ملخص
تشير الأرقام الحكومية إلى أن العراق كان يصدر قبل الأزمة نحو 93 إلى 100 مليون برميل شهرياً، بإيرادات قاربت 9.2 تريليون دينار عراقي شهرياً (نحو 7 مليارات دولار)، قبل أن تهبط الصادرات في أبريل إلى أقل من 10 ملايين برميل فحسب، بإيرادات لم تتجاوز 1.3 تريليون دينار عراقي (نحو مليار دولار)، مما خلق فجوة مالية ضخمة في بلد يعتمد على النفط بنسبة تفوق 90 في المئة لتمويل موازنته العامة.
يقف العراق اليوم أمام واحد من أكثر الاختبارات الاقتصادية حساسية منذ عام 2003 في لحظة تتداخل فيها الصدمات الجيوسياسية مع الاختلالات البنيوية العميقة في الاقتصاد المحلي، بعدما أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والتراجع الحاد في الصادرات النفطية إلى انكماش الإيرادات المالية بصورة غير مسبوقة، مما وضع الحكومة العراقية والبنك المركزي العراقي والمؤسسات المالية أمام سباق مع الزمن لتأمين السيولة والحفاظ على الاستقرار النقدي ومنع انتقال الأزمة إلى الشارع والأسواق.
وخلال أسابيع قليلة فحسب، انتقل الحديث الرسمي من ملفات الإصلاح والتنمية إلى إدارة "الأزمة النقدية"، بعدما كشف مسؤولون وخبراء عن أن العراق خسر تريليونات الدنانير نتيجة تراجع الصادرات النفطية عبر مضيق هرمز، وهو الشريان الذي تمر عبره النسبة الأكبر من صادرات البلاد النفطية.
وتشير الأرقام الحكومية إلى أن العراق كان يصدر قبل الأزمة نحو 93 إلى 100 مليون برميل شهرياً، بإيرادات قاربت 9.2 تريليون دينار عراقي شهرياً (نحو 7 مليارات دولار)، قبل أن تهبط الصادرات في أبريل (نيسان) الماضي إلى أقل من 10 ملايين برميل فحسب، بإيرادات لم تتجاوز 1.3 تريليون دينار عراقي (نحو مليار دولار)، مما خلق فجوة مالية ضخمة في بلد يعتمد على النفط بنسبة تفوق 90 في المئة لتمويل موازنته العامة.
هذا التراجع المفاجئ أعاد إلى الواجهة المخاوف القديمة في شأن هشاشة الاقتصاد العراقي، وأثار تساؤلات واسعة حول قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل الرواتب والإنفاق التشغيلي والمشاريع الخدمية إذا استمرت الأزمة الإقليمية لفترة أطول.
فجوة مالية تهدد الإنفاق الحكومي
في السياق كشف مظهر محمد صالح المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن أن العراق يواجه فجوة مالية تقدر بنحو 12.5 تريليون دينار عراقي شهرياً (نحو 9.5 مليار دولار) نتيجة تراجع صادرات النفط، مؤكداً أن وزارة المالية تتجه لإعداد خطة طوارئ ثلاثية تشمل الاقتراض الداخلي والخارجي، إضافة إلى تعظيم الإيرادات غير النفطية.
ويعكس هذا الرقم حجم الأزمة التي تواجهها المالية العامة، خصوصاً مع استمرار التزامات الدولة الضخمة تجاه الرواتب والأجور والرعاية الاجتماعية والدعم الحكومي، في وقت تراجعت فيه التدفقات الدولارية بصورة حادة.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بانخفاض الإيرادات النفطية، بل تكشف أيضاً عن الخلل الهيكلي المزمن في الاقتصاد العراقي، الذي ظل، عقوداً، يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للتمويل، من دون بناء قطاعات إنتاجية بديلة قادرة على امتصاص الصدمات.
"العجز الهيكلي" يدخل أخطر مراحله
من ناحيته، وصف محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق الوضع المالي الحالي بأنه لم يعد "عجزاً رقمياً" كما في السنوات السابقة، بل تحول إلى "عجز فعلي ومزمن"، في إشارة إلى أن الأزمة لم تعد مجرد أرقام ضمن جداول الموازنة، بل باتت تؤثر مباشرة في قدرة الدولة على التمويل والإنفاق. وأكد العلاق أن العراق وصل إلى مستويات مرتفعة من الدين الداخلي، في وقت أصبحت الطاقة الإقراضية للمصارف الحكومية شبه مستنفدة، ما يضع صناع القرار أمام خيارات صعبة ومعقدة.
وعلى رغم تأكيده أن رواتب الموظفين "مؤمنة إلى المدى المنظور"، فإن حديثه عن احتمال اللجوء إلى الاقتراض الخارجي يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة في ظل استمرار النزف المالي.
وحذر اقتصاديون من أن أخطر ما في الأزمة الحالية هو تزامنها مع تضخم حجم الإنفاق التشغيلي، إذ تذهب النسبة الكبرى من الموازنة إلى الرواتب والأجور والدعم، مقابل تراجع الإنفاق الاستثماري والإنتاجي، مما يقلل من قدرة الاقتصاد على خلق مصادر دخل جديدة.
البنك المركزي بين حماية الاحتياط وإنقاذ المالية
في قلب الأزمة الحالية يقف البنك المركزي العراقي باعتباره الجهة القادرة على توفير السيولة والحفاظ على استقرار سعر الصرف، لكن هذا الدور يضعه أمام معادلة شديدة الحساسية. فالخبير المالي محمود داغر أكد أن الحكومة لا تمتلك حالياً خيارات حقيقية سوى "خلق النقود" عبر الحوالات المخصومة، أي قيام البنك المركزي بطباعة نقد محلي وإقراضه لوزارة المالية لتغطية الرواتب والنفقات. وشرح داغر أن هذه الآلية لا تعني السحب المباشر من الاحتياط النقدي الأجنبي، "لكنها تؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى استنزافه، لأن الأموال المطبوعة تتحول لاحقاً إلى طلب متزايد على الدولار داخل السوق".
وبحسب تقديراته، "فإن الدين الداخلي مرشح للارتفاع من نحو 100 تريليون دينار عراقي (نحو 76 مليار دولار) إلى ما بين 130 و140 تريليون دينار عراقي (نحو 99 إلى 106 مليارات دولار) خلال الفترة المقبلة إذا استمرت الأزمة بالوتيرة نفسها".
ورأى متخصصون أن هذا السيناريو قد يؤدي تدريجاً إلى ضغوط على سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، حتى وإن تمكن البنك المركزي موقتاً من السيطرة على السوق عبر الاحتياطات الأجنبية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هل يعود شبح تعديل سعر الصرف؟
من بين أكثر الملفات إثارة للقلق داخل الأوساط الاقتصادية ملف سعر صرف الدينار العراقي، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن خيارات حكومية لمواجهة العجز المالي.
وعلى رغم نفي محافظ البنك المركزي وجود أي نية لتعديل سعر الصرف، فإن مرصد "إيكو عراق" الاقتصادي طرح سيناريو رفع سعر الدولار الرسمي إلى 150 ألف دينار لكل 100 دولار، بدلاً من 132 ألف دينار لكل 100 دولار، بهدف زيادة الإيرادات الحكومية بالدينار وتقليص العجز. ويستعيد هذا الطرح تجربة حكومة مصطفى الكاظمي نهاية عام 2020، حين جرى خفض قيمة الدينار لمواجهة الأزمة المالية الناتجة من انهيار أسعار النفط آنذاك.
لكن اقتصاديين حذروا من أن أي تعديل جديد في سعر الصرف قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما سينعكس مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين، خصوصاً أصحاب الدخل المحدود.
البرلمان يدخل على خط الأزمة
القلق لم يعد مقتصراً على المؤسسات الاقتصادية، بل انتقل أيضاً إلى البرلمان، حيث حذرت اللجنة المالية النيابية من أن العراق مقبل على "أزمة مالية بامتياز". وقال عضو اللجنة مضر الكروي إن العراق غير قادر حالياً على تصدير نحو 95 في المئة من نفطه الخام بسبب تداعيات الأزمة الإقليمية، مؤكداً أن اللجنة ستطلب من الحكومة توضيحات شاملة في شأن حجم التأثيرات والخطط الموضوعة لتجاوز المرحلة الحالية.
ويشير هذا التحرك إلى تصاعد المخاوف السياسية من تحول الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية، خصوصاً إذا طال أمد التوترات الإقليمية أو تراجعت قدرة الدولة على تمويل التزاماتها.
"مجلس الاستقرار المالي"... محاولة لإنقاذ التوازن
وسط هذه الضغوط، اتجهت الحكومة إلى تأسيس "مجلس الاستقرار المالي"، الذي يضم رئيس الوزراء ووزارة المالية والبنك المركزي، بهدف توحيد القرار الاقتصادي ورفع مستوى التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية.
ورأى المستشار الاقتصادي مظهر محمد صالح أن المجلس يمثل "إطاراً وقائياً" للتعامل مع التحديات المقبلة، "وليس مجرد استجابة لأزمة آنية"، مؤكداً أن الهدف هو إدارة السيولة والسيطرة على التضخم وتنظيم الإنفاق العام ضمن رؤية موحدة.
ويعتقد مراقبون أن أهمية المجلس تكمن في كونه أول محاولة جدية منذ سنوات لإدارة الاقتصاد العراقي بعقلية "إدارة الأزمات"، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل الموقتة. ومن المتوقع أن يناقش المجلس ملفات معقدة تشمل إدارة الدين العام، وسعر الصرف، والإصلاح المصرفي، ومستويات التضخم، وآليات تمويل العجز، فضلاً عن تداعيات الأزمات الإقليمية على الأسواق العراقية.