Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النزاعات قد تقودنا نحو "شتاء نووي" لا رجعة فيه

مع تصاعد التوتر بين القوى الكبرى يعود هذا السيناريو إلى دائرة الاهتمام العلمي والسياسي بعد عقود من تراجع حضوره في النقاش العام

يطاول الخطر النووي جميع جوانب الحياة وتحديداً المناخ والأمن الغذائي ويغذي سباق التسلح النووي (بيكسباي)

ملخص

الانفجار النووي يسخن الهواء المكون بالكامل من النيتروجين والأوكسجين، إلى درجات حرارة عالية للغاية تصل في البداية إلى ملايين الدرجات. وتكون كرة اللهب الناتجة شديدة الحرارة، لدرجة أنها تدمج هذين الغازين الجويين لإنتاج أكسيد النيتريك، وهو العامل نفسه المحفز الذي تنتجه المحركات النفاثة للطائرات الأسرع من الصوت.

من الواضح أن الحروب الطاحنة التي شهدها العالم أخيراً في شرقه وغربه جعلتنا نفكر من جديد في أخطار الحرب النووية، التي يمتد خطرها ليس فقط على البشر والحضارة الإنسانية، ولكن أيضاً على المناخ وقضايا أخرى. وتؤكد نظرية "الشتاء النووي" أن أي حرب نووية، صغيرة كانت أم كبيرة وعلى أية بقعة من الأرض، سيكون لها تأثير مدمر علينا جميعاً وليس فقط على الدول التي تُقصف بهذه الأسلحة. وتلفت النظرية التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي إلى أن الخطر النووي اليوم والذي يبدو لبعضٍ أنه أصبح محدوداً توسع فعلياً، وذلك لأنه يطاول جميع جوانب الحياة وتحديداً المناخ والأمن الغذائي، كذلك يدفع الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية إلى السعي الحثيث لامتلاك أسلحة الدمار الشامل.

ومع تصاعد التوتر بين القوى النووية الكبرى، يعود سيناريو "الشتاء النووي" الكارثي إلى دائرة الاهتمام العلمي والسياسي بعد عقود من تراجع حضوره في النقاش العام. وتقول الموسوعة العلمية الأوروبية تعليقاً على ذلك "بعدما شكل الاهتمام العلمي محوراً رئيساً خلال الحرب الباردة، تعيد المؤسسات العلمية الدولية اليوم تقييم مخاطره في ضوء نماذج مناخية أكثر تطوراً، وسيناريوهات جديدة لا تقتصر على تبادل نووي شامل، بل تشمل أيضاً صدامات محدودة قد تحمل آثاراً عالمية غير متوقعة".

خطر يمتد إلى مناحي الحياة كافة

في هذا السياق، يقول الأستاذ الفخري في جامعة كولورادو بولدر جون بيركس "يمتد خطر الحرب النووية إلى مناحي الحياة كافة على كوكب الأرض، وليس فقط في الأماكن المهددة بضربات نووية، وهذا ما يعرف علمياً بخطر ’الشتاء النووي‘ الذي يمكن أن يطاول أذاه الجميع". كذلك يمتد خطر "الشتاء النووي" ليصل إلى حد دفع الدول غير النووية للمطالبة بامتلاك ترسانتها الخاصة بها. وفي السياق ذاته وضمن مقالة نشرت خلال الـ12 من مايو (أيار) 2026 بعنوان "الطائرات الأسرع من الصوت، الأوزون، ودخان حرائق الغابات، أصول نظرية ’الشتاء النووي‘"، أكد بيركس أن نظريات علمية ظهرت حديثاً بشَّرت بتحول الخطر النووي الشامل الذي كان مشتعلاً في خمسينيات القرن الماضي، إلى خطر نووي محدود، إلا أنه يؤكد على رغم ذلك أن هذا الخطر النووي الذي يبدو أقل حدة من النزاع النووي الشامل، سيحمل معه الآثار الكارثية ذاتها على الأرض والمناخ. لذلك، حذر هو ونخبة من العلماء من عدم دراية كثير من الباحثين بهذا النوع من الأخطار النووية، التي لم تكن موجودة في العالم من قبل.

ظهور النظرية

ظهرت نظرية "الشتاء النووي" في سبعينيات القرن الماضي، ويقال إنها أثرت كثيراً في الزعامتين الأميركية والسوفياتية عبر الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيس الوزراء السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، مما أدى إلى ظهور أول معاهدة لخفض الترسانات النووية بين الدولتين النوويتين. لكن الغريب أن علماء آخرين وصفهم بيركس بالممولين من جهات معينة، جادلوا بخطأ هذه النظرية.

شرارة الوعي

مثلت دراسة خطر الطائرات الأسرع من الصوت منتصف القرن الماضي شرارة الوعي لهذه الأبحاث، إذ انبثقت نظرية "الشتاء النووي" من "العمل العلمي الذي تناول تأثير طائرات النقل الأسرع من الصوت (SST) على طبقة الأوزون الواقية للأرض". وتوقعت التقديرات حينها أن أسطولاً من 500 طائرة من هذا النوع تحلق في الطبقة السفلى من الستراتوسفير، سيؤدي إلى استنزاف طبقة الأوزون، وهي الطبقة التي تحمي الحياة على الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة للشمس، وقد تصل نسبة الدمار في الأوزون إلى 50 في المئة.

آلية حدوث الضرر

يؤكد البروفيسور جون بيركس أن الانفجار النووي يسخن الهواء المكون بالكامل من النيتروجين والأوكسجين إلى درجات حرارة عالية للغاية، تصل في البداية إلى ملايين الدرجات. وتكون كرة اللهب الناتجة شديدة الحرارة، لدرجة أنها تدمج هذين الغازين الجويين لإنتاج أكسيد النيتريك، وهو العامل نفسه المحفز الذي تنتجه المحركات النفاثة للطائرات الأسرع من الصوت.

ومع تمدد كرة اللهب الساخنة وارتفاعها في الغلاف الجوي يترسب جزء من أكسيد النيتروجين الناتج في طبقة الستراتوسفير، وهي ثاني أدنى طبقة في الغلاف الجوي، وتمتد إلى نحو 50 كيلومتراً فوق سطح الأرض، "وفي حال حدوث انفجار نووي بطاقة تعادل ميغا طن واحد من مادة ’تي أن تي‘ أو أكثر، فستستقر كرة اللهب الناتجة تماماً في طبقة الستراتوسفير".

ملابسات ظهور النظرية العلمية

في نوفمبر (تشرين الثاني) 1981، اجتمع البروفيسور جون بيركس مع بول كروتزن خبير كيمياء الغلاف الجوي، في مكتب الأخير داخل معهد ماكس بلانك في ألمانيا. وتأمل العالمان نتائج محاكاة نموذج كروتزون الحاسوبي للغلاف الجوي، وأظهرت تلك المحاكاة أمراً غريباً وغير متوقع، وهو أن سيناريو الحرب النووية لن يضر بطبقة الأوزون، بل على العكس تماماً، فالنموذج الافتراضي أظهر أن سيناريو الحرب سيزيد من سمك طبقة الأوزون بنسبة طفيفة، مما يقلل من الآثار الضارة للأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس.

وهنا يلفت بيركس إلى أن هذه النتائج تتناقض تماماً مع الفهم السائد وقتها، والذي أكدته دراسة أجرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة عام 1975. وقالت تلك الدراسة إن حرباً نووية كبرى ستقلل كمية الأوزون في طبقة الستراتوسفير إلى النصف تقريباً، "مما يجعل من المستحيل الوجود في الهواء الطلق من دون ملابس ونظارات واقية لأكثر من بضع دقائق".

لكن وفي الوقت ذاته ظهرت إلى العلن ورقة بحثية قدمت للنشر قبل أيام قليلة من ذلك التاريخ، عبر اثنين من علماء الفيزياء في جامعة كولومبيا وهما البروفيسور هنري فولي والبروفيسور مالفين رودرمان، إذ طعنت ورقة فولي ورودرمان الممولة وفقاً لبيركس من معهد تحليل الدفاع، في نظرية انبعاثات أكاسيد النيتروجين من الطائرات الأسرع من الصوت. ومن خلال ورقتهما البحثية "الذكية"، جادل فولي ورودرمان بأن "تجربة غير مقصودة قد اختبرت هذه النظرية بالفعل خلال تجارب الأسلحة النووية الجوية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وأظهرت عدم وجود تأثير يُذكر لنشاط هذه الطائرات على طبقة الأوزون".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نظرية فولي ورودرمان

زعم فولي ورودرمان أن كمية أكاسيد النيتروجين المنبعثة في طبقة الستراتوسفير من التجارب النووية الجوية السابقة، تعادل تقريباً انبعاثات أسطول من 500 طائرة أسرع من الصوت لمدة عام. ثم قاما بفحص بيانات من خمس محطات من أصل ما يقارب 100 محطة عالمية لرصد الأوزون، ولم يجدا أي تغيير يذكر في مستويات الأوزون، مما سمح لهما بالاستنتاج بأن أسطول طائرات "بوينغ" الأسرع من الصوت المقترح، لن يكون له أي تأثير ملموس على طبقة الأوزون.

وهنا يؤكد جون بيركس أن فولي ورودرمان بالغا في تقدير كمية أكسيد النيتريك الناتج من الكرات النارية النووية وكميته المترسبة في طبقة الستراتوسفير، فيما قام بيركس وزميل آخر له بعد مراجعة دراسات سابقة لتأثيرات الأسلحة النووية، بإثبات أن حجم الانفجار النووي الفردي عامل أساس في تأثيره في طبقة الأوزون ضمن الستراتوسفير.

ومثلت هذه التجاذبات بين العلماء شرارة الوعي بالنسبة إلى نظرية "الشتاء النووي".

الاستعداد لـ"الشتاء النووي"

يثير خطر "الشتاء النووي" في وقتنا الراهن أسئلة كثيرة مختلفة عن زمن النظرية. والسؤال الأول الذي يجب الإجابة عنه وفقاً لخبير الأمن الغذائي فلوريان أولريش جين هو كيف ستؤثر حرب نووية محدودة اليوم على تجارة الغذاء العالمية؟ وفي الوقت ذاته يؤكد أولريش أنه على الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية، والتي ليس لها رأي في استخدامها، أن تستعد مستقبلاً لاحتمالية حدوث "شتاء نووي". كذلك هناك أثر مناخي عالمي آخر لحرب نووية محدودة اليوم، ويرجح بيركس أنه أكثر تدميراً من حرب نووية كانت ستندلع قبل عقود، إذ أصبح هذا التأثير المناخي المدمر لكوكب الأرض يعرف بفضل إضافات لاحقة لعلماء آخرين، بمن فيهم عالم الفلك كارل ساغان باسم "الشتاء النووي".

أما المفارقة المريرة فهي أنه وعلى رغم توثيق تأثير "الشتاء النووي" على النقاشات السياسية والثقافة الشعبية بصورة جيدة، فإن أصول هذه النظرية لا تزال غير معروفة لعامة الناس ولكثير من الباحثين النوويين إلى حد كبير.

تقرير طال انتظاره

شغل فرنسوا دياز مورين سابقاً منصب باحث زائر في مجال الأمن النووي بمؤسسة "ماك آرثر" في مركز الأمن والتعاون الدولي (CISAC) بجامعة ستانفورد، وكان زميلاً في برنامج "ماري سكلودوفسكا-كوري" التابع للمفوضية الأوروبية، وعمل مستشاراً علمياً لأعضاء البرلمان الأوروبي في القضايا النووية. ووفق مقالة له بعنوان "الشتاء النووي، لماذا ندرسه الآن؟" فقد نشرت الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم والهندسة والطب العام الماضي تقريرها الذي طال انتظاره حول الآثار البيئية للحرب النووية. وكان آخر تقرير شامل أجرته هذه الأكاديميات عام 1985، مما يعني أن هذه الجهات امتنعت لأسباب مجهولة عن إصدار تقاريرها لمدة 40 عاماً، فيما تستعد لجنة علمية مستقلة، بتكليف من الأمم المتحدة، لتقديم تقرير حول آثار الحرب النووية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة العام المقبل.

ولم يسبق للأمم المتحدة، وفق دياز، أن شكلت لجنة علمية متخصصة في هذا الشأن. وفي الوقت نفسه "تسهم أبحاث جديدة، تستند إلى أحدث نماذج المناخ، في تقديم رؤى جديدة لفهم الآثار العالمية للحرب النووية".

تساؤلات مقلقة

تثير التطورات الأخيرة لسيناريوهات الحروب النووية المحدودة تساؤلات مقلقة، إذ تزيد هذه النزاعات من احتمالية استخدام الأسلحة النووية بطريقة موسعة، مما يقود العالم إلى سيناريوهات قد تؤدي إلى "شتاء نووي" لا رجعة فيه. لذلك يرى العلماء أنه ليس من المقبول أخلاقياً أن يعمل بعض الباحثين على سيناريوهات حرب نووية تقلل من خطر "الشتاء النووي"، بل يجب ألا توجد مثل هذه السيناريوهات أصلاً، بالنظر إلى خطر التصعيد الذي لا يمكن تجنبه، وبسبب السلوك البشري غير المنضبط أثناء الحروب.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير