ملخص
لا تأتي قراءة التطورات الأخيرة في مالي بوصفها شأناً داخلياً منفصلاً، إنما باعتبارها عقدة مركزية في ثلاثة مسارات متشابكة: أولها إعادة تشكيل الأمن الإقليمي في غرب أفريقيا، وثانيها أزمة المنظومة الإقليمية التقليدية ممثلة في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وثالثها احتدام التنافس الدولي بين روسيا والغرب وقوى أخرى على المجال الساحلي الممتد من الأطلسي حتى البحر الأحمر
لم تعد مالي في ربيع 2026 مجرد دولة مأزومة في قلب الساحل الأفريقي، بل تحوّلت إلى مختبر مفتوح لاختبار حدود الدولة الوطنية، ومآلات الحكم العسكري، وجدوى الشراكات الأمنية البديلة، وأيضاً موقع غرب أفريقيا في خرائط التنافس الدولي الجديدة. فالهجمات الواسعة والمنسقة التي شهدتها البلاد في الأيام الأخيرة، التي استهدفت باماكو وكاتي وغاو وكيدال ومناطق أخرى، وأنتجت مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، لم تكن مجرد تطور أمني عابر، بل مثلت مؤشراً بالغ الدلالة على أن الأزمة المالية دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، إذ تلاقت التنظيمات المتطرفة مع حركات التمرد الطوارقية في عمليات مشتركة أربكت السلطة العسكرية وكشفت عن هشاشة ترتيباتها الأمنية، وكلها أمور تعرضتُ لها قبل عام تقريباً، إذ كان التقدير وقوع الدولة في يد تحالف ما بين الأزواد والتنظيمات المتطرفة.
على أية حال لا يمكن قراءة التطورات الأخيرة في مالي بوصفها شأناً داخلياً منفصلاً، إنما باعتبارها عقدة مركزية في ثلاثة مسارات متشابكة: أولها إعادة تشكيل الأمن الإقليمي في غرب أفريقيا، وثانيها أزمة المنظومة الإقليمية التقليدية ممثلة في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وثالثها احتدام التنافس الدولي بين روسيا والغرب وقوى أخرى على المجال الساحلي الممتد من الأطلسي حتى البحر الأحمر.
في هذا السياق لا بدّ من العودة إلى انقلابَي 2020 و2021 في مالي، حيث قدّم المجلس العسكري الحاكم بقيادة العقيد ثم الجنرال أسيمي غويتا نفسه بوصفه قوة إنقاذ وطني، تعِد باستعادة السيادة، وطرد الوصاية الخارجية، وإنهاء تمدد الجماعات المسلحة. وقد استند هذا الخطاب إلى حالة غضب شعبي تجاه فرنسا، فضلاً عن الإرهاق العام من فشل المقاربات الأمنية السابقة.
بعد خمس سنوات تقريباً، تبدو حصيلة الحكم العسكري أكثر التباساً. فبدلاً من انحسار العنف، تشير معظم التقديرات إلى استمرار تصاعد الهجمات، واتساع رقعة عدم الاستقرار، وتعاظم هشاشة الدولة خارج المراكز الحضرية الكبرى. فضلاً عن تقديرات حقوقية دولية تحدثت عن انتهاكات واسعة ارتكبتها القوات الحكومية وحلفاؤها من قوات الفيلق الأفريقي خلال عمليات مكافحة التمرد، بما فاقم الانقسامات المحلية وغذّى دوائر التجنيد المسلح، وهو الأمر الذي كان نتيجة طبيعة للمنظور الأمني الأحاد الذي عولجت به الأزمة، إذ جرى تجاهل أنها سياسية واجتماعية أساساً، وهي نتيجة تهميش الأطراف الشمالية والوسطى من البلاد بما ترتب عليه انهيار الثقة بين المركز والمجتمعات المحلية، وتراجع الخدمات العامة، وغياب التنمية. لذلك فإن أي مقاربة اختزلت الأزمة في البعد الأمني كانت مرشحة للفشل، مهما تغير الشريك الخارجي.
يمكن القول إن أهمية الهجمات الأخيرة لا تكمن فقط في حجمها، بل في رمزيتها. فاستهداف باماكو وكاتي، ومقتل ساديو كامارا وما يمثله منصبه من رمزية، حيث الثقل العسكري والسياسي للنظام، يعني أن الجماعات المسلحة باتت قادرة على اختراق المجال الذي كان يُنظر إليه بوصفه الأكثر تحصيناً، كذلك فإن عودة كيدال إلى دائرة الاشتباك الحاد تحمل دلالة خاصة، لأن السيطرة عليها كانت قد قدمت سابقاً باعتبارها إنجازاً استراتيجياً للسلطة.
الأخطر أن الهجمات كشفت عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بـ"القاعدة"، وبين تشكيلات طوارقية انفصالية. هذا التلاقي لا يعني بالضرورة وحدة أيديولوجية، لكنه يعكس براغماتية قتالية قائمة على العدو المشترك، أي السلطة المركزية وحلفائها. وهنا تتهاوى السردية الرسمية التي ربطت بين طرد القوات الغربية، وجلب شركاء جدد وبين تحقيق الاستقرار. فالنتيجة الميدانية تقول إن التهديد لم يتراجع، بل أعاد تنظيم نفسه، وطوّر تكتيكاته، ووسع جغرافيته.
لا يمكن عزل ما يحدث في مالي عن البيئة الإقليمية المحيطة. فالساحل وغرب أفريقيا يعيشان حالة سيولة أمنية ممتدة، إذ تتداخل الحدود الهشة، ومسارات التهريب، والهجرات القسرية، والنزاعات المجتمعية، والتنظيمات العابرة للدول. ومن ثمّ فإن تداعيات الأزمة المالية تتجلّى في عدة مستويات.
أول هذه المستويات هو انتقال العدوى الأمنية إلى الدول الساحلية في غرب أفريقيا، مثل بنين وتوغو وساحل العاج وغانا. ذلك أن التنظيمات المتمركزة في الساحل تسعى تدريجاً إلى التمدد جنوباً نحو الموانئ والأسواق ومناطق النفوذ الاقتصادي الحيوية. وإذا استمرت هشاشة مالي، فإنها ستظل قاعدة خلفية لهذا التوسع.
أما المستوى الثاني فهو الضغط على موريتانيا والجزائر والنيجر وبوركينا فاسو، سواء عبر النزوح أو التسلل المسلح أو اضطراب التجارة. وقد برزت بالفعل توترات سياسية وأمنية بين بعض دول الجوار ودول الساحل العسكرية، مع تبادل اتهامات بشأن دعم الإرهاب أو التساهل معه. ويتمثل المستوى الثالث في تقويض فكرة الأمن الجماعي الإقليمي. فحين تصبح الدولة المركزية في مالي غير قادرة على فرض الاستقرار، بينما المنظمات الإقليمية منقسمة، فإن النتيجة الطبيعية هي اتساع الفراغ الأمني.
في هذا السياق ربما كان أخطر تطوّر سياسي سابق للأحداث الأخيرة هو انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من إيكواس وتأسيس "تحالف دول الساحل". فهذا الانقسام لم يكن إجرائياً، بل عبّر عن تصدع في مفهوم الإقليم ذاته: هل تقوده نخب مدنية مرتبطة بالنفوذ الفرنسي، أم أن المستقبل بات للأنظمة العسكرية التي ترفع شعار السيادة ومناهضة الغرب؟
التطورات في مالي تظهر أن الانقسام الإقليمي يحمل تكلفة أمنية مرتفعة. فـ"إيكواس"، على رغم كل عيوبها، كانت تمثل إطاراً للوساطة والردع والتنسيق. أما اليوم، فإن غرب أفريقيا يواجه تهديدات مشتركة بمنظومات منفصلة، بل ومتخاصمة أحياناً.
وقد بدا في الأسابيع الأخيرة أن بعض العواصم الأفريقية تسعى لإعادة فتح قنوات تعاون وظيفي بين إيكواس وتحالف الساحل، لكن من دون نجاح حاسم حتى الآن. ذلك أنه منذ تراجع الحضور الفرنسي وخروج بعثة الأمم المتحدة، تحوّلت مالي إلى الساحة الأبرز للنفوذ الروسي في الساحل، عبر مجموعات فاغنر سابقاً ثم فيلق أفريقيا لاحقاً. وقدّمت موسكو نفسها بوصفها شريكاً لا يفرض شروطاً سياسية، ويركز على الحسم الأمني ودعم السيادة الوطنية.
غير أن التجربة المالية أصبحت اليوم اختباراً صعباً لهذا النموذج. فإذا كان معيار النجاح هو بقاء السلطة العسكرية وحماية المنشآت الحساسة، فقد تحقق بعض ذلك مرحلياً. أما إذا كان المعيار هو تقليص التهديد المسلح وبناء استقرار مستدام، فإن النتائج محدودة للغاية، في ضوء أن مالي تمثل أكبر انتشار روسي في الساحل، بالتالي فإن نجاحه أو إخفاقه ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها.
والأرجح هنا أن موسكو ستسعى في المرحلة المقبلة إلى تثبيت حضورها لا تقليصه، لأن التراجع سوف يُقرأ إخفاقاً استراتيجياً، خصوصاً في لحظة تنافس عالمي محتدم، فبعد خسارة فرنسا في مالي ليس فقط. بسبب الحملات الدعائية المضادة، بل أيضاً نتيجة تراكمات من الفشل العملياتي وسوء إدارة العلاقة مع الرأي العام المحلي. أما الاتحاد الأوروبي فقد وجد أن استثماراته الأمنية والتنموية السابقة لم تنتج مؤسسات قادرة على الصمود.
وربما تكون قيمة الهجمات الأخيرة على الصعيد الغربي أنها قد تدفع العواصم الغربية إلى مراجعة مقاربتها التاريخية، وتسعى نحو بلورة نموذج بديل. ومن ثمّ قد نشهد سياسة أكثر براغماتية، تقوم على دعم دول الساحل الساحلية، وتعزيز الاستخبارات الإقليمية، وتمويل التنمية المحلية، والانخراط غير المباشر بدل الانتشار العسكري المباشر.
لا بد من الانتباه هنا أنه بعيداً من الاستقطاب الروسي - الغربي، فإن هناك قوى أخرى تراقب المشهد في باماكو بوصفه فرصة ومخاطرة معاً. فالصين معنية بالمعادن والبنية التحتية والاستقرار التجاري. وتركيا توسّع حضورها الدفاعي والاقتصادي في أفريقيا الغربية. كذلك تتابع بعض دول الخليج المجال الساحلي من منظور الأمن الغذائي والاستثمار والممرات الجيوسياسية. هذه القوى لا تسعى غالباً إلى تحمّل أعباء مكافحة التمرد، لكنها قد تستفيد من إعادة تشكيل الأسواق والتحالفات، ما يجعل مالي جزءاً من منافسة أوسع على النفوذ الاقتصادي والسياسي.
وأمام هذه الأزمة المحتدمة في غرب أفريقيا فإنه أمامنا عدة سيناريوهات منها الاحتواء الأمني الموقت، إذ تنجح السلطة بدعم خارجي في صد الهجمات واستعادة المدن الرئيسة، من دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمة. وهذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القصير. ومنها أيضاً الاستنزاف الممتد، بحيث تتكرر الهجمات النوعية وتتآكل هيبة الدولة تدريجاً، مع بقاء النظام قائماً شكلياً. وهو سيناريو مرجح إذا استمرت المقاربة الحالية.
وأخيراً، فإن التسوية السياسية الجزئية، يمكن بلورتها عبر فتح مسارات تفاوض مع بعض الفاعلين المحليين وإعادة إدماج الأطراف المهمشة. وهو الأصعب، لكن تبدو لنا الأكثر استدامة.