمكن قانونياً ملاحقة أية شركة تبيع وقوداً إيرانياً غير مرخص ومصادرة أصولها فوراً. وتوسيع دائرة العقوبات لتشمل الشخصيات السياسية والقبلية في الصومال التي يثبت تورطها في تسهيل المهام اللوجستية للحرس الثوري، مع اعتبار ذلك جريمة تهديد للسلم العالمي. وتجاهل هذه الثغرات يعزز تمدد طهران ويحولها إلى قوة بحرية أفريقية بالوكالة.
في مقابل هذا التمدد، لم تقف العواصم الخليجية والعربية موقف المتفرج، إذ تتجه الأنظار حالياً نحو مدينة لاس قوري الاستراتيجية الواقعة في منطقة سناج المتنازع عليها بين بونت لاند وصومالي لاند، والمطلة مباشرة على خليج عدن في مواجهة السواحل اليمنية.
وأشار مصدر بوزارة الدفاع الصومالية إلى وجود تحركات وتفاهمات أمنية واستثمارية صومالية سعودية وبمباركة قطرية، تهدف إلى إعادة تأهيل ميناء لاس قوري وإنشاء قاعدة عسكرية متطورة هناك، لا سيما وأن الرياض تضع أمن البحر الأحمر وخليج عدن في صدارة أولويات أمنها القومي وحماية مشاريعها الكبرى كـ "نيوم"، ترى في التمركز عند ساحل الصومال الشمالي حاجة ملحة لقطع شريان الحياة اللوجستي الذي تديره إيران والحوثيون. من جهتها تجد الحكومة الفيدرالية في مقديشو هذا المشروع وسيلة مزدوجة عبر فرض سيادتها على مناطق النزاع مع الأقاليم الانفصالية والحصول على دعم اقتصادي وعسكري.
إن مياه الصومال لم تعد مجرد جغرافيا محلية بل أصبحت مسرحاً لـ"حرب هجينة" تستخدم فيها طهران خلاياها غير المرئية كأدوات استراتيجية بينما تسعى القوى الإقليمية والدولية لإعادة صياغة الخرائط الأمنية فوق الرمال والسواحل الصومالية المتحركة في معادلة صفرية لا تحتمل أنصاف الحلول.