ملخص
بعودته إلى سوريا، بعد غياب طويل، وإحيائه حفلة وصفتها الصحافة بـ"المبهرة" في دار الأوبرا - دمشق بعنوان "حلاج الأمل"، يؤكد الفنان بشار زرقان تمسكه وتطويره لمشروعه الفني الذي تأسس على الغناء الروحاني الذي يشكل انعطافة مضادة لموجات الغناء الرائجة، لا سيما تلك التي تتوخى إثارة الحواس العابرة بمنأى عن استثارة العقل أو إنارة الروح.
الطريق التي سار فيها بشار زرقان (57 سنة)، منقوشة بخطى فنانين (سبقوه وجايلوه) وظواهر ثقافية انحازت للغناء الإنساني الملتزم، وبرز فيها الشيخ إمام، ومارسيل خليفة، وعدلي فخري، وخالد الهبر، وأحمد قعبور، ومصطفى الكرد، وسميح شقير، وجوليا بطرس، وسامي حواط، وأميمة الخليل، وخالد الشيخ، وأبو عرب، وفرق "ناس الغيوان" و"جيل وجيلالة"، و"العاشقين"، و"بلدنا" و"العودة"، وسوى ذلك مما يصعب حصره.
الغناء الاحتجاجي
وإذا جاز إطلاق الغناء الاحتجاجي على تجارب من سبق ذكرهم، فإن ثمة طابعاً تأملياً يميز تجارب آخرين ممن نهلوا من المعين الصوفي، سواء ما تحقق على يد المتصوفة الذين انبثقت تجربتهم في مطالع العهد الإسلامي، والتي تميزت بالمعرفة الغنوصية التي تتوخى الزهد وتزكية النفس، أو ما أنجزه شعراء معاصرون استأنفوا التأملات الصوفية، وحاوروا على نحو تجديدي فيه الكثير من الترقي ما أنجزه شعراء الصوفية مثل عمر بن الفارض، وجلال الدين الرومي، والحلاج، وابن عربي، ورابعة العدوية.
من هذا المعين الثرّ نهل بشار زرقان، مقترحاً الأغنية الروحانية الصوفية، بديلاً من الأغنية الرائجة سواء بأنماطها المبدعة، أو المتهالكة. ولم يكن الفنان السوري الذي أسس لهذه الغاية "دارة الفنون" في دمشق عام 2006 وافتتحها الشاعر محمود درويش، غائباً عن إدراك أنّ خوض تجربة مغايرة في الغناء يعني معاندة التيار، بل قرر أن يفعل ذلك مراهناً على ذائقة مختلفة تنشد البحث عن معانٍ جديدة تتجاوز السائد والمألوف. وعن ذلك يقول زرقان لـ"إندبندنت عربية": " في مشروعي الموسيقي والغنائي أواصل الاشتغال على العلاقة بين الكلمة والصوت، وعلى إمكانية أن تصبح الموسيقى فضاءً آخر للنص، لا مجرد إطار له"، وبالتالي "عندما أشتغل على نص صوفي أو على نص حداثي، لا أتعامل معه بوصفه قطعة أدبية مغلقة، وإنما بوصفه كائناً قابلاً لأن يعيش من جديد، لذلك أحب فكرة أنسنة النص، وأن أنقل النص الصوفي من موقعه التاريخي، إلى فضاء الإنسان المعاصر، وأن أتعامل مع التجربة الروحية باعتبارها تجربة بشرية في الحب والخوف والفقد والرغبة في الحرية والبحث عن المعنى".
جدارية محمود درويش
بالإضافة إلى تلحينه وغنائه قصائد لشعراء متصوفة، قدم زرقان تجارب معاصرة، إذ غامر في تحويل جدارية محمود درويش إلى مغناة جسد من خلالها معاني الاقتلاع والتوتر الوجودي والتحديق في النهايات التراجيدية، فالجدارية كما يقول زرقان "نص شعري شديد الحداثة، لكنه يذهب عميقاً في أسئلة الموت والحياة والغياب والوجود والحب، وهي أسئلة تضعها في حوار خفي مع تجارب شعرية وروحية أقدم، وخصوصاً تجربة الحلاج وبعض كبار المتصوفة كعمر ابن الفارض وابن عربي، وقصائد معاصرة لشعراء مثل طاهر رياض وأحمد الشهاوي، وهاني نديم، وسواهم".
ولا يفرض "الغناء الملتزم" أن يتحول الفنان إلى سياسي يهتف بالشعارات، فالالتزام في نظر صاحب ألبومات "طير لا تطير" و"حالي أنت" و"لا أحد"، يبدأ من "احترام الإنسان، ومن الدفاع عن حريته وكرامته وأسئلته، ومن مقاومة تحويل الفن إلى خطاب جاهز، لهذا أجد أنّ القصيدة ذات الأنفاس الصوفية تستطيع أن تكون جزءاً من هذا الغناء، لأنها تفتح باباً إلى الداخل، إلى الإنسان الفرد وهشاشته".
وكانت أمسية دار الأوبرا بدمشق بقيادة المايسترو اللبناني أندريه الحاج اختباراً لعمق التشارك الوجداني بين المغني والجمهور، وهو اختبار كان واجهه زرقان في المهرجانات التي أحياها في الشرق والغرب، وآل إلى نتيجة مفادها انحياز الجمهور، في جلّه، إلى ما يوقر ذائقته، وهذا يضمر شكلاً للمقاومة في أكثر تعبيراتها سمواً.
الأغنية منصة للتشافي
استعادة المناخات الصوفية في الأغنية المعاصرة يفك ارتباطها بالمرجعية الدينية بمعناها التشريعي الإلزامي، وينقلها إلى أفق إنساني تصبح فيه الأغنية مرهماً وبلسماً ومنصة للتشافي، وهو ما امتحنه المغني البريطاني من أصول أذرية سامي يوسف خلال فترة تفشي وباء كوفيد - 19، وكتب آنذاك على حسابه في "فيسبوك": عندما يكون معظم العالم في عزلة وحجر صحي، أقدم لكم الأغاني التي تدعو إلى اكتشاف ذواتنا الحقيقية والتواصل مع بعضنا. آمل أن يجلب الشعر الصوفي والموسيقى بعض الضوء إلى حياتكم في هذه الأيام المظلمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الغناء الصوفي الذي يتم استحضاره في الحضرات والموالد والمناسبات الاجتماعية والروحية، ليس هدفه الدروشة ولا تخدير الحواس ولا التحليق في أكوان ميتافيزيقية، بل تنقية الإنسان من شوائب الحياة المعاصرة وأثقالها، ومنحه فرصة للتحديق في بئره المعتمة.
بهذا المعنى تتجلى تجربة بشار زرقان باعتبارها عكس التيار، لكنّ الأهم أنها تبني، فوق معمار متين، قيم التواصل بمعناه الإنساني الرحب الذي يرى في الحب وصالاً لا ينتهي امتثالاً لمقولة ابن عربي "كل شوق يسكن باللقاء، لا يُعول عليه"، كما أنّ التجربة تقيم جسراً بين الزمان الغابر والحاضر المُغبرّ لتعبر فوقه روح معاصرة تصهل بالتجربة الوجودية الحارقة، وهو ما تجسده قصيدة الشاعر طاهر رياض "حلاج الوقت"، ولعلها من أجمل ما غناه زرقان: "حسب الواجد إفراد الواحد له، حسب العاشق تلويح المعشوق دلالاً، وأنا حسبي أنّي ولدتني كل نساء الأرض، وأنّ امرأتي لا تلدُ".
ضرورة التعاون مع ملحنين جدد
ما يميز تجربة الفنان السوري أن أغانيه تعكس مروحة واسعة من الاختيارات التي لا تحبس نفسها بالمعنى الحرفي للغناء الصوفي، وهذا أمر يوسع الحديقة الجمالية ويبقيها مفتوحة على الخضرة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة التعاون بين زرقان والشاعر المصري أحمد فؤاد نجم التي أثمرت أغاني عاطفية محتشدة بآلام الفراق والسهاد والوحدة والشوق، كما في أغنية "وحدِك وأنا وحدي".
ومن شأن تواصل زرقان مع ملحنين منفتحين على الغناء العاطفي ذي السمات الروحانية أن يجدد روح هذه التجربة التي تعد علامة بارزة في الغناء العربي. ولعل هذا ما يتبلور في المشاريع المقبلة التي أبلغ بها زرقان "اندبندنت عربية": "أعمل الآن على نصوص جديدة من بينها نص شعري للشاعر باسم القاسم، وأحضّر أيضاً لمسرحية شعرية غنائية جديدة".