ملخص
ثمة قوانين فرضت على المضائق والقنوات لكنها ليست بمنأى عن "التسييس" في أوقات الأزمات والحروب
على رغم اتساع البحار والمحيطات، يعتمد العالم اليوم على عدد محدود من الممرات البحرية الضيقة التي تتحكم في جزء كبير من حركة التجارة العالمية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80 في المئة من السلع تُنقل بحراً، مما يجعل أي اضطراب في هذه الممرات مؤثراً بصورة مباشرة على الاقتصاد الدولي، كما يحدث حالياً في مضيق هرمز، الذي بات أداة ضغط سياسي. ومع أي تهديد بإغلاقه، تختنق دول في الشرق والغرب نظراً إلى أهميته.
ويعيدنا مضيق هرمز، الذي بات حديث العالم، إلى الأنظمة والقواعد التي تحكم عبور السفن، والتي تقوم على نظامين رئيسين، أولهما المرور العابر في المضايق الطبيعية، وثانيهما حرية الملاحة في القنوات والممرات الصناعية. وقد تشكل هذان النظامان عبر التاريخ نتيجة التنافس بين الدول على طرق التجارة، قبل أن يثبتا قانونياً ضمن اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار.
المرور العابر
في المضايق الطبيعية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، يقوم نظام "المرور العابر" على مبدأ بسيط، وهو أنه لا يحق لأي دولة إغلاق الممر أمام السفن الدولية، حتى وإن كانت تسيطر على السواحل المحيطة به. وهذا يعني أن السفن تستطيع العبور بصورة مستمرة دون تعطيل، لأن هذه المضايق تعد شرايين حيوية للتجارة العالمية.
لكن هذا النظام على رغم وضوحه ليس محصناً بالكامل، إذ أظهرت النزاعات أن الحروب والخصومات قد تعرقل الملاحة.
وليس ذلك بجديد، فقد حدث خلال الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استهدفت ناقلات النفط، كما يتكرر في البحر الأحمر مع تصاعد التهديدات الأمنية. وتوضح هذه الأمثلة أن القواعد القانونية لا تمنع دائماً الأخطار على أرض الواقع.
ومع تزايد النزاعات، برزت الحاجة إلى تنظيم هذه الممرات، فجاء اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) لتكرس مبدأي المرور العابر وحرية الملاحة.
وتشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، لا سيما تقرير Review of Maritime Transport، إلى أن أكثر من 80 في المئة من التجارة العالمية تُنقل بحراً، وتؤكد دراسات المنظمة البحرية الدولية (IMO) أهمية هذه القواعد في ضمان انسيابية التجارة وتقليل الأخطار الجيوسياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا السياق، لا تتساوى الممرات البحرية من حيث الكلفة، ففي القنوات الصناعية تدفع السفن رسوم عبور مباشرة قد تراوح ما بين عشرات آلاف الدولارات ومئات الآلاف، بل وقد تتجاوز ذلك في حال السفن العملاقة أو مع رسوم الحجز والخدمات، وفق بيانات هيئة قناة السويس وهيئة قناة بنما.
لا رسوم في المضايق
أما في المضايق الدولية، فالأصل ألا تفرض رسوم على مجرد العبور، وفق اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار، مع إمكانية وجود كلف مرتبطة بالخدمات أو السلامة أو الأخطار الجيوسياسية.
وعلى رغم ذلك لا يخلو هذا النظام من محاولات التسييس، إذ ظهرت مقترحات لفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز كأداة ضغط جيوسياسي، تناولتها تحليلات في صحف دولية مثل "فايننشال تايمز" و"الإيكونوميست". وأشارت تقارير إلى احتمال فرض رسوم مرتفعة قد تصل إلى ملايين الدولارات لبعض السفن، في سياق مرتبط بأمن الطاقة العالمي، مما يعكس كيف يمكن أن يتحول الممر من فضاء قانوني مفتوح إلى ورقة نفوذ سياسي.
القنوات الصناعية
أما القنوات الصناعية، فتعمل ضمن نظام مختلف يقوم على السيادة المباشرة. فقناة السويس وقناة بنما ليستا من الممرات الطبيعية، بل تعدان مشروعين أنشأهما الإنسان، بالتالي تخضعان لسيطرة الدول التي تديرهما.
وتمتلك مصر سلطة تنظيم الملاحة في قناة السويس من حيث الرسوم والإجراءات، كما تتحكم بنما في إدارة قناتها وفق نظام تسعير متدرج يعتمد على حجم السفينة وأولوية العبور.
ومع ذلك، فإن هذه السيادة ليست مطلقة، إذ تفرض الاتفاقات الدولية التزاماً بإبقاء هذه الممرات مفتوحة أمام التجارة العالمية.
وكشفت الأحداث أن القنوات قد تتعرض أيضاً لأزمات، كما حدث عام 2021 عند جنوح سفينة "إيفر غيفن" وتعطل قناة السويس موقتاً، مما سبب أزمة في سلاسل الإمداد، إضافة إلى تأثير الجفاف في قناة بنما على قدرتها التشغيلية.
وتوجد عشرات المضايق حول العالم، من أبرزها مضيق ملقا في آسيا، ومضيق جبل طارق الرابط بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، إضافة إلى مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يشكلان بوابة البحر الأسود. أما القنوات الصناعية، فعلى رغم كثرتها تبقى القنوات ذات التأثير العالمي محدودة، وتتقدمها قناتا السويس وبنما، إلى جانب ممرات أقل تأثيراً مثل قناتي كيل وكورنث.
ولا يكمن الفارق بين النظامين في القانون فحسب بل في طبيعة السيطرة، ففي المضايق تكون السيطرة موزعة وغير مكتملة مما يجعلها عرضة للتوترات السياسية والعسكرية، بينما في القنوات تكون مركزية وواضحة لكنها مقيدة بالمسؤولية الدولية. وفي الحالتين، يكشف هذا الواقع أن حركة التجارة العالمية تعتمد على ممرات ضيقة شديدة الحساسية، إذ يكفي أي اضطراب سواء كان سياسياً أو تقنياً لإحداث تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي.