ملخص
تماماً كما فعلت شخصيات Offshore حين اخترعت طقوسها الصغيرة لمقاومة العزلة، يحاول بحارة هرمز اليوم الاحتيال على الخوف بالطريقة نفسها. تقارير "فايننشال تايمز" تتحدث عن جلسات "كاريوكي" جماعية على ظهر السفن، وعن حفلات شواء متواضعة في عطلات نهاية الأسبوع، وعن بحارة يغنون ليلاً فقط كي لا يسمعوا أصوات القلق داخل رؤوسهم.
في عام 1979، بينما كان العالم يراقب بدهشة صعود روح الله الخميني للسلطة في إيران، وما يحمله ذلك من تحولات هائلة في الشرق الأوسط وأسواق النفط والسياسة الدولية، كانت الكاتبة البريطانية بينيولوبي فيتزجيرالد تكتب عن عالم يبدو، للوهلة الأولى، بعيداً تماماً من تلك الزلازل السياسية.
روايتها Offshore، الفائزة بجائزة بوكر في العام ذاته، لم تتناول رؤساء أو ثورات أو حروباً، بل حياة مجموعة من المهمشين الذين يعيشون فوق قوارب راسية في نهر التايمز، بشر يتأرجحون بين اليابسة والماء، لا ينتمون تماماً إلى المدينة ولا إلى البحر، ويعيشون في مساحة رمادية بين الاستقرار والانجراف.
كانت فيتزجيرالد ترى أن سكان القوارب هؤلاء ليسوا مجرد فقراء أو غريبي أطوار، بل استعارة لبشر فقدوا يقينهم بالعالم الحديث. في الرواية، تبدو القوارب كأنها كائنات متعبة تتنفس بصعوبة، تتسرب المياه إلى أخشابها القديمة كما تتسرب الخسارات الصغيرة إلى أرواح سكانها. الجميع هناك يعيشون حالة انتظار طويلة: انتظار عمل، أو حب، أو فرصة للهرب، أو حتى مجرد يوم لا ينهار فيه القارب. لم يكن البحر في Offshore فضاء للمغامرة، بل مساحة هشة للحياة الموقتة، حياة يمكن أن تجرفها موجة واحدة أو قرار إداري من بلدية لندن.
حيل المقاومة
بعد نحو نصف قرن، يعود المشهد نفسه بصورة أكثر قسوة في مضيق هرمز. فهناك، وسط الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، يعيش نحو 20 ألف بحار حالة تشبه إلى حد كبير عالم فيتزجيرالد القديم. إنهم أيضاً "سكان قوارب عائمة"، لكن قواربهم هذه المرة ليست راسية بهدوء على ضفاف التايمز، بل محاصرة وسط واحد من أكثر الممرات المائية توتراً في العالم. لا يستطيعون المغادرة، ولا الرسو، ولا حتى أحياناً تحديد مواقعهم بسبب التشويش على أنظمة الملاحة. بعض السفن انجرفت في المياه العميقة حتى عاد البحارة لاستخدام "آلة السدس" القديمة والخرائط الورقية، كأن الحداثة نفسها تعطلت فجأة تحت ضغط الحرب.
وتماماً كما فعلت شخصيات Offshore حين اخترعت طقوسها الصغيرة لمقاومة العزلة، يحاول بحارة هرمز اليوم الاحتيال على الخوف بالطريقة نفسها. تقارير "فايننشال تايمز" تتحدث عن جلسات "كاريوكي" جماعية على ظهر السفن، وعن حفلات شواء متواضعة في عطلات نهاية الأسبوع، وعن بحارة يغنون ليلاً فقط كي لا يسمعوا أصوات القلق داخل رؤوسهم. في رواية فيتزجيرالد، كان الضحك وسيلة للتعايش مع الهشاشة، واليوم يبدو الغناء فوق سفن هرمز محاولة مشابهة لتأجيل الانهيار النفسي ولو لساعات قليلة.
الرواية قصة واقعية
ما جعل الرواية أقرب للحالة الإنسانية التي يعيشها العالقون في مضيق هرمز اليوم، هو السر الذي باحت به الروائية لاحقاً، وكشف عنه المدون من مدينتها ديف ووكر لدى تناوله الرواية وتجسيدها بالصور الفوتوغرافية الفعلية لتلك القوارب، قائلاً "الرواية ليست خيالاً بحتاً، فهي مستوحاة من تجربة شخصية مريرة عاشتها الكاتبة نفسها في أوائل الستينيات".
ويكشف عن أن التقاطع بين أبطال الرواية وقصة الكاتبة الحقيقية كان لافتاً، فبطلة الرواية "نينا جيمس" تعيش مع ابنتيها (مارثا وتيلدا) في قارب خيالي يدعى "غريس"، وهو الاسم الحقيقي ذاته للقارب السكني الذي قطنته الكاتبة في أوائل الستينيات مع ابنتيها وزوجها الذي كانت على خلاف معه، في فترة عانت فيها من الفقر. وتتطابق الرواية مع الواقع في جعل هذه البيوت العائمة بمثابة "ملاذ كئيب" يعكس حياة التشتت والعزلة الأسرية، حتى أن زوج البطلة يعيش بعيداً منها في منطقة نائية بلندن.
لكن ما يجعل المفارقة أكثر عمقاً أن رواية Offshore نفسها ولدت في لحظة تاريخية كانت المنطقة تعيد تشكيل نفسها، ففي العام الذي انشغل فيه العالم بالثورة الإيرانية وأزمة الرهائن وتقلبات النفط، اختارت فيتزجيرالد أن تكتب عن بشر لا يراهم أحد. وبعد كل هذه العقود، يعود الخليج ذاته ليعيد إنتاج القصة نفسها: رجال عالقون فوق الماء، يدفعون ثمن صراعات لا يملكون فيها قراراً ولا صوتاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كان أبطال Offshore يعيشون دائماً على حافة الاختفاء، لا المجتمع يعترف بهم تماماً، ولا القانون يمنحهم استقراراً حقيقياً. وهذا بالضبط ما يواجهه بحارة هرمز اليوم. بعضهم فقد الغطاء التأميني لسفينته بعدما انسحبت شركات الشحن من تغطية الرحلات في المنطقة، وبعضهم لم يتقاض رواتبه منذ أشهر، فيما لا يستطيع كثيرون حتى التواصل مع عائلاتهم بسبب ضعف الإنترنت أو انقطاعه. إنهم موجودون في قلب الاقتصاد العالمي، لكنهم في الوقت نفسه غير مرئيين تقريباً، مثل عمال خلف الستار لا يتذكرهم أحد إلا عندما تتعطل التجارة أو ترتفع أسعار النفط.
وربما كانت هذه هي الفكرة الأعمق التي رصدتها فيتزجيرالد مبكراً: أن العالم الحديث يقوم على أكتاف بشر يعيشون دائماً في الظل، ففي Offshore كان سكان القوارب يحملون عبء مدينة لا تعترف بهم. وفي هرمز اليوم، يحمل البحارة على ظهورهم نحو 90 في المئة من السلع التي يستخدمها العالم، من الوقود إلى الهواتف والقمح والأدوية، ومع ذلك يجدون أنفسهم محاصرين بين الصواريخ والسياسة وشركات التأمين.
استعارة عن حالة الإنسان المعاصر
ولهذا تقول دار "نادي الكتاب" السعودية التي أخرجت ترجمة الرواية إلى العربية أخيراً تحت عنوان مقارب، هو "سكان القوارب العائمة"، إن الكاتبة لم تستهدف تناول قصة عابرة لأناس يعيشون على الماء، وإنها أرادت تمرير "استعارة بليغة عن حالة الإنسان المعاصر: الذي يعيش في حالة من عدم الاستقرار، والتأرجح بين الأمان والخطر، والانتماء والاغتراب".
فالروائية في تقدير المترجم، صورت مجتمعاً صغيراً "من المنبوذين والحالمين والهاربين، كل منهم يبحث عن معنى للحياة في عالم يبدو وكأنه ينساهم"، فهي إذاً أبرزت معنى "الصمود والكرامة الإنسانية وسط الظروف الصعبة، وعن الجمال الذي يمكن أن نجده في أبسط اللحظات وأكثرها هشاشة".
إذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى نحو هرمز، فإن لغة الوصف قبل المغزى تكاد تكون واحدة. ففي رواية فيتزجيرالد، تبدو الشخصيات وكأنها "منجرفة مع التيار"، تعيش حياة موقتة لا تملك السيطرة عليها. واليوم يستخدم البحارة في هرمز الكلمة ذاتها: "انجرفنا"، كتب أحدهم في رسالة حصلت عليها "فايننشال تايمز": "كنا في طريقنا إلى الميناء، لكننا انجرفنا في وقت مبكر من الصباح، لا أخبار حتى الآن"، في إشارة إلى أنهم يواجهون مصيرهم في المياه العميقة بعيداً من الضحلة التي تمهد للرسو الآمن على أرصفة الموانئ. تبدو الجملة كأنها مقتبسة من الرواية نفسها، لا من حرب في القرن الـ21.
كانت الرواية صورت معنى الحياة على الهامش، لأناس يتأرجحون فوق قوارب متهالكة في نهر "التايمز"، تحاصرهم العزلة والضباب والمد والجزر، كما لو أنهم يعيشون خارج الزمن واليابسة معاً. وبعد عقود، يبدو أن بحارة مضيق هرمز يعيدون كتابة الرواية نفسها أو بعضاً من فصولها المنقوصة في الناحية المقابلة من العالم، لكن وسط حرب حقيقية وليست استعارة أدبية، إذ تحولت السفن من وسيلة رزق إلى سجون عائمة بين الصواريخ والخوف والانتظار الطويل.
البحار المحظوظ
تلك حالة قربها قبطان تحدث إلى "اندبندنت عربية" يعد نفسه من المحظوظين، لأن سفينته حتى الآن ترسو على البحر الأحمر بعيداً من مضيق هرمز، وتحمل طابعاً إغاثياً أقل مخاطرة من ناقلات البضائع والنفط، لكنه يشارك زملاؤه البحارة الهواجس نفسها.
ويقول "البحارة يشعرون بأن أي تهديد للبحر هو تهديد مباشر لحياتهم، لأن البحر هو حياتنا، نحن نقضي معظم أعمارنا فيه". ويوضح أن الخطر لا يتعلق فقط بالصواريخ أو الحرب وحسب، بل أكثر من ذلك تجميد حياة الناس كما لو أنهم محنطين في البحر، ينتظرون المجهول"، مضيفاً أن "من يركب البحر وحده يعرف قيمة الحياة، ارفعوا نخبها".
وتابع "حياة السفن عالم مختلف تماماً عن اليابسة، البحارة يعيشون أشهراً طويلة فوق متن السفينة كما لو كانوا سجناء. لا يستطيعون المغادرة حتى نهاية عقودهم، واليوم حتى من انتهت عقودهم لا يغادرون، في انتظار صفقة هنا أو بارقة أمل هناك".
الرابط بين عالم فيتزجيرالد وبحارة هرمز يكمن في التفاصيل الصغيرة القاسية، ففي الرواية كان انحسار المد يعزل سكان القوارب ويغرقهم في الطين، بينما يواجه البحارة اليوم نقص الغذاء والإنترنت والأمان في واحد من أكثر الممرات توتراً في العالم. وكما انتهت الرواية بعاصفة اقتلعت القوارب من مراسيها، تبدو سفن هرمز اليوم أيضاً بلا مرسى سياسي يحميها، عالقة بين صراع القوى الكبرى ومصير مجهول.
في الحالتين، يبقى أبطال القصة هم أولئك البشر المنسيون فوق الماء، أشخاص يحملون أعباء العالم اليومية، لكنهم يظلون آخر من يلتفت إليهم العالم حين تهب العواصف.
وقد قال لي بحار سعودي سابق، فضل عدم ذكر اسمه، إنه "مهما يكن الأمان في البحر، لا يستطيع المرء تصور الأخطار المحدقة به، خصوصاً إن كان رب أسرة، يفكر ألف مرة في عائلته قبل مرة في نفسه".
ويضيف "كان الله في عون زملائنا الحاليين، الحافز الأكبر لهم خدمة وطنهم، واستشعارهم الدور المناط بهم، فلئن كانت الأزمة الراهنة قاسية عليهم، فإنها كذلك أظهرت كم أن دور البحار مصيري في حياة البشرية".
لن تختلف الروائية الإنجليزية مع خلاصة البحار السعودي على الأرجح، لو قدّر لها أن تعلق، فهي فضلاً عن كونها تنتمي إلى هذا العالم، فإن المحررة هيرمون لي، نقلت عنها القول "يجذبني الأشخاص الذين يبدو أنهم ولدوا مهزومين أو حتى تائهين".