ملخص
الهجمات التي استهدفت قيادات عسكرية بارزة، مثل وزير الدفاع ساديو كامارا، تفتح الباب أمام أزمة داخل النخبة العسكرية في مالي، وقد تفضي إلى إعادة ترتيب داخل المجلس الانتقالي بقيادة أسيمي غويتا، أو حتى إزاحته.
لسنوات عديدة كان ينظر إلى مسار العنف في الساحل الأفريقي كحوادث عابرة، ربما تنتهي بمكافحة الجماعات الإرهابية، ولكن هجمات مطلع هذا الأسبوع في مالي، كشفت عن تحول نوعي في طبيعة التهديد واتساع نطاقه الجغرافي والعملياتي. ويعد هذا الهجوم الأكثر تنسيقاً منذ عام 2012، فقد شنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، المرتبطة بتنظيم "القاعدة"، سلسلة عمليات متزامنة امتدت من أقصى الشمال إلى قلب العاصمة باماكو.
في الشمال، تقدمت الجماعة بالتعاون مع "جبهة تحرير أزواد" للسيطرة على مدن استراتيجية، أبرزها بوريم، إلى جانب عاصمتي إقليمي غاو وكيدال، حيث اجتاح المقاتلون القواعد العسكرية وحاصروا القوات المالية وعناصر "فيلق أفريقيا" الروسي في محيط هذه المدن. وفي الوسط، امتدت العمليات إلى موبتي، حيث سيطر المهاجمون على أجزاء واسعة من المدينة، وهاجموا القاعدة العسكرية في سيفاري، على بعد سبعة أميال فقط، قبل انسحابهم بعد معارك عنيفة.
أما في الجنوب، فقد بلغ التصعيد ذروته عبر هجمات نوعية في محيط العاصمة، خصوصاً في كاتي، التي تعد مركزاً حيوياً للقيادة العسكرية. واستهدفت العمليات القاعدة الجوية الرئيسة ومقار سكن كبار المسؤولين، باستخدام سيارات مفخخة وطائرات مسيرة مسلحة، فضلاً عن تسلل عناصر بزي الجيش المالي. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، وإصابة رئيس الاستخبارات العسكرية موديبو كونيه بجروح خطرة.
وقعت هذه الضربات في سياق سياسي وأمني هش تقوده السلطة الانتقالية برئاسة أسيمي غويتا، التي أعادت تشكيل تحالفاتها الأمنية عبر التقارب مع روسيا والاعتماد على "فيلق أفريقيا" وريث مجموعة "فاغنر" بعد مقتل زعيمها يفغيني بريغوجين، إلا أن الهجمات الأخيرة، بما أظهرته من قدرة على اختراق العمق الجغرافي والمؤسسي للدولة، تضع هذا النموذج الأمني أمام اختبار دقيق، وتعيد طرح سؤال السيطرة على المركز بعد تجاوز الأطراف.
شراكة براغماتية
يأتي التقارب الراهن بين الجماعات الإرهابية والمتمردين الطوارق في مالي نتاج مسار تراكمي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، حين تداخلت الشبكات الاجتماعية والاقتصادية في الشمال مع مسارات التهريب والتحالفات القبلية، قبل أن يتبلور سياسياً وعسكرياً خلال تمرد عام 2012. في تلك الفترة، قاتلت فصائل من الطوارق إلى جانب عناصر مرتبطة بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، في تقاطع مصالح موقت سرعان ما انهار عام 2013، حين همشت هذه الجماعات الشركاء الأكثر علمانية، وفرضت رؤيتها على المجال الذي سيطرت عليه.
غير أن هذا الانفصال لم يكن قطيعة نهائية، بل هدنة كامنة حافظت على قنوات الاتصال، إلى أن أعادت التحولات اللاحقة إحياءه. فمنذ عام 2015، ومع تصاعد الهجمات المرتبطة بـ"القاعدة" في شمال مالي وامتدادها إلى دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو، تكرس نمط صراع عابر للحدود، تغذيه شبكات التهريب والاختطاف والفديات، وتدعمه جغرافيا مفتوحة تعجز الدولة عن ضبطها. وقد سعت فرنسا عبر عملية "برخان" إلى احتواء هذا التهديد إقليمياً، لكنها لم تعالج جذوره البنيوية المرتبطة بالتهميش السياسي والاقتصادي في الشمال.
جاء التحول الحاسم بعد عام 2022، حين قرر المجلس العسكري في باماكو، بقيادة أسيمي غويتا، طرد القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة، وإعادة تموضعه عبر تحالف أمني مع روسيا. هذا القرار أحدث فراغاً أمنياً سريعاً، استغله "تنظيم الدولة في ولاية الساحل" للتوسع، خصوصاً عبر استهداف مجتمعات الطوارق في شمال البلاد. ومع تصاعد هذا التهديد، وجد المتمردون الطوارق أنفسهم أمام خصم أكثر شراسة، مما أعاد فتح قنوات التنسيق مع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بوصفها قوة قادرة على موازنة نفوذ التنظيم المنافس.
ثم جاء إلغاء اتفاق السلام لعام 2015 في 2023 ليقضي على الإطار السياسي الهش، الذي كان ينظم العلاقة بين الدولة والمتمردين. ومع عودة العمليات العسكرية، بدعم من عناصر روسية، وتزايد الانتهاكات ضد المدنيين الطوارق، برزت بيئة مناسبة لإعادة تشكيل التحالفات. استغلت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" هذا السياق لتقديم نفسها شريكاً براغماتياً، لا يطالب بالسيطرة الكاملة بقدر ما يسعى إلى تقويض السلطة القائمة وإعادة توزيع النفوذ.
ضمن هذا التسلسل، تبدو هجمات أبريل (نيسان) الأخيرة تتويجاً لمسار طويل، من تحالفات ظرفية، إلى قطيعة مؤجلة، ثم إلى تقارب فرضته ضغوط المنافسة والفراغ الأمني. وهي، في جوهرها، تعكس تحول الصراع في مالي من نزاع متعدد الأطراف إلى شبكة معقدة من التفاهمات المتغيرة، حيث لا تحسم الولاءات على أساس الأيديولوجيا وحدها، بل وفق حسابات البقاء وإعادة التموقع في بيئة تتآكل فيها الحدود بين الدولة وخصومها.
أهداف الهجمات
بالعودة لتصعيد العام الماضي في مالي، فإن الحدث الأمني شكل ميزان القوة بين الدولة والجماعات المسلحة، وفي القلب منها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين". فالحصار الذي امتد لأشهر على باماكو لم يكن مجرد ضغط عسكري، بل محاولة لإعادة تعريف من يملك القدرة على تقرير شروط البقاء السياسي في الدولة. تلك الأحداث التي بدأت منذ منذ مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عمدت خلالها الجماعة إلى توسيع نطاق حصارها عبر استهداف خطوط الإمداد الحيوية، ولا سيما واردات الوقود التي تمر عبر الطرق السريعة الخاضعة لنفوذها. وقد أدى ذلك إلى أزمة وقود خانقة أجبرت الحكومة على إغلاق المدارس في أجزاء واسعة من البلاد، فيما بدأت مؤشرات الانهيار الإداري بالظهور في الخطاب الدولي، وصولاً إلى تحذيرات متتالية من عواصم غربية، بينها باريس وواشنطن ولندن، دعت رعاياها إلى مغادرة البلاد، وسحب جزئي للكوادر الدبلوماسية من باماكو.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي سياق الهجمات الأخيرة، لم يكن الهدف الأساس للجماعة احتلال العاصمة بقدر ما كان دفع السلطة إلى لحظة انكشاف سياسي، تجبرها على التفاوض من موقع ضعف، أو تفتح الباب أمام إعادة إنتاج سيناريوهات الانقلاب الداخلي. فالضغط على مراكز القرار لم يكن عسكرياً فحسب، بل نفسياً ومؤسسياً، عبر تقويض فكرة الدولة القادرة على إدارة المجال العام.
وقد ركزت العمليات على شل قدرة الجيش المالي على التنسيق بين الشمال والجنوب، فاستهداف قاعدة "سيفاري" التي تمثل منطقة الربط اللوجستي بين الإقليمين، إلى جانب القاعدة الجوية قرب باماكو، أدى إلى تعطيل منظومة الإسناد الجوي والبري، وإفقاد الدولة قدرتها على المناورة الاستراتيجية. كما أن هجمات الكوماندوز في محيط العاصمة، نقلت الصراع إلى مستوى استهداف النخبة الحاكمة نفسها.
في الشمال، اتجهت الجماعة إلى نموذج مختلف، إدارة نفوذ لا احتلال مباشر، عبر تفاهمات موضعية مع المتمردين، شملت انسحابات منظمة من مواقع مثل كيدال وغاو. هنا لم يكن الهدف السيطرة الكاملة، بل إعادة هندسة الفراغ الأمني بما يسمح بتقاسم فعلي للمجال من دون التورط في أعباء الحكم المباشر.
كما حملت الهجمات بعداً ثالثاً أكثر حساسية، وهو إعادة تعريف موقع الفاعلين الخارجيين، وعلى رأسهم القوات الروسية التابعة لـ"فيلق أفريقيا". إذ سعت الجماعة إلى جعل كلفة البقاء في مالي أعلى من عوائدها، عبر ضرب الرواية التي تربط بين الوجود الروسي وتحسن الوضع الأمني، ودفع موسكو إلى إعادة تقييم التزاماتها أو الانسحاب التدريجي.
التدخل الدولي
تمثل مقاربة المجتمع الدولي تجاه مالي ومنطقة الساحل عموماً حصيلة تراكم طويل من التدخلات التي بدأت عسكرية وانتهت إلى معضلة سياسية مفتوحة، فمنذ التدخل الفرنسي عام 2013 بدت العملية الدولية وكأنها تسعى إلى احتواء تمدد الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، غير أن هذا الاحتواء سرعان ما تحول إلى إدارة للأزمة بدل حلها.
أطلقت فرنسا عملية "سيرفال" ثم وسعتها إلى عملية "برخان"، بمشاركة إقليمية ودعم استخباري ولوجستي واسع، قبل أن تنضم "بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي" (مينوسما)، إلى جانب قوة أوروبية عسكرية عابرة للحدود (تاكوبا). غير أن هذا التراكم العسكري، على رغم كثافته، فشل في إنتاج استقرار مستدام، إذ أدى في كثير من الأحيان إلى إعادة توزيع العنف بدلاً من احتوائه، وفتح المجال أمام تمدد الجماعات بدل انحسارها.
في الخلفية، كان التدخل الأميركي أقل ظهوراً عسكرياً لكنه بالغ التأثير استراتيجياً، عبر دعم لوجستي واستخباري للقوات الإقليمية، وإنشاء بنية مراقبة بطائرات مسيرة انطلاقاً من النيجر، ضمن مقاربة قائمة على "إدارة التهديد عن بعد" أكثر من الانخراط المباشر، إلا أن هذا النموذج واجه بدوره حدوداً واضحة، تجلت في تصاعد الهجمات العابرة للحدود وتآكل قدرة الدول المحلية على ضبط المجال الأمني.
ومع الانقلابات المتتالية في مالي، خصوصاً منذ 2020، دخلت المعادلة مرحلة جديدة، فقد أدى تفكك الشراكة مع فرنسا وانسحاب القوات الغربية تدريجاً، إلى فراغ استراتيجي ملأته روسيا عبر وجود عسكري وأمني. وقد روج لهذا الوجود بوصفه بديلاً سيادياً عن النفوذ الغربي، لكنه سرعان ما وجد نفسه في مواجهة بيئة معقدة تتجاوز قدراته التقليدية في مكافحة التمرد، مما أدى إلى خسائر متزايدة وتآكل تدريجي في فاعليته الميدانية.
في هذا السياق، برزت الولايات المتحدة بوصفها فاعلاً يعيد ضبط موقعه عبر إعادة تعريف أدوات النفوذ، وتخفيف أو إعادة هيكلة العقوبات، وإعادة فتح قنوات التواصل مع المجلس العسكري، في محاولة لاحتواء الانفراد الروسي ومنع تحول الساحل إلى مجال نفوذ مغلق. ويعكس ذلك انتقالاً من منطق "الاحتواء الصلب" إلى "الاحتواء المرن"، حيث تدار الأزمات عبر التوازنات مع إرجاء الحسم.
سيناريوهات محتملة
في ضوء الهجمات الأخيرة في مالي، تبرز سيناريوهات عدة. الأول، يرجح أن تتجه جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" إلى تثبيت نموذج إدارة غير مباشرة في الشمال، عبر ترتيبات محلية مع فصائل أخرى. هذا النموذج لا يقوم على إعلان دولة، بل على تفويض وظيفي للحكم المحلي وتطبيق أنماط من "الشريعة المدارة"، بما يقلل الكلفة السياسية ويزيد القدرة على الانتشار جنوباً نحو باماكو. الخطر هنا يتمثل في نشوء "سلطة ظل" هجينة، تضعف الدولة من دون أن تحل محلها بالكامل.
السيناريو الثاني، يتوقع تفككاً أمنياً إقليمياً وصداماً داخلياً، فمع انسحاب أو تراجع القوات المالية والروسية، يتوقع أن يتسع الفراغ الأمني، مما يعيد إحياء التنافس العنيف بين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" و"تنظيم الدولة في ولاية الساحل". هذا السيناريو يعيد إنتاج نمط "الحرب داخل الحرب"، إذ يتحول شمال مالي إلى ساحة صراع بين شبكات إرهابية متنافسة، مما يضاعف العنف ضد المدنيين، ويقوض أي إمكان للاستقرار المحلي، ويمتد أثره إلى النيجر وبوركينا فاسو.
السيناريو الثالث، انهيار سياسي في باماكو وإعادة هندسة السلطة، فالهجمات التي استهدفت قيادات عسكرية بارزة مثل وزير الدفاع تفتح الباب أمام أزمة داخل النخبة العسكرية نفسها، وقد تفضي إلى إعادة ترتيب داخل المجلس الانتقالي بقيادة أسيمي غويتا، أو حتى إزاحته. في هذا السيناريو لا يكون التهديد خارجياً فقط، بل داخلياً بنيوياً يعيد إنتاج منطق الانقلابات كآلية تصحيح قسري داخل الدولة.
السيناريو الرابع، إعادة تموضع القوى الدولية وتآكل النفوذ الروسي الذي يواجه اختبار استنزاف متصاعد، مع تزايد الخسائر وتراجع القدرة على فرض الاستقرار. وهذا قد يدفع موسكو إلى تقليص التزاماتها، أو إعادة تعريف دورها من شريك أمني حاسم إلى حضور رمزي محدود. في المقابل، قد تسعى قوى أخرى، خصوصاً الولايات المتحدة وشركاء أوروبيين، إلى استعادة موطئ قدم عبر أدوات استخبارية ودبلوماسية أكثر مرونة، من دون عودة كاملة للانتشار العسكري التقليدي.