Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في اليوم العالمي... المرأة المصرية بين حق التكريم والسقوط في المبالغة

المصريات قطعن شوطا وحصلن على الكثير من الحقوق والمناصب، وجدل نسائي بشأن ضرورة العودة للمنزل وبعض الرجال يتحفظ

ثماني وزيرات في الحكومة المصرية الحالية. (المكتب الإعلامي برئاسة الجمهورية)

مسارات رحلتها متعددة المحطات، لا تكاد تصل محطة كبيرة لتلتقط أنفاسها وترتب الأوراق وتنظم الرؤى، حتى يخبروها بضرورة جمع المتعلقات، وحزم الأمتعة، والإقلاع فوراً إلى وجهة جديدة ليست بالضرورة حديثة، بعضها يننتمي فكراً وفعلاً إلى القرون الوسطى، والبعض الآخر مسخ ممجوج لا هو شرقي النكهة حيث الأصالة والعراقة، ولا هو غربي المذاق حيث الحداثة والجاذبية.

جاذبية المطبخ لا يعلو عليها إلا ربما جاذبية المنصب الكبير ذي المكتب الفخيم والوضع الاجتماعي الوثير، الذي لغرابة القدر لا يخلو أيضاً من عودة إجبارية مرتدة إلى المطبخ بين الحين والحين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نون النسوة

حين اعتقدت المرأة المصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أنها بصدد الحصول على مسوغات الاعتراف بأنها إنسان كامل الأهلية، يحمل أجهزة تناسلية لكن في الوقت نفسه مزوداً بدماغ يحتوي مخاً وإدراكاً لا يخلو من منطق، تعرضت لهجمة شرسة مرتدة دفعت بها مجدداً إلى المطبخ حيث "مملكة الست الحقيقية"، ومنه إلى خدمة الزوج حيث تعريف الزوجة الصالحة من وجهة نظر شرعية.

"الشرع ينص على وجوب خدمة الزوجة لزوجها، وقيامها بأعمال المسح والكنس والطبخ والطحن وغيرها. والزوجة الممتنعة عن ذلك آثمة". المنشور أو (البوست)، على موقع نسائي "محافظ" على شبكة الإنترنت حظي بآلاف الإعجابات (لايك)، ومئات المشاركة (الشير)، من قبل الزوجات الملتزمات عضوات الصفحة. وحين خرجت إحداهن بتعليق صغير مفاده أن المنشور هراء، ولا أساس له من الصحة في الدين أو المنطق في التفكير، تحولت الصفحة إلى ساحة حرب بين نساء عشقن المطبخ، وفُتِن بكل ما من شأنه أن يجعل من نون النسوة تاء مربوطة في "رجل السرير".

مصباح يضيء لا شمعة تحترق

منار، البالغة من العمر 38 عاماً تعرف نفسها بأنها "عائدة من الربط في رجل السرير"، والربط في رجل السرير ضمن موروثات شعبية قديمة حيث كان الأهل أو الزوج يقبلون على ربط الابن أو الابنة أو الزوجة غير المطيعين في "رجل السرير" على سبيل التهذيب والتأديب.

ورغم أن منار لم تُربَط فعلياً في رجل السرير، فإنها حبست نفسها لسنوات طويلة في منظومة فكرية وثقافية قِوامها أن مكان المرأة الطبيعي البيت، ومملكتها مطبخها، ودورها الحمل والإنجاب وإسعاد الزوج وتحمل سخافاته وتقبل نزواته.

منار أمعنت في إحكام حبل الموروثات الثقافية، والمعتقدات الجندرية، والتصورات الدينية على رقبتها، قبل أن تقرر ذات مساء في يوم المرأة المصرية قبل ثلاثة أعوام أن تعيد اكتشاف قدراتها البشرية، وتثور على قيودها المجتمعية، وتتحرر من ارتباطاتها غير الإنسانية.

تقول منار: "كنت أشاهد برنامجاً تلفزيونياً في مناسبة يوم المرأة المصرية، وظللت أتابع أحاديث النساء عن قصصهن المختلفة التي لم تخرج عن إطار كونهن شموعاً تحترق من أجل من حولهن. وقررت من يومها أن أتحول من شمعة محترقة إلى مصباح إضاءة يضيء وقتما يحب ويعتم وقتما اختار".

المرأة المصرية الآن موجودة في كل المهن؛ ثماني وزيرات في الحكومة، عميدات كليات جامعية، مديرات في مؤسسات وهيئات حكومية وخاصة، موظفات في كل مكان، طبيبات هنا وهناك، صحافيات، عاملات، محاميات، محاسبات، معيلات، لكن يظل سؤال المطبخ يطارد كل هؤلاء، هؤلاء – بغض النظر عن حجم عملهن أو مقدار إنجازاتهن أو ثقل حملهن- يواجهن سؤالاً أبدياً عن "المطبخ".

المطبخ يلاحق المرأة

تقول سارة سليمان، 33 عاماً، تعمل مهندسة: "ترقيت في المناصب سريعاً في شركة الاستشارات والمقاولات الهندسية التي التحقت للعمل بها عقب تخرجي، ووصلت إلى منصب رئيسة إدارة البناء في عدد من المدن الجديدة في سن صغيرة. كما تزوجت وأنجبت طفلين، والحمد لله أسرتي سعيدة الأمور تسير على ما يرام بفضل التنظيم والتدبير.

 ورغم هذا، فإن السؤال الذي يوجه لي كلما أجرى صحافي حواراً معي، أو قابلت معارف جدداً، أو حتى أراد أحد مديري الشركة أن يتجاذب معي أطراف الحديث هو: ويا ترى شاطرة في المطبخ؟ وكأن المطبخ يترصد بالناجحات، ويتربص بالمتفوقات، ويقف على طرف نقيض من نجاح كل النساء".

فخ المبالغة

على النقيض من الكليشيهات المصرية المستخدمة في المجتمع "المرأة نصف المجتمع" و"المرأة ابنتي وزوجتي وأمي" وغيرهما، وبينما المرأة المصرية تحتفي بنفسها وتحتفل بعيدها في العام الـ19 من الألفية الثالثة، يقف المجتمع متشككاً في قدراتها متخوفاً من خروجها الذي يلوح في الأفق من سجن التكريم بالحجب والبقاء في البيت، وأسوار الأدوار النمطية حيث الأولوية للمطبخ والأفضلية لإزالة بقع السجاد وتربية الأولاد وتدليل الزوج وغفران ما تقدم من ذنوبه وما تأخر.

يرى بعض الرجال أن الاحتفاء بالمرأة المصرية في عيد دولي هنا أو مصري هناك أمر غريب ولا يستحق. محمد أيوب، يبلغ من العمر 48 عاماً، ويعمل موظفاً، بدأ حديثه بعبارات "المرأة نصف المجتمع" و"كل البيت" و"صانعة المستقبل"، لكن يرى أن للمرأة دوراً رئيسياً بالمنزل لا يجب أن تغفله، "وهو دور لا يحتاج لتكريم أو يستوجب احتفاء، وإلا وجب علينا الاحتفاء بالطبيب لأنه يعالج المرضى، والصحافي لأنه يكتب المقالات، والمهندس لأنه يبني العمارات. هذا هو دورها ونحن شاكرون لها، ولكن دون مبالغة أو مفاخرة".

التفاخر الذي يحاول بعض النساء زرعه في الحديث عن المرأة المصرية وكفاحها داخل البيت وخارجه، والأدوار المتعددة التي تلعبها، وخضوعها لشد السياسة وجذب الاقتصاد وتأويل التفسيرات الدينية على مدى عقود طويلة يصفه البعض بـ"الإقحام"، لكن يراه البعض الآخر شكلاً من أشكال التكريم ونوعاً من التوعية لنفض غبار عقارب الساعة التي عادت إلى الوراء.

فمصر التي مضت قدماً في منتصف القرن العشرين بنسائها حيث انخرطن في التعليم، وتقلدن مناصب رسمية، وارتقين سلم المهنية في أعمال ومهن عدة، بالإضافة إلى نيلهن تقدير الرجل واعترافه بجدارتهن إلى حد كبير، عادت بهؤلاء النساء أنفسهن عشرات السنوات إلى الوراء بفعل هجمات ثقافية شرسة وتفسيرات دينية مغلوطة.

المرأة أصل الحكاية

ولأن أصل الحكاية هي المرأة كاملة الأهلية التي تحمل رقماً صحيحاً غير منتقص، فإن شهر مارس (آذار) الجاري بدأ بـ16 يوماً من طرق الأبواب لتوضيح "أصل الحكاية".

"المرأة المصرية أصل الحكاية"، هو عنوان حملة المجلس القومي للمرأة التي تهدف الوصول إلى مليون سيدة في قرى ونجوع ومدن مصر. بين "طرق الأبوب" وفعاليات ثقافية وفنية وتوعوية، يحكي المتطوعون والمتطوعات حكاية المرأة المصرية على مدار مئة عام.

و"أصل الحكاية"، هي مبادرة يمولها كل من البنك الأوروربي لإعادة الإعمار والتنمية وصندوق المناخ الأخضر من أجل تعزيز فرص التوظيف وريادة الأعمال للنساء في مجال الطاقة الخضراء، حيث المرأة مكون رئيسي في تحول مصر نحو الاقتصاد الأخضر ودعم إمكانات مصر الكبيرة في مجال الطاقة المتجددة.

وتسلط المبادرة الضوء على إعداد الحكومة المصرية برنامج شهادة ختم تحقيق المساواة بين الجنسين للشركات العامة والخاصة. وبمقتضاه تتم تهيئة بيئة عمل أكثر مراعاة لمتطلبات المساواة بين الجنسين عن طريق معالجة التفاوت في الأجور، والتحرش الجنسي، والتوزن بين متطلبات العمل والحياة، مع إمكانية شغل النساء لمناصب قيادية.

المزيد من الأخبار