Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قوافل نازحي الساحل ترعب الوجهات المحتملة أفريقيا وأوروبيا

انعدام الأمن وتأثيرات تغير المناخ يدفعان 4 ملايين شخص إلى الفرار و75% منهم لا يزالون داخل بلدانهم

الوجهات المفضلة للنازحين ستكون الجزائر بنسبة كبيرة، وتونس وليبيا بصورة أقل (أ ف ب)

ملخص

ذكرت الأمم المتحدة أن 75 في المئة من النازحين لا يزالون داخل بلدانهم، لكن التحركات عبر الحدود في تزايد، مما يضع ضغطاً على المجتمعات المستضيفة التي تتلقى مساعدات ضئيلة.

مع استمرار الاعتداءات الإرهابية والمواجهات المسلحة في منطقة الساحل، تتجه الأنظار نحو انعكاسات المشهد على دول شمال أفريقيا وجنوب أوروبا. وفي ظل التدهور المعيشي وتفاقم الأوضاع تتصاعد التحذيرات من موجات نزوح تنذر بتحديات إقليمية ودولية متزايدة.

وعلى رغم أن التحرك لا يزال محدوداً فإنه يشهد تزايداً مع استمرار الصراع. وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن نحو 4 ملايين شخص باتوا نازحين بمنطقة الساحل الأفريقي، في بوركينا فاسو ومالي والنيجر والدول المجاورة، أي بزيادة تقارب الثلثين مقارنة بخمس سنوات مضت، نتيجة لانعدام الأمن وضعف الوصول إلى الخدمات وسبل العيش وتأثيرات تغير المناخ.

المناخ والأمن الغذائي

وذكرت الأمم المتحدة أن 75 في المئة من النازحين لا يزالون داخل بلدانهم، لكن التحركات عبر الحدود في تزايد، مما يضع ضغطاً على المجتمعات المستضيفة التي تتلقى مساعدات ضئيلة، موضحة أن النساء والأطفال يمثلون 80 في المئة من النازحين قسراً في المنطقة، وأبرزت أن عدد المتضررين من العنف وسط النازحين ارتفع بصورة كبيرة هذا العام، مشددة على أن انعدام الأمن في المنطقة يعرض الناس للعنف والتجنيد القسري وقيود الحركة والاحتجاز التعسفي.

وأضافت أن انعدام الأمن الغذائي يدفع الناس إلى النزوح، كما أن الصدمات المناخية تزيد من التنافس على الموارد الشحيحة مثل المياه، وهو ما يؤجج التوترات بين المجتمعات، موضحة أن أكثر من 212 ألف لاجئ في بوركينافاسو ومالي والنيجر لم يتم تسجيلهم بعد، مما يحد من وصولهم إلى الخدمات، ويزيد من خطر احتجازهم تعسفياً. ولفتت إلى أن الدول المتضررة لا تستطيع التعامل مع الوضع بمفردها، لذا فهي في حاجة إلى دعم دولي أكبر، داعية إلى التزام دولي متجدد ومعزز لمعالجة الأزمة. وأبرزت أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تحتاج إلى أكثر من 400 مليون دولار لتغطية الحاجات الإنسانية في الساحل، لكنها لم تتلق سوى 32 في المئة من هذا المبلغ، مما أثر بصورة كبيرة على أنشطتها مثل تسجيل اللاجئين وتوثيقهم، وتوفير التعليم والرعاية الصحية والمأوى.

قوافل المحتاجين

إلى ذلك أشار مكتب الأمم المتحدة الإنساني إلى أن المناطق المتضررة من النزاع في مالي ستواجه ضغوطاً إنسانية متزايدة خلال الفترة الحالية وحتى سبتمبر (أيلول) 2026، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية وتراجع مستويات الدخل، مما يدفع الأوضاع نحو مراحل متقدمة من انعدام الأمن الغذائي، إضافة إلى أن من المتوقع أن تصل بعض المناطق إلى حال الطوارئ من الدرجة الرابعة اعتباراً من مايو (أيار) الجاري، نتيجة التدهور الحاد في سبل المعيشة واتساع الفجوات الاستهلاكية وارتفاع أعداد النازحين.

ووفقاً لشبكة الإنذار المبكر بالمجاعة، من المتوقع أن يراوح عدد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية ما بين مليوني و2.49 مليون شخص، على أن يبلغ ذروته خلال شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) القادمين، مدفوعاً بعوامل موسمية وتفاقم أزمات الوقود والكهرباء والأمن.

تساؤلات وتحديات

أمام استمرار الفوضى الأمنية في مالي وبوركينافاسو والنيجر، وتصاعد المخاوف من قوافل النازحين، تتساءل جهات أوروبية وإقليمية واسعة عن وجهة هؤلاء المتضررين، على رغم أن الاتجاه نحو الشمال يبقى التوقع الوارد لاعتبارات عدة، أهمها توفر الأمن والمتطلبات المعيشية، فهل تتحول شمال أفريقيا إلى منطقة عبور أو استقرار؟

بالنظر إلى مواقع دول الساحل الجغرافية، والتي تعد صحراوية على مختلف الأطراف مع ابتعادها عن السواحل البحرية بأبعاد متباينة، فإن الوجهات المفضلة للنازحين ستكون الجزائر بنسبة كبيرة، وتونس وليبيا بصورة أقل، والمغرب أضعف لعدم محاذاته لمنطقة الساحل المتضررة، مما يضع شمال أفريقيا أمام تحديات أمنية وإنسانية متزايدة تستدعي إعداد خطط لمواجهة موجات الهجرة المحتملة.

 

وأوضح البرلماني التونسي السابق مجدي الكرباعي أن "الوضع في مالي له بعد جيوسياسي، فاستمرار الفوضى يؤدي إلى نزوح في اتجاه ليبيا أو الجزائر أو تونس، وكذلك موريتانيا أو المغرب ثم السواحل الأوروبية، متوقعاً ارتفاع عدد المهاجرين غير الشرعيين في دول آمنة مثل الجزائر وتونس خلال الفترة المقبلة.

وأشار الكرباعي إلى إمكان انتقال النازحين إلى أوروبا، لا سيما انطلاقاً من السواحل الليبية والمغربية والموريتانية، مبرزاً أن دولاً أوروبية تتابع التوترات الحاصلة في منطقة الساحل، وبخاصة في مالي، على غرار إيطاليا وإسبانيا، حيث يتم التحضير لمواجهة تأثيرات تردي الأوضاع. وختم بأن دول شمال غربي المتوسط تولي أهمية بالغة لخطر الهجرة غير الشرعية القادمة من أفريقيا، وهي تعمل بالتنسيق مع الجزائر وتونس من أجل إيجاد الحلول الناجعة، وأولها إنهاء حال اللااستقرار عبر إطلاق حوار يشمل كل أطياف المجتمع.

أزمة هجينة

من جانبه يرى المتخصص في العلاقات الدولية الجزائري عبدالوهاب حفيان أن الأزمة المالية أسهمت بصورة كبيرة في ظهور أزمات انشطارية، ولا بد أن شظاياها ستصيب الجميع في المنطقة، ومن أبرزها الهجرة، موضحاً أن هذه الأزمة لن تكون عادية بل هجينة، لأن التطرف والإرهاب عادة ما يرتدي لباس الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة، ومن هنا تأتي خطورة جغرافية الإرهاب الجديدة في أفريقيا والساحل تحديداً. وأبرز أن التأثيرات تشكل تهديدات جمة ومتنوعة على الجزائر كنقطة تماس، لا سيما ما يتعلق بعمليات الاتجار غير الشرعي وتهريب البشر، إلى جانب العبء الاجتماعي والاقتصادي الذي لا ينفك يأخذ منحنى تصاعدياً في المناطق الحدودية الجزائرية المالية، ناهيك بالأعباء الأمنية المرتبطة بالأمن الصحي والإنساني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف حفيان أن الجانب الأوروبي ينظر بحذر إلى تحول مالي من دولة فاشلة إلى دولة مصدرة للفشل، وهو ما انعكس على اتفاقات الهجرة مع موريتانيا كجار لمالي، وعلى تمويل العمليات المشتركة مع ليبيا وموريتانيا في المتوسط بغية تشديد الرقابة على حركات الهجرة القادمة من هذه الدول، باعتبارها دول عبور للمهاجرين القادمين من مناطق التوتر الأمني.

إلى ذلك أوضح الباحث الليبي في مجال الهجرة حسام الدين العبدلي أن غالب القادمين من دول جنوب الصحراء والساحل يعتبرون ليبيا وتونس والجزائر بلد عبور، بينما بعضهم يتخذ من دول شمال أفريقيا منطقة استقرار لاعتبارات عدة، أهمها توفر الأمن وفرص العمل إلى جانب انعدام العنصرية، مشيراً إلى أن منظمات أوروبية حاولت توطين المهاجرين في الجنوب الليبي من أجل ثنيهم عن الانتقال إلى سواحل أوروبا وبالخصوص الإيطالية.

حرب متعددة

بحسب التقارير الأممية والدولية، تكمن خصوصية الحرب في مالي في أنها ليست مجرد مواجهة عسكرية كلاسيكية، فالجماعات المسلحة والإجرامية والإرهابية تستفيد في تحركاتها من بنية اجتماعية واقتصادية منهكة في منطقة تعاني واحداً من أعلى معدلات الفقر والتصحر والنمو السكاني في العالم، فيما تبقى الدولة شبه غائبة عن مناطق واسعة من الأرياف والحدود. وهذه التنظيمات تحولت في ظل هذا المشهد إلى سلطة بديلة توفر الحماية وتدير بعض الشؤون الاجتماعية مثل القضاء، وتتحكم في النزاعات القبلية والمجتمعية.

وانتقلت الأزمة في مالي من تمرد مسلح في شمال البلاد إلى حرب متعددة، إرهابية وقبلية وجيوسياسية واقتصادية، تتداخل فيها الجماعات المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش"، والانفصاليون، والمرتزقة الروس، والجيوش الحكومية المنهكة، وشبكات التهريب والهجرة والاتجار بالبشر والتجارة الموازية العابرة للصحراء، حيث باتت رقعة الفوضى تتسع كل يوم، وتفقد الدولة المالية تدريجاً السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها.

دول أشد تضرراً

وتتصاعد مخاوف الاتحاد الأوروبي مع توسع دائرة الفوضى في منطقة الساحل، إذ أشارت تقارير المفوضية الأوروبية لشؤون اللاجئين، إلى أن بعض الدول ستكون الأشد تضرراً من ضغوط الهجرة خلال العام الحالي والمقبل، وأوضحت أن دولاً مثل اليونان وقبرص وإسبانيا وإيطاليا ستعتبر عام 2026 الأكثر تأثراً بضغوط الهجرة، إذ تواجه الأولى والثانية أعداداً غير متناسبة من الوافدين، فيما تتعامل إسبانيا وإيطاليا مع أزمات متكررة ناجمة عن عمليات إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط.

 

وتقضي القواعد الأوروبية الجديدة بأن يتم إعادة توطين ما لا يقل عن 30 ألف طالب لجوء في أوروبا سنوياً، أو دفع إسهامات مالية إجمالية بـ700 مليون دولار سنوياً إلى صندوق التضامن، لكن الأرقام الفعلية ستكون أقل لأن النظام لن يدخل حيز التنفيذ قبل منتصف 2026، وتندرج هذه التطورات في سياق تطبيق إصلاح شامل لنظام اللجوء الأوروبي الذي يسعى إلى تحقيق توزيع أكثر عدالة للمسؤوليات بين الدول الأعضاء.

ولم يتمكن الاتحاد الأوروبي من تجاهل الوضع في الساحل والتعامل معه كأزمة بعيدة، على اعتبار أن طرق الهجرة غير القانونية تمر من مالي والنيجر وبوركينا فاسو نحو الجزائر وليبيا وتونس والمغرب قبل الوصول إلى المتوسط، وأقر مبعوث الاتحاد إلى منطقة الساحل جواو كرافينيو، بأن بروكسل أخطأت فهم تعقيدات المنطقة، واعتمدت طويلاً على المقاربة العسكرية والدبلوماسية الأحادية. موضحاً "الاتحاد الأوروبي فشل في الاستماع إلى دول الساحل وشرح مصالحه هناك، بل ويحاول بناء جسور مع الأنظمة العسكرية لاستعادة الصدقية".

واعتبر كرافينيو أن ما يجري يثبت عدم وجود حل عسكري لأزمة الساحل، لا سيما في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مشيراً إلى أن الروس لا يقدمون سوى الدعم العسكري ولا شيء آخر، وعلى رغم أن الاتحاد الأوروبي أطلق نهاية 2025 استراتيجية جديدة ترتكز على الأمن الإنساني والتنمية الاقتصادية إلى جانب مكافحة الإرهاب والهجرة فإنها لم تحقق أهدافها، مشدداً على أن اهتمام القادة الأوروبيين بالساحل لا يزال محدوداً بسبب أزمات أخرى، على رغم اعترافهم بالأهمية الجيوسياسية الاستراتيجية للمنطقة.

وبالعودة إلى ما سبق، فإن دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تقف اليوم عند مفترق طرق، حيث تتقاطع قسوة المناخ مع هشاشة الدولة، وتتداخل ندرة الموارد مع تمدد العنف، في معادلة معقدة لا تحتمل الحلول السطحية ولا المعالجات الموقتة، والخروج من هذه الدوامة لا يكون بتغليب المقاربة الأمنية وحدها، ولا بالاكتفاء بخطابات التنمية المجردة، وإنما بتشييد رؤية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان والبيئة والدولة في آنٍ واحد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير