ملخص
نحن كنا وما زلنا أسرى لخدعة بصرية عمرها 450 عاماً، زرعها رسام خرائط لم يكن يقصد خداعنا إنما أراد حل معضلة جغرافية قديمة.
أتساءلت يوماً لماذا يحكم في لاوعينا مفهوم مفاده بأن معظم الدول التي تقع في الشمال على الخرائط المستخدمة حول العالم متقدمة وقوية بمعظمها، وتلك الواقعة في ما اصطلح عليه الجنوب تنوء بحروب ومجاعات ومشكلات تجعلها أدنى من الشمال وتابعة لها؟ وإذا دققت في الخريطة أكثر، فهل لاحظت أن مساحة جزيرة غرينلاند تساوي أو تزيد في بعض الأحيان على مساحة قارة بكاملها تسمى أفريقيا، ولماذا، إذا كانت حقاً المساحة نفسها، لم تعتبر الجزيرة قارة بحد ذاتها؟
خدعة بصرية
في البداية لنستدعي ذاكرتنا التي حفر فيها تصوير خريطة العالم، ولنحدد أين يقع بلدنا وكم يبدو حجمه مقارنة بغيره من البلدان. ومهما كانت إجابتنا صحيحة فهناك احتمال أكبر أن تكون خاطئة، وللجواب عن سؤال لماذا؟ فنحن كنا وما زلنا أسرى لخدعة بصرية عمرها 450 عاماً، زرعها رسام خرائط لم يكن يقصد خداعنا إنما أراد حل معضلة جغرافية قديمة. ففي عام 1569، وقف الجغرافي الألماني جيراردوس ميركاتور أمام سؤال يدور حول كيف يمكن تمثيل الكرة الأرضية على سطح مستو، من دون أن يضل البحارة طريقهم في المحيط. لم يكن ميركاتور يسعى إلى رسم الحقيقة، بل إلى رسم طريق ملاحة بحرية يرشد من خلالها كل بحار في القرن الـ16 إلى وجهة سفينته، وهكذا ولد إسقاطه الشهير، الذي صارت معه غرينلاند بحجم أفريقيا، وأوروبا في مركز مهيب والعالم مجرد أطراف تخدم الملاح الأوروبي. ولكن بعد خمسة قرون لم تعد تلك الخريطة أداة في جيوب البحارة، بل استقرت على جدران الفصول الدراسية وفي أدمغة الأجيال، حاملة معها تشوهاتها البصرية كحقائق مقدسة. فقد تسللت هذه الخرائط بهدوء من قمرة القيادة إلى العقل الجمعي، لتشكل إدراكنا المكاني وثقتنا بأنفسنا ونظرتنا للآخر. وما بدأ كحل تقني انتهى كسجن إدراكي ومعضلة أخلاقية، فرد لها علماء النفس مساحة للغوص فيها.
عيب الإسقاط
تعد الخرائط من أقدم الآثار النصية التي صنعها الإنسان، إذ يعود تاريخها لما يقارب 7 آلاف قبل الميلاد، أي قبل اختراع الكتابة بآلاف السنين. لكن الخرائط التي وضعها رسامو الخرائط الأوائل لم تكن خرائط عملية للملاحة، بل كانت كبيرة الحجم، يصل عرضها أحياناً إلى أقدام عدة، ومصممة للعرض على الجدران الفسيحة في غرف الأثرياء والمشاهير. ومنذ أواخر العصور الوسطى، كان هناك تقليد عريق في رسم الخرائط بين الملاحين الذين كانت حياتهم تعتمد على فائدة خرائطهم ودقتها. وسميت هذه الخرائط الملاحية "خرائط الموانئ"، التي احتوت على حزم من الخطوط المستقيمة التي تمثل مسارات ذات اتجاه مغناطيسي ثابت، أي أن الزاوية بين إبرة البوصلة واتجاه السفينة ظلت ثابتة. ودعيت هذه الخطوط لاحقاً بخطوط الرومب، وهي التي سمحت للسفن بالإبحار بين نقطتين معروفتين خارج نطاق رؤية اليابسة. وهو ما استند إليه ميركاتور، إذ يطلق على إسقاطه اليوم اسم الخريطة المطابقة، أي أن جميع الزوايا بين الخطوط المتقاطعة على الكرة الأرضية محفوظة في الإسقاط المستوي، مما يفسر خطوط الطول والعرض والخطوط المستقيمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتميز إسقاط مركاتور بميزة مطابقة الأبعاد، ولكنه يعاني أيضاً عيباً يتمثل في تزايد حجم الكتل الأرضية، مع ازدياد خط العرض مقارنة بحجمها الحقيقي على الخريطة. لذا تبدو جزيرة غرينلاند بحجم أفريقيا على إسقاط مركاتور، بينما هي في الواقع بحجم ولاية تكساس تقريباً، كذلك تبلغ مساحة أفريقيا 14 ضعفاً من الجزيرة، أما شبه الجزيرة العربية التي تبلغ مساحتها نحو 3.2 مليون كيلومتر مربع، فتصور بحجم مماثل لحجم البرازيل، البالغة مساحتها 8.36 مليون كيلومتر مربع. وقد اعتبرت الأحجام المبالغ فيها للدول الواقعة في خطوط العرض العليا مثل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، مقارنة بالدول الاستوائية القريبة من خط الاستواء، بمثابة خلق تحيز نفسي غير عادل لصالح دول العالم المتقدم على حساب دول العالم الثالث.
تشويه الوعي
هناك جوانب أخلاقية رئيسة تتعلق باستخدام إسقاط مركاتور، أولهما أن شيوع هذا الإسقاط يؤثر لا شعورياً في نظرة الفرد للعالم. ويعتقد علماء النفس أن البشر يربطون فطرياً بين الحجم والأهمية، وهو ما يحدث تشويه للإدراك البصري للعالم أو اللاوعي المكاني، إذ إن العقل الباطن يربط بين الحجم والأهمية، فعندما نرى منذ طفولتنا خريطة فيها أوروبا والاتحاد الروسي وأميركا الشمالية متضخمتين في الأعلى، وأفريقيا ودول العالم الثالث وأميركا الجنوبية في الأسفل، تتكون لدينا معادلة ضمنية تقول الشمال كبير ومتقدم ومهم، والجنوب صغير وهامشي وأقل أهمية. وهذا التشويه ليس بصرياً فقط، بل هو معرفي يزرع بذور مركزية شمالية في صميم إدراكنا للمحيط حولنا.
إذ إن ميركاتور نفسه وضع خط الاستواء في المنتصف، لكن الإصدارات اللاحقة والاستخدام الثقافي حول أوروبا للمركز محاطة ببقية القارات التي تبدو كأطراف. وهذا الترتيب جعل خريطة العالم نتاج اختيارات سياسية وثقافية، فرسخت هذه النظرة فكرة أن هناك مركزاً حضارياً وأطرافاً نامية أو بدائية، مما خدم السرديات الاستعمارية بامتياز. لذلك عندما يرى مواطن أوروبي أو أميركي شمالي خريطة ميركاتور، فهو يرى وطنه أكبر بكثير من حجمه الحقيقي، مما يخلق شعوراً لا واعياً بالعظمة والأهمية. في المقابل، عندما يرى مواطن من أفريقيا أو أميركا الجنوبية وطنه منكمشاً، هذا يزرع فيه إحساساً بالضآلة والدونية. ولكن لم يقتصر الموضوع على الحجم فقط بل الاتجاه كذلك، ففكرة أن الشمال في الأعلى ليست قانوناً طبيعياً، بل مجرد عرف بشري، إذ إن خرائط العصور الوسطى الإسلامية كانت تضع الجنوب في الأعلى كخريطة الإدريسي، والصينية كانت تضع الشرق. لذلك يعتبر تثبيت الشمال في الأعلى في الوعي الجمعي عبر خريطة ميركاتور قد خلق تسلسلاً هرمياً، وهو صعود للأعلى نحو الشمال المتقدم، وهبوط للأسفل نحو الجنوب المتخلف.
تصحيح الخريطة
إن رسم سطح الأرض ثلاثي الأبعاد على صفحة ثنائية الأبعاد سيؤدي حتماً إلى تشوهات، وقد طورت على مر السنين خرائط قليلة لمعالجة هذه التشوهات وتصحيحها بطريقة مباشرة، مثل إسقاط بيترز وإسقاط روبنسون، وكلاهما يعاني أيضاً بعض التشوهات الشكلية. وعلى رغم ذلك، نجح إسقاط الأرض المتساوية الذي نشر في عام 2018 بتصوير الدول النامية في المناطق الاستوائية والدول المتقدمة في الشمال، بأحجام متناسبة بصورة صحيحة وبطريقة جذابة بصرياً. ووفقاً للعلماء المساهمين، تعد هذه الخريطة الجديدة عملاً إنسانياً وإسقاطاً علمياً متوازناً في آن واحد.
إضافة إلى تساوي المساحة، يتوافق إسقاط الأرض المتساوية مع رسالة شبكات النشطاء الدوليين في تعزيز العدالة والنزاهة في العلوم الاجتماعية حول العالم. على سبيل المثال، تطالب منظمة "تصحيح الخريطة"، التي وقع أكثر من 3700 شخص على موقعها الإلكتروني، الأمم المتحدة وهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) باعتماد إسقاط الأرض المتساوية في بياناتهما وتقاريرهما وموادهما التي تتضمن خرائط العالم. وحتى الآن، لا تستخدم أي من المنظمتين إسقاطاً رسمياً للخرائط. ووفقاً لشبكة الأمم المتحدة الجغرافية المكانية، تستخدم الأمم المتحدة إسقاط روبنسون في غالب الأحيان نظراً إلى تناسبه وعدالته.
لذا، فأهم ما يميز حملة "تصحيح الخريطة" ليس فقط تصحيح التشوهات، بل البعد التعليمي الأوسع. فدمج إسقاط "الأرض المتساوية" في المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم سيمكن الطلاب من رؤية عالمهم المشترك بأبعاده الحقيقية، إذ يرى متخصصون أن الاستمرار في استخدام خريطة ميركاتور يعزز تاريخ وإرث استغلال وتهميش دول الجنوب العالمي.