ملخص
تشير وثائق الأرشيف البريطاني إلى أن "قمة عمّان" جاءت استكمالاً لـ "قمة الدار البيضاء الاقتصادية" التي عُقدت عام 1994، والتي دشنت للمرة الأولى فكرة بناء "شرق أوسط اقتصادي جديد" قائم على التعاون الإقليمي وتحرير الأسواق، وربط اقتصادات المنطقة بالنظام الاقتصادي العالمي، وقد رعت القمة المملكة الأردنية الهاشمية بقيادة الملك الحسين بن طلال، بينما ترأس أعمالها ولي العهد الأمير الحسن بن طلال، بحضور قادة دول ومسؤولين اقتصاديين ورجال أعمال وممثلين عن المؤسسات المالية الدولية.
شكلت قمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاقتصادية التي انعقدت في العاصمة الأردنية عمّان في أكتوبر (تشرين الأول) 1995 واحدة من أبرز المحطات السياسية والاقتصادية في مرحلة ما بعد "اتفاقات أوسلو"، إذ عكست محاولة دولية واسعة لإعادة صياغة المنطقة اقتصادياً وسياسياً تحت عنوان "السلام في مقابل الاندماج الاقتصادي"، وقد جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وسط استمرار المفاوضات العربية - الإسرائيلية، وتصاعد الخلافات حول مستقبل الأراضي الفلسطينية والقدس، وتزايد الضغوط الغربية لدفع الدول العربية نحو الانفتاح الاقتصادي والسلام التدريجي مع إسرائيل.
في هذا التقرير الوثائقي نسلط الضوء على هذه القمة وذلك بالاستناد إلى ملف الأرشيف البريطاني رقم (FCO 93/8683)، ويستند هذا العمل إلى وثائق جرى الإفراج عنها ورُفع الطابع السري عنها في الـ 23 من يناير (كانون الثاني) الماضي، والمحفوظة لدى الأرشيف الوطني في كيو.
وتشير الوثائق إلى أن "قمة عمّان" جاءت استكمالاً لـ "قمة الدار البيضاء الاقتصادية" التي عُقدت عام 1994، والتي دشنت للمرة الأولى فكرة بناء "شرق أوسط اقتصادي جديد" قائم على التعاون الإقليمي وتحرير الأسواق، وربط اقتصادات المنطقة بالنظام الاقتصادي العالمي، وقد رعت القمة المملكة الأردنية الهاشمية بقيادة الملك الحسين بن طلال، بينما ترأس أعمالها ولي العهد الأمير الحسن بن طلال، بحضور قادة دول ومسؤولين اقتصاديين ورجال أعمال وممثلين عن المؤسسات المالية الدولية.
وذكرت الوثائق أن القمة حظيت بدعم دولي واسع، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي واليابان وكندا، مما يعكس حجم الرهان الدولي على تحويل عملية السلام السياسية إلى مشروع اقتصادي متكامل يغير طبيعة الشرق الأوسط.
الخلفية السياسية والاقتصادية للقمة
أوضحت الوثائق أن القمة انعقدت في ظل أجواء اتسمت بتفاؤل نسبي عقب توقيع "اتفاق أوسلو" بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية"، و"معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية" عام 1994، وقد ساد الاعتقاد داخل الأوساط الغربية أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها "السلام الاقتصادي".
وبيّنت الوثائق أن واشنطن تحديداً كانت ترى أن التطبيع الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية سيؤدي تدريجاً إلى إنهاء الصراع السياسي، ولهذا السبب دفعت الإدارة الأميركية بقوة نحو عقد قمم اقتصادية إقليمية تجمع العرب والإسرائيليين ورجال الأعمال العالميين تحت مظلة واحدة، وورد في الوثائق أن "قمة عمّان" لم تكن مجرد مؤتمر اقتصادي، بل جزءاً من رؤية سياسية أميركية تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط اقتصادياً وربطه بالاقتصاد العالمي عبر مشاريع إقليمية ضخمة، تشمل التجارة والطاقة والمياه والنقل والاستثمار.
وأفادت الوثائق بأن المشاركين حاولوا إظهار المنطقة باعتبارها فضاء اقتصادياً جديداً مفتوحاً للاستثمار الدولي، وهو ما انعكس في الشعار غير الرسمي للقمة "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت داخلة فعلياً في الأعمال".
أبرز أهداف القمة
أشارت الوثائق إلى أن الهدف المركزي للقمة تمثل في دمج اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن منظومة اقتصادية إقليمية موحدة، تقوم على تحرير التجارة وتسهيل حركة رؤوس الأموال والبضائع والخدمات، إذ استند هذا المشروع إلى فكرة أن التعاون الاقتصادي سيقلل احتمالات الحروب والصراعات ويخلق مصالح مشتركة بين الدول المتنازعة، وأوضحت الوثائق كذلك أن القمة دعت إلى إزالة القيود الجمركية وتحسين مناخ الاستثمار، وتطوير البنية التحتية الإقليمية بما يسمح بتحويل المنطقة إلى مركز تجاري عالمي يربط أوروبا وآسيا وأفريقيا، وذكرت أن القمة ربطت مباشرة بين التنمية الاقتصادية وعملية السلام العربية - الإسرائيلية، إذ عُدّ السلام شرطاً أساساً لجذب الاستثمارات، بينما عُدت التنمية الاقتصادية وسيلة لترسيخ السلام، وقد شدد المشاركون على ضرورة مواصلة المفاوضات السياسية بالتوازي مع إطلاق المشاريع الاقتصادية، موضحين أن "السلام الدائم" لا يمكن أن يتحقق من دون تحسين مستويات المعيشة وتقليل الفوارق الاقتصادية.
وكذلك كشفت الوثائق عن اتفاق المشاركين على تأسيس مجموعة من المؤسسات الإقليمية الجديدة لإدارة التعاون الاقتصادي المستقبلي، شملت "بنك التنمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، و"منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، ومجلس أعمال إقليمي، ومجلساً إقليمياً للسياحة، إضافة إلى الأمانة التنفيذية للقمة الاقتصادية، وبينت أن إنشاء هذه المؤسسات استغرق مفاوضات طويلة استمرت قرابة عام كامل، مما يعكس وجود خلافات حقيقية حول التمويل والإدارة والصلاحيات.
وتناولت الوثائق بالتفصيل فكرة إنشاء بنك التنمية الإقليمي الذي يعد أحد أهم مخرجات القمة، موضحة أن الهدف منه كان توفير التمويل اللازم للمشاريع الإقليمية الكبرى، ودعم القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمارات العابرة للحدود، وكان يُفترض أن يؤدي دوراً مشابهاً لـ "البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية"، ولكن في سياق شرق أوسطي جديد يقوم على التعاون بين العرب وإسرائيل.
وأفادت الوثائق بأن بعض الدول العربية أبدت تحفظات على منح البنك صلاحيات واسعة قبل التوصل إلى سلام شامل، في حين كانت الولايات المتحدة تدفع بقوة نحو إطلاقه سريعاً.
القضايا العربية داخل القمة
احتلت القضية الفلسطينية موقعاً محورياً خلال المناقشات، على رغم الطابع الاقتصادي الظاهري للقمة، إذ تشير الوثائق إلى أن المشاركين أعربوا عن أملهم في إجراء الانتخابات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تمهيداً لبدء مفاوضات الوضع النهائي في موعد أقصاه مايو (أيار) 1996، وأكدت القمة دعمها "مسار أوسلو"، لكنها تجنبت الدخول في تفاصيل القضايا السياسية الشائكة مثل القدس واللاجئين والحدود، في حين كشفت الوثائق عن وجود قلق عربي من أن يؤدي التركيز المفرط على الاقتصاد إلى تهميش القضايا السياسية الجوهرية، وخصوصاً الحقوق الفلسطينية.
وأوضحت الوثائق أن ملف القدس ظل حاضراً بصورة غير مباشرة في أجواء القمة، بخاصة مع تصاعد الجدل حول السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية، وكانت بعض الوفود العربية تخشى أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي المتسارع إلى تجاوز القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة والاحتلال، وأن استمرار النشاط الاستيطاني الإسرائيلي أثار شكوكاً عربية واسعة حول جدية تل أبيب في تحقيق سلام حقيقي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان موضوع المقاطعة العربية لإسرائيل من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل القمة، إذ أفادت الوثائق بأن القمة أشادت بقرار "مجلس التعاون الخليجي" رفع المقاطعة الاقتصادية من الدرجتين الثانية والثالثة عن إسرائيل، وأكدت أن "إعلان طابا" عبّر عن التزام إسرائيل والأردن ومصر والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة بدعم الجهود الرامية إلى إنهاء المقاطعة بالكامل، غير أن هذه الخطوة أثارت تحفظات عربية، ورأى بعض المشاركين أن رفع المقاطعة قبل تحقيق تقدم سياسي حقيقي يمنح إسرائيل مكاسب مجانية، وكشفت الوثائق عن مخاوف من أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي إلى اختلال اقتصادي إقليمي لمصلحة إسرائيل، نظراً إلى تفوقها التكنولوجي والمالي مقارنة ببقية دول المنطقة.
الخلافات العربية داخل القمة
أظهرت الوثائق كذلك أن غياب سوريا ولبنان عن القمة شكل أحد أبرز مظاهر الانقسام العربي، فقد ربطت دمشق وبيروت مشاركتهما بتحقيق تقدم فعلي على المسارين السوري واللبناني في مفاوضات السلام مع إسرائيل، بينما أعرب المشاركون عن أملهم في أن يؤدي التقدم في المفاوضات السورية - الإسرائيلية إلى انضمام البلدين مستقبلاً إلى القمم الاقتصادية، غير أن الوثائق بيّنت أيضاً أن غياب سوريا ولبنان أضعف فكرة "الإجماع الإقليمي"، وكشف استمرار الانقسام العربي حول مسألة التطبيع مع إسرائيل.
وتناولت الوثائق مخاوف عربية واسعة من احتمال تحول المشروع الاقتصادي الإقليمي إلى أداة تمنح إسرائيل موقع الهيمنة الاقتصادية في المنطقة، فقد خشيت بعض الدول العربية من أن تصبح الأسواق العربية مفتوحة أمام الاقتصاد الإسرائيلي من دون وجود ضمانات حقيقية لتحقيق تنمية متوازنة، وهو ما دفع بعض الوفود إلى المطالبة بآليات تضمن توزيعاً عادلاً للمكاسب الاقتصادية، وتقليص الفوارق التنموية بين دول المنطقة.
واستعرضت الوثائق كذلك دور مجموعات العمل متعددة الأطراف التي تناولت قضايا حساسة مثل المياه واللاجئين والبيئة والأمن الإقليمي، مؤكدة أن القمة دعمت الجهود التي تبذلها هذه المجموعات باعتبار أن التعاون في هذه الملفات ضروري لتحقيق الاستقرار.
وفي ما يتعلق بأزمة المياه أوضحت الوثائق أنها كانت تُعتبر من أخطر التحديات المستقبلية في الشرق الأوسط، وأن القمة ناقشت مشاريع إقليمية للتعاون في إدارة الموارد المائية، لكن الملف ظل شديد الحساسية بسبب ارتباطه بالنزاعات السياسية، خصوصاً بين إسرائيل وسوريا والأردن والفلسطينيين.
وتناولت الوثائق قضية اللاجئين الفلسطينيين ضمن إطار المفاوضات متعددة الأطراف، مع التركيز على الجوانب الاقتصادية والتنموية للقضية، لكنها تجنبت الخوض في حق العودة أو الحلول السياسية النهائية، مما أثار انتقادات ضمنية من بعض الأطراف العربية، كاشفة أيضاً عن الدور الأميركي المحوري في القمة، إذ كانت الولايات المتحدة الراعي السياسي والاقتصادي الأساس للمشروع الإقليمي الجديد، وسعت إلى تقديم نفسها باعتبارها الضامن لعملية السلام والتنمية، وشاركت في قيادة اللجنة التوجيهية للقمة إلى جانب روسيا، ومارست دوراً أساساً في إنشاء آليات التمويل الخاصة بالمشاريع الإقليمية، في حين اعتبرت الإدارة الأميركية القطاع الخاص الأداة الرئيسة لتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة اقتصادية منفتحة.
وعلى رغم تراجع النفوذ الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن الوثائق أشارت إلى أن موسكو شاركت كشريك سياسي في رعاية القمة، بهدف الحفاظ على حضورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل الهيمنة الأميركية المتزايدة على عملية السلام، وتناولت الوثائق بإسهاب الدور المحوري للقطاع الخاص في تنفيذ مشاريع القمة، ورأى المشاركون أن الحكومات وحدها غير قادرة على تحقيق التنمية المطلوبة، وأن رجال الأعمال والشركات الدولية سيكونون القوة المحركة الأساس للمشاريع الاقتصادية، وقد شهدت القمة توقيع صفقات تجارية واتفاقات استثمارية هدفت إلى تعزيز القدرة الإنتاجية للمنطقة، وتعهد القطاع الخاص بمتابعة تنفيذ المشاريع واستكشاف فرص استثمارية جديدة.
المخاوف والانتقادات الموجهة للقمة
على رغم الأجواء الاحتفالية التي رافقت القمة لكن الوثائق كشفت عن وجود انتقادات وتحفظات واسعة، فاعتبر منتقدون عرب أن القمة تسعى إلى فرض التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل قبل التوصل إلى تسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية، مشيرين إلى أن الحديث عن التجارة والاستثمار يتجاهل استمرار الاحتلال والاستيطان، وأوضحت الوثائق أن بعض المشاركين كانوا يخشون من تحويل عملية السلام إلى مشروع اقتصادي بحت، لتصبح القضايا السياسية والحقوق الوطنية الفلسطينية ثانوية أمام المصالح التجارية، إضافة إلى مخاوف من أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي غير المتوازن إلى زيادة الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في المنطقة.
وفي المقابل أكدت الوثائق أن المشاركين حاولوا تقديم صورة متفائلة عن مستقبل الشرق الأوسط، من خلال الحديث عن منطقة مترابطة اقتصادياً ومفتوحة للاستثمار، وقادرة على جذب رؤوس الأموال العالمية، وسعت القمة إلى ترسيخ فكرة أن السلام الاقتصادي سينتج شرق أوسط جديداً تتراجع فيه الصراعات التقليدية، غير أن الوثائق كشفت في الوقت نفسه أن هذا التفاؤل كان يصطدم بواقع سياسي معقد يتمثل في استمرار الخلافات العربية - الإسرائيلية، وتصاعد القلق من مستقبل القدس والاستيطان واللاجئين.
وتكشف الوثائق كذلك عن حجم التناقضات التي رافقت هذا المشروع، فمن جهة كانت هناك حماسة دولية لإنشاء مؤسسات مالية وتجارية جديدة ودمج لاقتصادات المنطقة، ومن جهة أخرى استمرت الخلافات السياسية العميقة حول فلسطين والقدس والاستيطان واللاجئين والمقاطعة العربية لإسرائيل، وتُظهر الوثائق أيضاً أن الرهان على الاقتصاد وحده لم يكن كافياً لتجاوز الانقسامات التاريخية في الشرق الأوسط، وأن السلام الاقتصادي ظل مرتبطاً عضوياً بحل القضايا السياسية الجوهرية التي بقيت من دون تسوية حقيقية.