Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وصمة النسوية... أعراض جانبية لـ"أحوال مصر الشخصية"

كثير من النقاشات التي تدور على أثير السوشيال ميديا تتضمن أفكاراً أو مفاهيم تقوم على أساس أن النسوية قائمة على "الفكر الليبرالي المحرم"

يعتبر البعض أن النسويات في مصر انتهزن فرصة مناقشة قانون الأحوال الشخصية من أجل هدم المجتمع والعصف بقيم الأسرة (رويترز)

ملخص

تتضمن كثير من النقاشات التي تدور على أثير السوشيال ميديا أفكاراً أو مفاهيم يجري تداولها تقوم على أساس أن النسوية قائمة على "الفكر الليبرالي المحرم"، الذي يعطي المرأة الحرية المطلقة ويساوي بينها والرجل في الحقوق، وهو ما يعده أصحاب هذه الأفكار تناقضاً مع مبدأ العبودية لله، لا لليبرالية!

بدلاً من متابعة المناقشات الهادفة، ومقارنة القوانين في دول مشابهة، وتبادل وجهات النظر المتعقلة التي تهدف إلى صالح الزوجة، وصالح الزوج، وصالح الطفل في حال حدوث الانفصال، وذلك دون أن يطغى أطماع هذا على جيب ذاك، أو سطوة ذاك على كرامة هذا، وكل ذلك على حساب الأبناء والبنات الذين يدفعون ثمن الانتقام والكراهية والرغبة في إلحاق أكبر كم ممكن من الضرر بالطرف الآخر، يغلي المجتمع المصري على مدار الساعة حالياً بخلطة جهنمية تتداخل فيها العادات والتقاليد بالثقافة المتوارثة، بقيم الريف بمبادئ المدينة، بشد الإسلاميين وجذب غير الإسلاميين، بسطوة الجماعات الدينية وأتباعها، وتحرر عقول كارهيها وأعدائها، وذلك على وقع قانون الأحوال الشخصية الجديد.

وبينما جمعيات نسوية وأحزاب سياسية ومجالس قومية ومحافل مؤسسية تناقش المتاح من نصوص قانون الأحوال الشخصية الجديد، وذلك لأهداف معلنة تراوح ما بين الوصول إلى العدالة، وضمان حقوق النساء في النصوص الجديدة منعاً لتكرار السلب المزمن لها في نصوص القوانين القديمة، والعمل على صالح الأسرة المصرية كوحدة واحدة حتى لو انفصل الزوجان، فإن هناك أفراداً وجماعات يجتهدون ويبذلون جهدهم في محاولات مضنية لإنقاذ مصر والمصريين من هذه الهجمة التغريبية، والسطوة النسائية، والأهم من ذلك السموم الفكرية التي يجري بثها، وذلك حفاظاً على الدين وحماية للمتدينين من هجمة النسويات العلمانيات.

يقول الفريق الأخير إن هؤلاء النسويات انتهزن فرصة مناقشة قانون الأحوال الشخصية الجديد، وبدأن العمل بسرعة وحنكة من أجل هدم المجتمع والعصف بقيم الأسرة المصرية والإضرار بكرامة الرجل وتمكين المرأة، لتطغى السطوة النسائية فتحل اللعنة وتعم الفاحشة وتتسيد الخطيئة، وذلك تحت عناوين براقة مثل "حق الزوجات" و"مصلحة الأبناء" و"المساواة بين الرجال والنساء"، وغيرها من حجج النسويات الواهية المفضوحة.

هذا الوقع، وهذا الحراك، وهذه التجاذبات اتخذت من "النسوية" أرض معركة مكملة للمعركة المحتدمة التي حولت مناقشات القانون إلى جولات مصارعة متناثرة تارة بين الرجال والنساء، وأخرى بين من يقدمون أنفسهم باعتبارهم متدينين ومحافظين على الدين، ومن يقولون عن أنفسهم إنهم مدنيون ومحافظون على أصول الدولة المدنية، وثالثة بين الممسكين بتلابيب العادات القديمة والتقاليد العتيقة والمتشبثين بالتحديث والتطوير، وغيرها من جولات متوازية، جميعها يقول إنه معني بقانون أحوال شخصية "عادل".

في كل من هذه المعارك وجولاتها المشتعلة، لا بد أن تذكر كلمة "نسوية" ومشتقاتها، مرة على سبيل الإيجاب والإعجاب وآلاف المرات لتصويب سهام الإدانة وتوجيه اتهامات لا أول لها أو آخر.

سجالات ومشادات

في أثناء التجهيز لحلقة نقاشية حول نصوص قانون الأحوال الشخصية الجديدة بإحدى المؤسسات، دارت سجالات ووقعت مشادات، لا على محتوى النقاش أو جدول الحلقة بل على توصيف المتحدثات، إذ انقسم طاقم الإعداد إلى فريقين يصر أولهما على توصيف الحقوقيات والناشطات في مجال المرأة بـ"النسويات"، ويحذر الثاني من مغبة التوصيف، لأنه سيفتح أبواب الاتهام ويضع الحلقة النقاشية في مرمى الانتقاد والتنديد، وربما التحريم والتكفير.

وفي الحلقة النقاشية سارت الأمور بصورة جيدة، إذ مناقشات حول المقصود بعبارة "المصلحة الفضلى للأطفال"، التي يجري استخدامها طوال الوقت من الطرفين المتنازعين دون تحديد المقصود بها، وكيف يمكن للقانون أن يتحول من "قانون نزاع" إلى "قانون رعاية"، وسبل تحقيق العدالة السريعة، إذ تنظر في نزاعات الأسرة دائرة قضائية واحدة تصدر حكماً شاملاً فور وقوع الطلاق، ويحدد التزامات كل طرف دون محاباة لهذا أو ظلم لذاك، وآليات فض النزاع ودياً عبر جلسات التوجيه النفسي والاجتماعي، لا الديني فقط، إذ يخضع التوجيه للتفسيرات الدينية التي يحملها ويعتنقها الموجه، وسبل تحقيق العدالة عبر الانتصار للأسرة، لا لطرف دون آخر.

وتطور النقاش لتعلو أصوات مطالبة بأن تكون قوانين الأحوال الشخصية مدنية شأنها شأن بقية القوانين، لا سيما أن بعض الأصوات الممثلة للمؤسسات الدينية تطغى عليها التفسيرات المتشددة أو الرجعية أو المجحفة للمرأة، أو كل ما سبق. هنا، تفجرت ينابيع الغضب وانطلقت السهام المحمومة، وتنافس على الميكرفون للإدلاء بالدلو والسيطرة على "الانفلات" الحادث، والتلويح بالاتهام المعد سلفاً ألا وهو "النسوية".

غالب هذه المداخلات النارية صال وجال ودار حول مبدأ لا يختلف عليه اثنان. واحد زائد واحد يساوي اثنين. أما تفسير المبدأ فجاء مؤكداً أن حقوق الزوج ومكانته وواجباته معروفة، وحقوق الزوجة ومكانتها وواجباتها معروفة، وجميعها وارد بالتفصيل في الشريعة الإسلامية، وأي محاولة للتعديل أو التغيير أو الاجتهاد ليست إلا محاولات خبيثة من النسويات ومن يدعمهن لتغيير شرع الله.

 

ما جرى في الحلقة النقاشية، وتحول الموضوع من مناقشة قانون الأحوال الشخصية المقترح إلى فريق يوجه سهام الاتهامات للنسوية، وآخر يصد السهام ويتعجب من الاتهام ويعود إلى المربع صفر حيث "ما هي النسوية؟" هو ما يجري منذ وجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال سبتمبر (أيلول) 2021 بصياغة قانون "عادل" للأحوال الشخصية، يعكس ثقافة المجتمع ويضمن حقوق الزوج والزوجة والأطفال.

وظلت الموجات تصعد مع كل إشارة رسمية أو إعلامية إلى القانون، وتخفت مع كل نسيان أو تناسٍ له، وتقاسم الخلاف تيار ديني يتنازع عليه فريق حماة الدين وفريق حماة الدولة المدنية، وآخر يهتم بـ"النسوية" ينقسم إلى فريق يشيطن الفكرة معتبراً إياها ضمن جهود النيل من حقوق الرجل المنصوص عليها في الشريعة، وتيار فاهم للفكرة ومتعجب من الإصرار على حصرها في تلك المساحة بالغة الضيق. ووصلت الموجات أقصاها هذه الأيام مع قرب خروج القانون إلى نور التشريع عبر مناقشة نصوصه وتداول مواده.

كشفت الموجة الصاخبة الحالية عن عدد من الخفايا التي يموج بها الشارع والمجتمع، التي قلما تظهر على سطح النقاش العام إلا كعرض جانبي لحدث جلل ما. الحدث الجلل هذه المرة هو قانون الأحوال الشخصية، والعرض الجانبي الأكبر هو ما لحق بمكانة المرأة في المجتمع، فعلياً لا نظرياً، وما آلت إليه الدوائر الشعبية من آراء ومواقف خاصة بالنساء، تعكس هيمنة تيارات ثقافية وجماعات دينية تعمل بهدوء، لكن بثقة وتؤدة.

المحامية الحقوقية، التي يصنفها بعضٌ بـ"النسوية" نهاد أبو القمصان قالت عبر فيديو على صفحتها إن هناك علاقة وثيقة بين الجماعات الدينية الإرهابية والمتطرفة وبين نوعية معينة من التدخلات الحالية في قانون الأحوال الشخصية. وأكدت أن من أطلق مسمى "قوانين جيهان" (قرينة الرئيس الراحل محمد أنور السادات) و"قوانين سوزان" (قرينة الرئيس الراحل محمد حسني مبارك) هم هذه الجماعات، وأنهم الذين يملأون الدنيا صخباً ومعارضة على قانون الخلع، باعتباره مناقضاً للشريعة، على رغم أنه ليس كذلك، كما أن نسبة الطلاق بالخلع لا تتعدى الثلاثة في المئة. وعللت تلك المواقف المناهضة والمعادية لكل ما يخص المرأة من قبل هذه الجماعات بأن المرأة المصرية هي من تتصدى لهم، وهي من تتقدم الصفوف لمنع تمكينهم من مفاصل مصر.

اللافت أن أي نقاش جاد، أو تقرير صحافي يبحث آثار قوانين الأحوال الشخصية، ويعرض كوارث وأزمات تعرضت لها زوجات وأبناؤهن، يتحول إلى ساحة جهاد يجري فيها إشهار أسلحة الترويع الديني وأدوات الاتهام بـ"النسوية". وضمن أنشطة الجهاد يتبرع بعضٌ بالبحث والتنقيب في ما كُتب على مواقع "دينية" معظمها سلفي لتأريخ النسوية والنسويات، لتسليط الضوء على ما يقمن به في مرحلة الاستعداد لقانون الأحوال الشخصية الجديد.

نقاش الولاية

ومن أبرز ما يجري تداوله مئات وربما آلاف المرات، تعريف وتأريخ لـ"الحركة النسوية" من بنات أفكار أحدهم يقول إنها "حركة تسللت إلى المجتمعات العربية إبان الاستعمار، وحققت مكاسب خطرة من نشر الثقافة الغربية، وضعف الولاء للإسلام، ونزع الحجاب وانتشار الانحلال والتشكيك في الثوابت الدينية تحت شعار العمل الحقوقي والنشاط الاجتماعي. وجرى ذلك من طريق إنشاء جمعيات نسوية ودعم الفن الهابط، والحركات الماسونية".

ومنهم من يستشهد بما قاله عالم الدين الراحل أحمد شاكر (1892-1958)، وهو المعروف بعدائه وكراهيته الشديدين للحركات النسوية، التي اعتبرها "حركات إفساد المرأة". ومما قال، وتستشهد به دائماً فئة معنية من "المتدينين"، "نريد أن نحفظ أعراض المسلمين. وأن نحارب ما أحدث ’النسوان‘ وأنصار ’النسوان‘ من منكرات الإباحية والمجون والفجور والدعارة، هؤلاء ’النسوان‘ اللائي ليس لهن رجال، إلا رجالاً ’يشبهن‘ الرجال. هذه الحركة النسائية الماجنة، التي يتزعمها المجددون وأشباه المجددين، والمخنثون من الرجال، والمترجلات من النساء، التي يهدمون بها كل خلق كريم، يتسابق أولئك وهؤلاء إلى الشهوات، وإلى الشهوات فقط".

وعلى رغم أن الرجل رحل عن عالمنا منذ ما يزيد على ستة عقود، فإن كلماته عن حركات "إفساد النساء" أو "النسوان"، وهي الكلمة التي تستخدم للتحقير من المرأة، ضمن الأكثر تداولاً من قبل بعضهم درءاً لمفاسد النسوية، ودفاعاً عن الحقوق (حقوق الرجال) في أي تعديل أو قانون جديد يتعلق الزواج والطلاق والأسرة.

ومما يجري تداوله أيضاً على عشرات الصفحات والمجموعات التي أعلنت الطوارئ، تكثيف الجهود لدرء أية محاولة عبر القانون الجديد لتعديل ميزان القوة، أو تغيير دفة المصالح، أو المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، أو الاقتراب من مبدأ "الولاية".

يشار إلى أن التفسير الديني الشائع للولاية هو إعطاء الذكر من العصبات مثل الأب والأخ والزوج والجد "ولاية صيانة ورعاية وتوجيه، وتهدف إلى حماية المرأة وتقديم الدعم لها في اتخاذ القرارات المصيرية".

 

يشار أيضاً إلى أن عدداً من الصفحات التي جرى تدشينها على أثير السوشيال ميديا في الموجة الحالية من موجات الإعداد والجهاد لمواجهة قانون الأحوال الشخصية الجديد خوفاً من أن تتعرض مكانة الزوج للاهتزاز، أو تكتسب الزوجة مزيداً من الميزات، يفسر مطالبة بعض "النسويات" بإسقاط الولاية بأنها تعني التمرد على عادات المجتمع وعقوق الآباء وحرية الإلحاد ونبذ الدين، والانحلال عن أحكام الشرع وتفكك الأسرة وفساد المجتمع، والثورة على الوطن".

ويجتهد المجتهدون في وصف مناقشة أمر الولاية على المرأة التي يتفاخر المجتمع بأنها أصبحت وزيرة وسفيرة وعميدة ومديرة، ناهيك بأن نحو 18 في المئة من الأسر تعولها نساء، بأنها "منهج الزنادقة، يقدحون في وجود الخالق، ويطعنون في الشرائع، وينشرون الإباحية تحت مسمى أن المرأة قادرة على التفكير واتخاذ القرار وتحديد مصيرها ومصير أسرتها".

الجولة الحالية من جولات التراشق تجري على أرضية الأحوال الشخصية وتحمل في طياتها إعادة لتسليط الضوء على المقصود بـ"تكريم المرأة"، وهي العبارة التي يستخدمها غالب من نشأوا في عصر "الصحوة الدينية السبعينياتية" التي عادت بالمجتمع إلى عصور ثقافية واجتماعية ظن كثر أنها مضت قبل قرون.

أرضية أي قانون تلعب فيه تاء التأنيث دوراً تتحول أوتوماتيكياً إلى معركة بين حماة الدين وحماة الدولة المدنية، وكذلك "وصم" كل ما يسعى للتعامل مع المرأة وكيانها وحقوقها وواجباتها باعتبارها مواطنة كاملة الأهلية بـ"النسوية".

وكشفت الجولة الحالية من جولات العراك في حلبة الأحوال الشخصية عن شيوع فكرة، مفادها أن الفكر النسوي يعد فكراً مضاداً للإسلام ورسالة الإسلام وشريعته التي فرقت بين الرجل والمرأة في الأحكام الشرعية، وأعطت الرجل صلاحيات لتحقيق مصلحة الأسرة والمجتمع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتضمن كثير من النقاشات التي تدور على أثير السوشيال ميديا أفكاراً أو مفاهيم يجري تداولها تقوم على أساس أن النسوية قائمة على "الفكر الليبرالي المحرم"، الذي يعطي المرأة الحرية المطلقة ويساوي بينها والرجل في الحقوق، وهو ما يعده أصحاب هذه الأفكار تناقضاً مع مبدأ العبودية لله، لا لليبرالية!

ويتداول كثر آراء ومواقف باعتبارها معلومات موثقة مفادها أن المرأة التي تطالب بتطبيق القوانين الوضعية على شؤونها ومشكلاتها متمردة على شرع الله، وعلى الأرجح تبحث عن الحرية المنفلتة.

تجدر الإشارة إلى أن تحول النسوية إلى وصمة أو سبة أو شتيمة ليست حكراً على مصر أو أجواء مناقشة قوانين الأحوال الشخصية التي يجري اختزالها، باعتبارها معركة يخوضها الرجال من أجل البقاء على قمة الهرم، وتخوضها النساء في محاولة للخروج من قاعدته ودرجاته المتدنية.

وصمة النسوية مقتولة مسبقاً

وصمة النسوية قُتلت بحثاً في الغرب. وتتلخص نتائج البحث في أن الوصمة بالنسوية تنطوي عادة على لصق صورة نمطية سلبية بالنساء النسويات، وكذلك الرجال الداعمين للنسوية بأنهم يكرهون الرجال، ويعتنقون أفكاراً متطرفة تضع النساء في المقدمة، سواء كن مستحقات لذلك أم لا. وذهبت الوصمة إلى درجة القول إن النسويات يشكلن جماعات أصولية متطرفة تهدف إلى القضاء على الرجال، إن لم يكن بالمعنى الحرفي للكلمة، فعبر تهميش أدوارهم وتقليص إسهاماتهم وتحقير مكانتهم.

في الدول الإسلامية، وبينها مصر، تتلون وصمة النسوية لا سيما خلال الأعوام الأخيرة التي شهدت بزوغاً وانتعاشاً لجماعات الإسلام السياسي وانتشار أفكارهم حتى في الحالات التي جرى فيها إقصاء الجماعات أو تفكيكها أو حتى تجريمها بألوان الدين، أو بالأحرى الترويع بالدين.

يشار إلى أن عدداً من النقاشات المتداولة حالياً تعد جهود التوعية المبذولة لتشجيع النساء اللاتي يتعرضن للعنف المنزلي على طلب العون والمساعدة، بأنها "أدوات النسويات لتحطيم القدوة في حياة النساء والترتيب الإلهي في المجتمع والقوامة التي منحها الله للرجال، وهو ما يؤدي إلى تمرد الفتيات في سن الزواج وتتشكل شخصياتهن المنحرفة، فيثرن على الدين ويتمردن على طاعة الزوج ويتفتت المجتمع".

الطريف أن الصفحات التي جرى تدشينها خلال الأسابيع القليلة الماضية بغرض حماية المجتمع من أخطار النسويات، والعمل على الوقوف في وجه أي قانون يعارض الشريعة أو يهدد الترتيب الإسلامي للأسرة، ومنها "لا لنواشز مصر" و"نواشز مصر" و"المجلس القومي لحقوق الرجال" و"معاً للقضاء على المجلس القومي للمرأة"، و"آباء في المحاكم" و"عايز حقي" وغيرها، تكشف كثيراً من الأفكار والمفاهيم الخاصة بالمرأة والزواج والحقوق في مصر، وذلك دون تجميل أو تقييد أو توجيه.

 

كتب أحدهم "حتى حقي الشرعي (العلاقة الحميمية) أصبح بمزاجها (الزوجة) ولو حصلت عليه بقوة شرع ربنا أصبح اسمه اغتصاباً زوجياً. نعيش آخر الزمان وضياع الدين والشرع". وحين علقت سيدة بأنه ربما لو بدأ بالمودة والرحمة لما احتاج للجوء إلى العنف ليقيم العلاقة مع زوجته، رد مدافع آخر "مودة ورحمة إيه يا أم مودة ورحمة. العلاقة شيء والمودة والرحمة شيء آخر. الزوجة تطيع زوجها فقط لا غير. إفهمي الدين قبل أن تجادلي جدال النسويات السفيهات".

وبعيداً من السفه والنسوية ومعركة الرجال والنساء، يتحدث قليلون بصوت العقل بعيداً من شد النسوية وجذب العوامل الشخصية. الكاتب الصحافي حمدي رزق كتب تحت عنوان "المرجعية الإنسانية في قانون الأحوال الشخصية" (مايو/أيار 2026) داعياً إلى مرجعية إنسانية تتقدم على المرجعيات كافة، سواء قانونية أو دينية، مطالباً بأن "يصدر قانون يتحلى بالإنسانية، لهو المراد من رب العباد، قانون رحيم يعالج التمزق في النسيج الأسري، ويمتن العروة الوثقى بين الزوجين ويحصن الرباط المقدس بما يحميه من غائلة الأيام، ويوقف النزف الأسرى ويحمى الأطفال ويصون العهد والود، ويكفى المطلقين شر القتال على العفش والنفقة والحضانة ومسكن الزوجية. إلى آخره من أنقاض البيوت المنهارة على رؤوس ساكنيها".

وأضاف "قبل كل المرجعيات القانونية والدينية التي تتحدث بها المراجع البرلمانية، مستوجب تحكيم المرجعية الإنسانية في مواد القانون. الأسرة المصرية التي عرفت بتماسكها وتعاطفها تمزقت بفعل قوانين بالية، قوانين أكل عليها الدهر وشرب. قوانين من عصور خلت، وأحدثها "قانون سي السيد" من القرن الماضي الذي أذاق أسرته بسطوته الهوان. المرجعية الإنسانية تحكم النصوص الجامدة، وتحولها إلى مواد إنسانية رحيمة ترأف بحال الأسرة، لا سيما الأطفال. مصلحة الأطفال أولى دون إجحاف بمصالح مرتبطة، مصالح الأزواج والزوجات".

وتمضي مناقشات القانون الجديد للأحوال الشخصية في طريقها، لكن الطرق الفرعية تفرض نفسها على النقاش العام، وتعكس كثيراً مما يدور بين قطاعات عريضة من المجتمع تعمل على شيطنة النسوية، وحبذا صنف النساء أيضاً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات