Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السير السياسية في السينما ورحلة التنقيب عن الخفايا الشخصية

ابتكار مساحة الخيال تفرض نفسها على المخرج لحظة الاشتغال

السيرة تبقى من الأعمال الأدبية التي يتسرب إليها هاجس الخيال (بيكسباي)

ملخص

تحظى السير المكتوبة بمبيعات هائلة داخل أميركا وفرنسا وبريطانيا، بخاصة إذا كانت الشخصية المكتوب عنها مشهورة وتنتمي إلى عالم الفن أو السياسة أو المال.

يعثر المشاهد داخل الفيلموغرافيا الغربية على نماذج سينمائية كثيرة جعلت من السيرة أفقاً لبناء حكاية سينمائية تتلاقى فيها الحقيقة مع الخيال، ذلك أن السينما الهوليوودية تحبل بأفلام مذهلة راهنت جمالياً على مفهوم الأوتوبيوغرافيا المستند فكرياً إلى تجارب إنسانية من عوالم مختلفة تتصل بالفن والإعلام والسياسة والرياضة، حيث يروم المخرج إلى الكشف عن شخصية أيقونية أثرت بصورة كبيرة في المخيال الجمعي، بما يجعله يعيد نسج علاقة سينمائية مع هذه الشخصيات وطفولتها وتاريخها وذاكرتها. تستند السير الذاتية في الأساس إلى معلومات حقيقية، طالما شكلت أفقاً للعديد من الكتاب والأدباء الذين أعادوا، من خلال شخصيات معينة، رسم ملامح تجاربهم الإنسانية، حيث يكون الغرض من هذه المؤلفات تقديم دروس في الحياة.

فالسيرة، وإن استندت إلى وقائع حقيقية معاشة، تبقى من الأعمال الأدبية التي يتسرب إليها هاجس الخيال حتى لو كان عن طريق اللغة الواصفة. وتخلف السير المكتوبة عن نظيرتها المصورة، فهي تركز على التفاصيل والجزئيات والنتف الصغيرة التي تغذي شراهة القارئ، حيث تغدو الأشياء الصغيرة ذات قيمة كبيرة أكثر من المعلومات التي نعتقد أنها أكثر أهمية. أما في السينما فتخضع السيرة إلى نوع من الانتقائية بالنسبة للمخرج، لأن هذا الأخير لا يهمه السرد الرتيب الموجود بين ثنايا اللغة الأدبية، وإنما يبحث عن اللحظات المثيرة والمراحل الأكثر إشراقاً داخل السيرة الذاتية.

وتحظى السير المكتوبة بمبيعات هائلة داخل أميركا وفرنسا وبريطانيا، بخاصة إذا كانت الشخصية المكتوب عنها مشهورة وتنتمي إلى عالم الفن أو السياسة أو المال، إذ ترتفع شهية القارئ تجاه هذه السير من أجل قراءتها ومعرفة الطريق التي مرت منها شخصية البطل ليصل إلى نجاحاته. ونظراً إلى الطابع الواقعي الذي تتميز به السيرة الذاتية، فإن غالب المخرجين يحاولون، عبر هذه اليوميات والمذكرات، أن ينقلوا مسار الشخصيات إلى عالم الفن السابع، حيث لا تصبح حياتهم ملكاً لهم فقط، بل ملكاً لأشخاص آخرين يناقشون حياتهم وأفكارهم ومواقفهم عبر فعل التأويل.

السيرة... معطى واقعي وفعل مركب

إن السيرة معطى فيزيقي واقعي وليس متخيلاً، من هنا تكمن صعوبة الاشتغال على السيرة الذاتية سينمائياً. فهي تدعو المخرج السينمائي ومعه السيناريست إلى ضرورة البحث عن معلومات وبين خفايا تمثل "كبد الحقيقة"، لتكون السيرة ذات أثر واضح يحدد الأسباب التي جعلت المخرج يعمل عليها سينمائياً.

وتعد مرحلة الإعداد القبلي و"التوثيق" مرحلة بالغة الأهمية بالنسبة إلى السيناريست، من أجل جمع المعلومات والصور والوثائق ورصد الظلال المؤثرة في حياة البطل، والتقاط تفاصيلها وإعادة كتابتها وفق آلية فكرية تراهن على الحقيقة وتجعل منها النبراس الذي يضيء معالم الطريق بالنسبة للمخرج السينمائي. ويزداد الفيلم صعوبة إذا كانت الشخصية مشهورة جداً وما زالت حية وتحظى دائماً بآراء متباينة من المعجبين في مختلف العالم، بحيث يكون تكون مهمة المخرج صعبة، ويتوجّب عليه أن يكون عمله يشبه "القاضي" على مستوى فحص الوثائق والصور والحوارات، من خلال آلية دقيقة "تغربل" الأحداث وتركز على الأهم منها، بغية العثور على خيط مضيء. هو الذي يصبح عماد السيناريو ويشكل حكاية الفيلم، وتصبح معهما الأحداث والوقائع الأخرى مجرد ظلال عابرة في بنية الحكاية الأصل.

لكن على رغم الضغط الذي تمارسه السيرة الذاتية على المخرج، فقد نجحت السينما الغربية في "تخيل" الكثير من السير الذاتية التي لم يكن العالم يعرف عنها شيئاً، لكن بتحويلها إلى فيلم سينمائي تغدو شهيرة ومركزية في المتخيل الجماعي، كما هي الحال مع فيلم "أوبنهايمر" (2023) للمخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان، الذي حقق نجاحاً ساحقاً في تاريخ السينما الأميركية.

المثير في فيلم كريستوفر نولان أنه أعاد الاعتبار لهذا النمط من السينما الذي يندرج ضمن سينما التأليف، مقابل نماذج كثيرة حولت هوليوود إلى مختبر لإنتاج سينما تجارية تراهن في مجملها على الترفيه والاستهلاك. فالنجاح الذي حققه الفيلم المستند على حياة عالم الفيزياء النظرية روبرت أوبنهايمر، جعل المؤسسات الإنتاجية تؤمن بأهمية أفلام السيرة الذاتية والمكانة التي تحظى بها في قلوب المشاهدين.

جماليات التخيل

لكن يسجل المرء في هذه الأفلام كيف أن السير السياسية تغيب عن متخيل هذه الأفلام، إذ نعثر على نماذج قليلة وصعت الأفق السياسي لبعض الأفلام مثل "لينكون" (2012) للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ و"مانديلا... طريق طويل إلى الحرية" (2013) للمخرج جاستين شادويك و"غاندي" (1982) للمخرج ريتشارد أتنبره، وغيرها من الأفلام التي أعادت الاعتبار للسير السياسية وجعلت منها مادة للتخيل. وغالب هذه الأفلام رافقها ضجيج إعلامي وجدل نقدي، لأنها تكشف عن الوجه الحقيقي للمسار السياسي الذي طبع تجارب هذه الشخصيات.

وحتى لو كانت نية المخرج ترتكز على ضرورة نقل "الحقائق" ووقعت كأحداث تاريخية في مسار السيرة الذاتية، فإن الشكل السينمائي دائماً ما يجعل المادة فيها نوعاً من التخييل البصري. فالعقل البشري أمام الشاشة الكبيرة يكون مصاباً بنوع من السحر الذي يجعله لا ينقب عن الحقيقة والخيال في بنية العمل السينمائي. ذلك أن مصدر الجدل يكون هو "الواقعي" و"التخيلي" في الفيلم، فغالباً ما تطرح هذه الأفلام التي تكون ذات نبرة سياسية الكثير من الأسئلة، بين السياسيين الموالين لبعض الأفكار والمواقف والمعتقدات.

يبدأ نجاح فيلم السير السياسية انطلاقاً من الأثر الجمالي الذي يتركه الفيلم في ذائقة المشاهد، ذلك أن المخرج مطالب بضرورة الرهان على البعد الفني وتأسيس لغة جمالية تستند على دقة السيناريو وشعرية الصورة وفتنة الأداء. فهذه العناصر الفنية تظل بمثابة أساس فلسفي تتأسس عليه الصناعة السينمائية في العالم. إن ابتكار مساحة الخيال تفرض نفسها على المخرج لحظة الاشتغال على السيرة الذاتية، فهو معني بـ"المثير" و"المدهش" الذي ينبغي التركيز عليه لجذب انتباه المشاهدين، ومحاولة بناء مسار تخيلي للحكاية في علاقتها بالقصص الصغيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبمجرد نجاح المخرج في التقاط حكاية فيلمه، يؤثر ذلك جمالياً في مسار الفيلم، حيث يركز ببساطة على النفس السردي للسيرة ويجعلها تنساب هادئة في بنية العمل السينمائي، لكن في حالة ما ضاعت الحكاية بالنسبة للمخرج، فإن الفيلم يصبح لا محالة سلسلة من الصور والمَشاهد التي تكون أشبه بـ"أرشيف" بصري غير منظم، يجعل عين المُشاهد ترتبك ولا تحقق لنفسها أي متعة جمالية لحظة عرض الفيلم.

ينبغي أن نميز بين الأفلام السياسية وأفلام السير السياسية، فالأولى عامة تصبح فيها السينما وسيلة لخدمة الأيديولوجيا وتكون موضوعاتها ذات علاقة بقضايا سياسية تتعلق بالبرلمان أو البيت الأبيض أو الاستخبارات والتظاهرات والاحتجاجات. ويغلب على هذه الأفلام السياسية الطابع الاحتجاجي في بناء الصور والمَشاهد، حيث تصبح الأفلام ذات نبرة سينمائية تعلي من قيمة المواقف السياسية على حساب المعالجة البصرية. وتعد أفلام من قبيل "آرغو" (2012) لبين أفليك و"المرشح المنشوري" (2004) لجوناثان ديم و"زد" (1969) لكوستا غافراس ذلك أثر بالغ في الذاكرة السينيفيلية العالمية، بحكم ما تطرح من أسئلة سياسية عميقة تعيد الاعتبار لسلسلة من القضايا المنسية داخل الفضاء السياسي العام.

أما الثانية، فهي قليلة داخل السينما الغربية، لأنها أفلام تركز على عنصر السيرة الذاتية. فغالب السياسيين يتجنبون الأفلام والوثائقيات حول حياتهم، بخاصة حين يكون منسوب الفساد مرتفعاً، فهم يخافون على مصالحهم وصورتهم. فهناك أفلام وثائقية لا يهمها البعد الجمالي، بقدر ما تجعل مسار الفيلم يأخذ "نمطاً حفرياً"، حيث يصبح عمل المخرج شبيها بعمل الصحافي من ناحية البحث عن حقائق والكشف المخفي وتعرية المكبوت الذي طالما تسترت عليه بعض التجارب السياسية في علاقتها بتدبير الشأن العام. ويعد فيلم "المتدرب" (2024) للمخرج الإيراني علي عباسي من النماذج السينمائية المضيئة في هذا الصدد، الذي رصد سيرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصعوده في حياته المهنية كرجل أعمال، قبل أن يُعرّج على التمثيل ثم السياسة.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما