Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تغيرت "القاعدة" بعد 15 عاما من مقتل بن لادن؟

التحولات قد تطاول المحور الشيعي كذلك بعد تصفية رؤوسه الكبار سليماني ونصر الله وخامنئي

آثار مقتل بن لادن اتضحت أكثر بعد مرور 15 سنة (اندبندنت عربية)

ملخص

بعد مقتل بن لادن حاول التيار الجهادي الحفاظ على زخمه بكل الأساليب، بل ذهب تنظيم "داعش" إلى أبعد عند إعلان نفسه "خلافة"، إلا أن جميع المحاولات اصطدمت بسياسة "قطع الرؤوس" التي كبحت التمدد، مما دفع تيار التنظيم الأم إلى مراجعات براغماتية خلصت إلى أن البقاء لا يكون بمواجهة النظام الدولي بل بالتكيف معه.

يمر 15 عاماً على تلك الليلة في "أبوت آباد" التي غيرت وجه الأمن العالمي، إذ شكلت عملية تصفية أسامة بن لادن الذي استمرت مطاردته عقداً من الزمن، إعلاناً بنهاية حقبة من الرعب والدم، سريعاً ما أعقبتها نسخ معدلة أشد، إلا أن التيار الذي تزعمه بن لادن بزخم بدأ من الجهاد الأفغاني، لم يستطع قط تعويض شخصيته الكاريزمية، على رغم المحاولات.

بيد أن الأثر الأكبر لتلك العملية، أخذ وقتاً أطول لتظهر خيوطه التي يرجح أنها لم تكتمل بعد، فما الذي حدث؟

وكيف تغيرت "القاعدة" من منصة جهادية عالمية إلى نسخ محلية معدلة، وأخرى مدنية تبحث عن الاعتراف الدولي الذي قام أساساً نقمة عليه ورفضاً لحدوده الجغرافية والفكرية؟

وإذا صح أن "قطع رؤوس" أكابر التنظيمات الأيديولوجية لا يجهض أفكارها أو يلحق بها الخسائر التي يتحمس الأمنيون لإيقاعها بين الصفوف، فكيف نفهم التحولات والمراجعات بين أتباع أسامة بن لادن حتى الآن، التي برهنت على العكس؟

ثم بأي شيء تخبرنا تجربة "القاعدة" عن التصفيات بين صفوف قادة "المحور الشيعي"، أمثال قاسم سليماني، وحسن نصر الله وعلي خامنئي؟ وهو التيار الذي يتقاطع معه "القاعدة" في كثير من الأدبيات الثورية ومناهضة الغرب، وشعارات الجهاد، والقدس، ويتحالف معه لكسر الهيمنة الأميركية.

أجوبة "سي آي أي"

للإجابة عن جميع تلك التساؤلات، علينا أن نعود إلى "أبوت آباد" من خلال الوثائق التي أفرجت عنها الـ"سي آي أي"، إذ لفتت لمناسبة مرور عقد ونصف العقد على الحادثة، إلى أنها في ذلك اليوم من ربيع 2011 لم تجد في بن لادن ذلك الرمز الروحي أو "الملهم القابع في برج عاجي"، بقدر ما اغتالت مديراً تنفيذياً محاصراً لكنه لم يزل مؤثراً، مع الضغوط الأمنية التي ظلت تزلزل رفاقه في الميادين، بمن فيهم حراسته الشخصية.

وتُلخص في إيجازها الذي استعرضته "اندبندنت عربية" المجهود الحربي في العملية، بأنه شكل نتيجة أعوام من الجهد الاستخباراتي المركز الذي قادته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) منذ هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، إذ اعتمدت الاستراتيجية على تتبع شبكة "المراسلين" والمقربين من زعيم التنظيم. وقد بلغت جهود الملاحقة ذروتها في أواخر عام 2010 عند تحديد مجمع سكني في "أبوت آباد" بباكستان، تميز بإجراءات أمنية استثنائية وغير منطقية لسكن مدني، مثل الأسوار العالية المكسوة بالأسلاك الشائكة، وانعدام شبكات الهاتف والإنترنت، وحرق النفايات بدلاً من جمعها، مما عزز القناعة بوجود هدف عالي القيمة داخل هذا الحصن.

نُفذت العملية في مايو (أيار) 2011 غارة دقيقة وافق عليها الرئيس باراك أوباما، واقتضت تدريبات مكثفة على نسخة طبق الأصل من المجمع لضمان النجاح وتقليل الأضرار الجانبية. وعلى رغم تحطم إحدى المروحيات عند الهبوط، استمر الهجوم من دون تأخير، إذ تم العثور على بن لادن في الطابق الثالث وقتله في غضون تسع دقائق فقط من المداهمة. تلا ذلك تأكيد هويته بوسائل تقنية مستقلة، قبل أن يُنقل جثمانه ليدفن في البحر من على متن حاملة الطائرات "يو أس أس كارل فينسون" في غضون أقل من 24 ساعة.

وتشير الوكالة في منشورها الأحدث عن هذه القضية، إلى أن المواد الاستخباراتية التي وصفتها بـ"الهائلة" التي تم التحفظ عليها داخل المجمع، أظهرت أن "بن لادن لم يكن مجرد رمز صوري، بل ظل قائداً فاعلاً يقدم توجيهات استراتيجية وعملياتية دقيقة لتنظيمه على رغم عزلته".

أما المفارقة التي أظهرتها الوثائق فهي أن بن لادن كان يخطط لمغادرة المجمع في سبتمبر 2011 بسبب توتر علاقته مع الأخوين اللذين كانا يؤويانه، بعدما وصلا إلى مرحلة الإنهاك النفسي من "المسؤولية الجسيمة" لحمايته، مما يعني أن توقيت العملية التي أخذ التحضير لها وقتاً طويلاً نسبياً "كان حاسماً، ولو تأخرت قليلاً لربما اختفى بن لادن في ملاذ جديد ولتغير مسار التاريخ".

التعويض الصعب

بعد مقتل بن لادن حاول التيار الجهادي الحفاظ على زخمه بكل الأساليب، بل ذهب تنظيم "داعش" إلى أبعد عند إعلان نفسه "خلافة"، إلا أن جميع المحاولات اصطدمت بسياسة "قطع الرؤوس" التي كبحت التمدد، مما دفع تيار التنظيم الأم إلى مراجعات براغماتية خلصت إلى أن البقاء لا يكون بمواجهة النظام الدولي بل بالتكيف معه، وهو ما تجسد في تحول حركة "طالبان" إلى سلطة تفاوض، وانكفاء هيئة تحرير الشام نحو الإدارة المحلية، وسعي فرع "القاعدة" في مالي إلى تقديم نفسه كفاعل وطني، في انتقال واضح من "الخيال الأيديولوجي" إلى "الواقعية السياسية" لتحقيق أي قدر من النفوذ والبقاء.

ويصف الباحث السعودي سعد الحامد، التنظيم بعد مقتل زعيمه بالذي يصارع "تحولاً جذرياً لبقاء مجرد كيانه"، فانتقل من عابر للحدود يطمح في ضرب العمق الأميركي، إلى الذي يركز على "البيئات المحلية، بعدما خسر الكاريزما القيادية لصالح أيديولوجية سائلة أو رخوة تتبناها جماعات أقل تأثيراً (كما في اليمن وأفريقيا)، مما أدى إلى تآكل المركزية لصالح الفروع التي باتت أقوى من القيادة الأم القابعة في العزلة كحال سيف العدل في إيران".

وبفقدان التنظيم "الملاذ والتمويل والمركز"، تخلى كما يقول الحامد عن طموح إقامة دولة عالمية أو "خلافة" وفق رؤيته القديمة، ليتحول إلى مجرد جماعات تستنزف دول محيطها المحلي، مما جعل خطرها دولياً يتراجع مقابل تحول أعضائها إلى ما يشبه الأشباح، تهيم في الصحاري.

من جهته يعيد بروس هوفمان، أحد أبرز المتخصصين في مكافحة الإرهاب في العالم هذا التحول إلى قاعدة تسمى مركزية الجذب "فالأيديولوجيا قد تبقى كأفكار في الكتب، لكنها تفقد قدرة التعبئة، ومن دون هذه القدرة، تتحول التنظيمات إلى 'عصابات محلية'".

وهو من بين عدد من المتخصصين يقدر أن المراحل التي أعقبت مقتل بن لادن، أظهرت أن "’القاعدة‘ مات سريرياً في 2011، وما نراه اليوم هو 'أشباح' تستخدم الاسم لتحقيق مكاسب سلطوية محلية، وأن قتل الزعماء يكسر سلسلة القيادة والسيطرة، وهي الأهم في أي حرب، ومن دونها تصبح الأفكار المتطرفة مجرد عبء على أصحابها"، بحسب قوله.

ويشير تقدير موقف حول "القاعدة" لمجلس الشؤون الخارجية الأميركي قبل بضعة أعوام، إلى أن مقتل أسامة بن لادن شكّل ضربة رمزية رادعة لكثير من المتطرفين الذين استلهموا صورته بوصفه قائداً لا يُقهر، موضحاً أن "هذه الجماعات ذات الطابع الديني المتشدد تعتمد دائماً على الزعيم، لأن بقاءه يغذّي الإيمان بإمكان تحقيق المدينة الفاضلة"، ويضيف أن التنظيم، بعد غيابه، واجه صعوبة حقيقية في إيجاد خليفة قادر على ملء هذا الفراغ والحفاظ على مستوى التأثير نفسه.

التجربة السورية

تمثل الحال السورية، وتحديداً مسار "أبو محمد الجولاني"، النموذج الأكثر إثارة للجدل في "فك الارتباط" التنظيمي والأيديولوجي. لقد بدأت "جبهة النصرة" كذراع رسمية لـ"القاعدة"، لكنها أدركت سريعاً أن استمرار ولائها لمركزية "القاعدة" يعني "انتحاراً سياسياً" واستمرار الاستهداف الدولي الشامل. ومن هنا، انخرطت الهيئة في عملية "سورنة" ممنهجة، ففكت ارتباطها بـ"القاعدة"، وقضت على الجناح الموالي لبن لادن (تنظيم حراس الدين)، واستبدلت بالخطاب "الجهادي العالمي" خطاب "الثورة الوطنية".

أدارت الهيئة "حكومة إنقاذ" في إدلب، وعملت على تسويق نفسها كشريك في مكافحة الإرهاب (ضد داعش) وحامٍ للأقليات، سعياً وراء رفع اسمها من قوائم الإرهاب الدولية.

تحولت من "البيعة للظواهري" إلى محاولة بناء "دولة واقعية" تتواصل مع القوى الإقليمية وتؤمن بالحدود الجغرافية، في مهمة بلغت ذروتها حين جلس رئيسها أحمد الشرع على عرش الأسد في قصر الشعب بدمشق، وسط ترحيب إقليمي ودولي، مكن من إعادة تأهيله قانونياً وسياسياً، من خلال رفع العقوبات على شخصه والدولة التي ورثها.

 

وفي هذا السياق تشير الكاتبة السورية آلاء غول إلى أنها لا تتخيل كيف سيمكن للتجربة السورية أن تشهد النهاية التي رآها العالم، من دون تحييد بن لادن وأبوبكر البغدادي، الذي أحدث تحولاً جذرياً في رهانات المولعين بخطابهما.

وتوضح أن مقتل بن لادن وإن لم يقضِ على "القاعدة" كتنظيم، فإنه "نجح في تفكيكه وتحويله إلى كيانات لا مركزية تتمتع باستقلالية القرار في مناطق وجوده. هذا التحول أدى إلى انحسار مفهوم الجهاد العالمي لصالح المحلي، حيث انخرطت كل جماعة في بيئتها الخاصة، مما خلق واقعاً جديداً تغلبت فيه المصلحة الجغرافية على الأيديولوجيا العابرة للحدود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالإسقاط على الحال السورية، تعتبر غول أن غياب بن لادن كان بمثابة "تذكرة قطار مكنت أحمد الشرع من ركوب سكة التحول"، متنقلاً من "جبهة النصرة" وصولاً إلى رئاسة الحكومة الانتقالية في دمشق، وبذلك نجح في الانتقال من الميدان العسكري إلى أروقة السياسة عبر تبني الواقعية السياسية، مفضلاً بناء المؤسسات بدلاً من الانتقام، من خلال ترسيخ قناعته الشهيرة بأن "عقلية الثأر لا تبني الدول".

"طالبان" من العداء إلى الشراكة

في أفغانستان، قدمت حركة "طالبان" تجربة أخرى في التحول و"البراغماتية التفاوضية"، فبعدما كانت الحركة عام 2001 حاضنة لبن لادن وقاعدة انطلاق لعمليات 11 سبتمبر، تحولت عبر مسار الدوحة إلى طرف سياسي يفاوض الولايات المتحدة وجهاً لوجه. التحول الجوهري في "طالبان" يكمن في انتقالها من حركة تمرد لا تعترف بالتزامات القانون الدولي، إلى "نظام حكم" يرسل الوفود الدبلوماسية للصين وروسيا والجوار الإقليمي، ويؤكد التزامه عدم استخدام الأراضي الأفغانية لضرب المصالح الأجنبية.

 اختارت "طالبان" بعد مقتل رئيسها الصلب محمد عمر قبل حليفه بن لادن البقاء في السلطة على حساب "نصرة الفكر الجهادي العابر للحدود"، مما خلق شرخاً بينها وبين فكر "القاعدة" القديم، على أثر مراجعات لا تزال فصولها مستمرة.

محاولات "نصرة الإسلام"

في منطقة الساحل الأفريقي، وتحديداً مالي، يبرز تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" (فرع "القاعدة") بقيادة إياد أغ غالي، كلاعب يحاول استنساخ تجربة "طالبان" بحذافيرها. التنظيم هناك لم يعد يروج لعمليات خارجية في باريس أو واشنطن أو حتى اختطاف السياح والغربيين كما كان "القاعدة" في الصحراء الكبرى، الذي بنى اقتصاده ونفوذه على اختطاف الرهائن، قبل تكشف مناجم الذهب.

ركزت الحركة الجهادية على "المظالم المحلية" للسكان، وقدمت نفسها كبديل قضائي وأمني في المناطق التي غابت عنها الدولة المالية عقوداً، بالشراكة مع تنظيمات انفصالية ومدنية كانت كفرتها في بعض المحطات. حاولت تسويق نفسها كـ"تيار معتدل" (بالمقارنة مع وحشية تنظيم داعش في الصحراء الكبرى)، مبدية استعداداً مبطناً للدخول في حوار سياسي مع الحكومة المالية للسيطرة على إقليم شمال مالي أو حتى المشاركة في حكم الدولة ككل. إنه تحول جذري نحو "السياسة الوطنية" يهدف إلى تحويل التنظيم من "جماعة مطاردة" إلى سلطة معترف بها محلياً في الأقل.

قد يرى كثيرون هذا التحول نتائج طبيعية لمرور الزمن، إلا أن الذين عاصروا نشأة تلك الحركات أو بعضها، يدركون حجم التحول الذي أحدثته التجارب أو الظروف على مسارها، مع ما يقر به الباحثون من احتفاظ كل تجربة بعوامل تخصها من دون البقية.

 التيار الشيعي بعد سليماني

بالتوازي مع انكسار هالة التطرف السني بعد بن لادن، يعيش التيار الشيعي الراديكالي المنضوي تحت "ولاية الفقيه" صدمة مماثلة.

 إن فقدان قاسم سليماني، الذي كان يمثل المهندس الميداني، ومن ثم حسن نصر الله المنظر الكاريزمي، وبعد ذلك المرشد علي خامنئي الذي مد كل أولئك روحياً ومالياً وسياسياً، مما وضع الميليشيات في حال من "اليتم الاستراتيجي"، يرجح أمثال المفكر السياسي السعودي الكاتب عبدالرحمن الراشد، أنه قد يفضي إلى تغير في سلوك النظام في طهران وأدواته الإقليمية.

ويرى أن مقتل قاسم سليماني بمفرده أضعف النظام الإيراني، ولم يعد إلى ما كان عليه من النفوذ بعد اغتياله في 2020، مما يعطي تصوراً عما يمكن أن يحدثه غياب مجموعة واسعة من قيادات الصف الأول والثاني من هذا التيار عن مناطق سيطرتها في إيران والمنطقة.

ويشير المتخصص في شؤون الفصائل بمعهد واشنطن، مايكل نايتس، إلى أن "التيار الشيعي المتطرف لم يعد جسداً واحداً يتحرك بإشارة من طهران كما كان في عهد سليماني. نحن نشهد الآن 'بروز القوى المحلية' داخل هذا المحور. الفصائل في العراق باتت تهتم بمصالحها الاقتصادية والسياسية داخل الدولة العراقية أكثر من اهتمامها بالمعارك الإقليمية الكبرى. غياب القادة 'الآباء' أدى إلى تآكل الانضباط التنظيمي، مما يجعل هذا المحور عرضة للانقسامات البينية والبحث عن شرعيات وطنية بديلة لتجنب الاستهداف المباشر".

 

بل إن تحليلاً لمجلة "فورين فيرز" الأميركية، لفت حتى قبل الحرب التي بدأت باغتيال المرشد، إلى أن ما يسمى "محور المقاومة" هزم من الناحية العسكرية، أو "بات في حال يرثى لها"، فمهندسوه الإيرانيون يتقدمون في السن، وشركاؤهم في العالم العربي مُنوا بخسائر فادحة جراء الضربات الإسرائيلية. وأسهم التقارب الحذر الذي شهدته إيران والسعودية خلال العامين الماضيين... في ترسيخ الاعتقاد بأن المعركة الطائفية في الشرق الأوسط قد انتهت".

غير أن الباحثين يشككون في إسقاط حال "القاعدة" على المحور الإيراني بعد تساقط رموزه، إذ تعتقد الكاتبة غول أنه مع وجود بعض أوجه التشابه بين الحالين، فإن "اختلاف البنية التنظيمية يقود إلى نتائج مختلفة، فمقتل قاسم سليماني شكّل ضربة قاسية للنفوذ الإيراني وأضعف المحور، لكنه لم يفككه كما حدث مع أسامة بن لادن حين دخل ’القاعدة‘ مرحلة التفكك".

وتضيف "كذلك فإن مقتل حسن نصر الله أوجع ’حزب الله‘ من دون أن ينهيه، لأن هذه الكيانات تعمل ضمن منظومة ترعاها وتمولها إيران بشكل مباشر، بخلاف ’القاعدة‘ الذي يفتقر إلى مظلة دولة. ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن الضربات الأميركية الأخيرة أضعفت هذا المحور ووكلاءه، ودفعت ’حزب الله‘ تحديداً إلى وضع حرج يقترب من حافة الانهيار".

بيد أن الباحث الحامد، يؤكد أن المحور الإيراني وإن حافظ على تسلسله الهرمي القيادي، إلا أنه اضطر تحت ضغط الاستهداف إلى الانتقال ميدانياً من "الهجوم والتمدد الإقليمي إلى الدفاع عن المكتسبات" السابقة.

برحيل المرشد خامنئي، يقدر الباحث السعودي أن النظام سيجد نفسه مدفوعاً مع الوقت للتحول نحو "البرغماتية، متجرعاً سم التنازلات للحفاظ على هيكل وجوده، ومحاولاً الظهور كلاعب إقليمي عقلاني ينحني أمام العاصفة لضمان بقائه وسط تضارب الأجنحة الداخلية التي باتت تهدد استقلالية قراره".

مناخ المصالحات

تُظهر حصيلة 15 عاماً من سياسة "قطع الرؤوس" أنها نجحت في تقليص خطر التطرف خلافاً للشائع، محوّلة إياه من تهديد عابر للحدود إلى أزمات محلية تبحث عن البقاء أو الشرعية في ظلال مشروع الدول الوطنية كإطار وحيد للاستمرار، مما دفع التنظيمات التي كانت تسعى إلى "الخلافة" أو "الثورة" إلى التراجع والانخراط في واقعية سياسية قسرية، كما بدا واضحاً أخيراً في الحال اللبنانية وبروز نبيه بري كوجه سياسي للتيار الشيعي، عوضاً عن الآخر الذي كان يتزعمه نصر الله.

ومع هذا التراجع، يبرز تحدٍ جديد يتمثل في ما بعد الهزيمة، وهو تعميق المصالحات في المجتمعات التي كانت مناطق نفوذ التيارات الجهادية والثورية، لمنع عودة الفوضى أو ظهور بدائل متطرفة.

ويدافع في هذا السياق الباحثان ماريا فانتابي وفالي نصر في مقالة مشتركة نشرتها "فيرن فيرز" عن الحلول الفعالة في مرحلة ما بعد هزيمة محور المقاومة. ويخلصان إلى أنه "إذا كانت الولايات المتحدة، ترغب في إنهاء الصراع في الشرق الأوسط ورؤية العراق يزدهر بمعزل عن السيطرة الإيرانية، فعليها أيضاً دمج الجماعات الشيعية في النظامين الوطني والإقليمي اللذين تتصورهما".

وربما وعي واشنطن والمنطقة بهذا التحدي، هو الذي دفع إلى تطوير بدائل مرنة تحتوي المنظومات الباحثة عن ملاذ خارج أيديولوجية التطرف، من "طالبان" إلى سوريا والعراق واليمن، وشمال مالي.

المزيد من تحقيقات ومطولات