ملخص
بعد "تلهف حباً" و"أنبوب" و"الأشهب"، تأتي رواية "أغنية التمر والتين" (دار الآداب) لتتناول قصة محيميد (مصغر تحببي لاسم محمد)، شاب أبكم لطيف طيب، يرافقه القارئ منذ تكونه في بطن والدته إلى أحلك لحظات بؤسه وحزنه ووحدته مروراً بظلم جسده له الذي يتضافر معه ظلم الحياة والحب والحلم.
يسمي كثيرون بطل هذه الرواية بالـ"أبطم"، وهي مفردة سلبية فيها كثير من التحقير والإساءة، وهي تعني باللهجة العامية الشخص الذي لا يحسن الكلام ويملك بطئاً في الاستيعاب. تأتي هذه المفردة التي يسمعها البطل طوال حياته لتغرز سكيناً في صميمه، فهو عاجز عن إثبات نفسه وعاجز عن التعبير عن أفكاره وعاجز عن التحرر من هذه الدمغة الملتصقة به رغماً عنه.
بعد عدد من الفصول، يكتشف القارئ أن البطل الأبكم في هذه الرواية هو الراوي. يتولى البطل محيميد زمام السرد في معظم فصول الرواية على أنه أبكم وبطيء الاستيعاب، وهنا يكمن جوهر التناقض في الفضاء الذي يخلقه الكاتب عبدالله الحواس، تناقض هو خيار سردي جريء لا يخلو من التحديات ولا الصعوبات. اختار الكاتب أن يقدم الأحداث من منظار شخصية حياتها قائمة على الصمت، والعجز عن الإفصاح والعطب في الفهم. يروح القارئ يفهم ديناميكية العلاقات التي تحكم محيط البطل، بحسب ما يراه هذا الأخير، وكما يصفه بلغته البسيطة الساذجة إنما من دون أن يستطيع إقامة استنتاجات.
يفهم القارئ مجريات الأمور أسرع من البطل ويتوقع الأحداث بوتيرة أسرع، فيسبق بطله في معظم الأحيان إلى فهم ما يجري، وهنا تحديداً تكمن متعة السرد في هذه الرواية. قالباً الأدوار التقليدية للقارئ والراوي، يحول عبدالله الحواس القارئ، الذي من المفترض أن يتلقى السرد، إلى فاعل منتج يعلم ما سيجري قبل أن يجري.
يصف الراوي بكلمات بسيطة ما يحيط به من دون أن يستطيع الربط بين الأحداث ومن دون أن يستطيع بلوغ الخلاصات التي يستبقها القارئ ويأسف لدى فهمها على حال البطل الأبكم المظلوم، الذي لم يدرك بعد سوء ما يحيط به، فيكتب محيميد في أول السرد: "إنني أرتطم بجدار ولا أحد يبالي، ألا يتفضل أحدكم علي ليخبرني بما يجري؟ ياه! يا لهذه القوة التي ما زالت تدفعني بشدة من دون علامة لوجودها".
ظلم العائلة
يستغرب قارئ "أغنية التمر والتين" تلقائياً التعارض القائم بين العنوان المختار والمضمون، فالعنوان الذي يحمل كلمة "أغنية" بما تعنيه هذه المفردة من معاني النطق الحسن وإخراج الأصوات الجميلة والتلفظ بالكلمات الفرحة على ألحان شذية، غير متوافق مع شخصية محيميد البطل والراوي الأبكم. من ناحية أخرى أيضاً، على أن التمر والتين هما فاكهتا الحلاوة واللذة، تبدوان في هذا الفضاء السردي مرادفاً للعلقم. فعلى رغم رغد العيش الذي تتمتع به عائلة البطل، يبدو أن جل ما يصله هو المرارة وحدها والعجز عن التحرر، فيكتب محيميد في حسرة منه على نفسه لدى المقارنة بينه وبين ابن الخادمة التي تعمل في بيت العائلة منذ سنوات: "أشعر بأن هناك كثير من الأمور التي أنا بحاجة إلى فهمها، (...) لكن ما يزال هدفي أن أكون مثل ريحان، فهو يبدو كثير الحرية والإرادة"، يحسد ابن العائلة الكريمة الثرية ابن "الخادمة السوداء" على حريته وعلى قدرته على عيش حياته، فهل أعجب من ذلك؟
"أغنية التمر والتين" رواية مخادعة، فهي على ما تحمله في العنوان من وعود بحياة رغيدة وهانئة وزاخرة بالبهجة والسعادة والحلاوة، تتجلى رواية الانكسارات والصدمات والحقائق القاسية، تتجلى قصة بطل يعشش فيه الحزن والبؤس والعجز.
وقد يكون أقسى ظلم يتعرض له بطل هذه الرواية هو ظلم العائلة، فالوالد بارد قاس يهمل ابنه ولا يتعاطف معه وبالكاد يعترف بوجوده. يترك الوالد ابنه لتربيه الخادمة منصرفاً إلى شؤونه ونزواته وأهوائه، قد يكون من ظلم القدر لمحيميد أن والدته توفيت في لحظة ولادته، لكن الأقسى من ذلك علاقة والده به الجافة وما ينتج من هذين الفقدين الأولين من علاقات عائلية معقدة ومجحفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يرافق القارئ بطله محيميد منذ عام 1952 (الفصل الأول)، ولغاية العام 1973 (الفصل الـ13 والأخير). سنوات مختارة بعناية تنسج السرد ولا يفصل بينها عموماً أكثر من عامين ليبقى السرد مكثفاً ومرافقاً للبطل وللشخصيات في دقائق تفاصيلهم، وتفضح هذه السنوات الظلم الذي يعانيه البطل طوال حياته. تفضح هذه المراحل ما يصيب محيميد نتيجة تصرفات عمه وابن عمته وأخيه من والده وحتى ابن صويلحة الخادمة السوداء التي كانت غير حرة ثم تحررت لدى تحرر العبيد جميعهم في منتصف القرن الـ20، انكسارات كثيرة وصدمات يتلقاها البطل ويتأخر ليفهمها، لكنه عندما يفعل يتحول عجزه عن النطق إلى عجز عن العيش.
ظلم القدر
يخوض بطل هذه الرواية حياة محفوفة بالمآسي على مختلف الأصعدة، فهو الأبكم البطيء الاستيعاب لا يأخذه المحيطون به على محمل الجد ووالده نفسه لا يقيم له أي اعتبار ولا يراه حتى. ليأتي الظلم الثالث على يد نساء حياة البطل، فمحيميد كحال أي شاب عادي سيلتفت إلى النساء المحيطات به لا محالة. لكنه في المرة الأولى التي يغرم فيها بفتاة يلقى من هذه الأخيرة تجاهلاً تاماً وبروداً، ثم يغرم بفتاة أخرى هي ابنة عمه تنتهي قصته معها بأبشع الطرق.
مع تقدم السرد يكتشف القارئ صعوبة الموقف الذي يوجد فيه البطل، فالعلاقة بالأب غائبة والعلاقة بالمجتمع معقدة والعلاقة بالوظيقة عبثية والعلاقة بالمرأة معدومة. علاقات البطل كلها مضمرة، فهو لا يملك أفق طموح ولا قدرة على جني المال ولا من توافق على الزواج منه، فماذا يبقى؟
"أغنية التمر والتين" رواية محفوفة بالأفخاخ وهي تقدم بدل الخصوبة والازدهار والحلاوة، الوحشة المرفقة بالعجز والفراغ، في أسلوب سردي بسيط وهادئ. تقوم هذه الرواية على موهبة سردية جميلة، تترسخ في قدرة الكاتب على تعزيز التشويق بسبب بكم الراوي وبطء استيعابه، يشعر القارئ بعجز البطل في هذه الرواية، يشعر بتخبطه وصراعاته الداخلية، يشعر بجسده الذي لا يساعده. يسبق القارئ الراوي في فهم الأحداث ومعرفة كنهها في قلب جميل وغير متوقع للأدوار، فبدلاً من أن يسرد الراوي ما يجري حوله يروح القارئ يترقب أن يفهم بطله حقيقة ما يجري، وهنا يكمن عامل التشويق السردي.