ملخص
في ظل التحولات الأمنية المتسارعة التي يشهدها العالم، باتت حماية المؤسسات الصناعية الاستراتيجية في الجزائر تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن المادي، لتشمل أبعاداً أكثر تعقيداً ترتبط بالأمن السيبراني، والأخطار المناخية، والتهديدات الجيوسياسية والهجينة، بخاصة مع تصاعد الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية في دول عدة.
تواجه الجزائر، باعتبارها بلداً يعتمد بصورة كبيرة على منشآت الطاقة والصناعة الثقيلة والتحويلية، تحدياً متزايداً يتمثل في كيفية تأمين هذه المنشآت الحساسة وضمان استمرارية نشاطها بصورة طبيعية وإبعادها عن جميع أشكال التهديدات التي يمكن أن تستهدفها، في ظل التحولات الأمنية السريعة التي يشهدها العالم.
تحولات جديدة
التحولات الرقمية المتسارعة داخل المؤسسات الصناعية الجزائرية، بخاصة في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات والصناعات الميكانيكية، رفعت من مستوى التعرض للهجمات السيبرانية، بعدما أصبحت أنظمة التحكم الصناعية مرتبطة بالشبكات الرقمية وقواعد البيانات المركزية.
في هذا السياق، تسعى السلطات الجزائرية إلى إعادة هيكلة منظومة الأمن الصناعي وتحيينها، إذ تؤكد وزارة الصناعة أن مديرية الأمن الصناعي وتسيير الأخطار تعمل على إعداد استراتيجيات لتعزيز الوقاية من الأخطار الصناعية وتحيين التشريعات المتعلقة بالأمن الصناعي وتسيير الأزمات.
وتتولى هذه الهيئة السهر على تطبيق لوائح الوقاية والأمن في المؤسسات الصناعية وإجراء المراقبة المتعلقة بها، وتنظيمها بالاتصال مع الأطراف المعنية، وتسيير الأخطار والحوادث الصناعية، والمساهمة في إجراءات الحماية منها وإزالة آثارها.
ونظمت الشركة الجزائرية للتأمينات، الأربعاء الـ13 من مايو (أيار) الجاري، ملتقى "يوم الشركاء 2026"، تحت عنوان "تحول أخطار المؤسسات: استباق الأخطار من أجل حماية أفضل للمنشآت الصناعية"، بهدف بحث التحديات الاستراتيجية المرتبطة بتطور الأخطار التي تواجه المؤسسات.
وأكدت الشركة في بيان، حرصها على ترسيخ التأمين كعنصر أساس في حماية المشاريع الصناعية ودعم التنمية الاقتصادية، من خلال تنظيم هذا اللقاء الذي يواكب التحولات المتسارعة والتحديات الجديدة التي تعرفها بيئة الأعمال.
وبحسب البيان فإن العمل يجري لبلورة رؤية تهدف إلى تعزيز الشراكات وترسيخ ثقافة استباقية في إدارة الأخطار، بخاصة في ظل تنامي التحديات المرتبطة بالرقمنة، وتحديث القطاع الصناعي، والتقلبات المناخية، فضلاً عن الأزمات الجيوسياسية، مما يجعل تبني مقاربة منظمة واستباقية لإدارة الأخطار أمراً ضرورياً لضمان استمرارية النشاطات وحماية الاستثمارات.
في هذا السياق، أكد المدير العام للشركة الجزائرية للتأمينات، ناصر سايس، أن "تسارع وتيرة تطور الأخطار أصبحت تفرض على المؤسسات اعتماد مقاربات أكثر استباقية ودمج إدارة الأخطار ضمن رؤيتها الاستراتيجية الشاملة".
ويقول نائب رئيس شركة "مارش" لخدمات الإدارة (مينا) المحدودة، التي تعمل في مجال وساطة التأمين وإدارة الأخطار، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، طارق مهبولي، إن "تنامي هذه التحديات المرتبطة بالرقمنة، وتحديث القطاع الصناعي، والتقلبات المناخية، فضلاً عن الأزمات الجيوسياسية، يجعل الاعتماد على رؤية منظمة واستباقية لإدارة الأخطار ضرورة أساسية لضمان حماية الاستثمارات واستمرارية النشاطات".
الأمن السيبراني... جبهة جديدة
ويرى متخصصون أن المقاربة الجديدة لم تعد تقتصر على الحماية الفيزيائية للمصانع والمنشآت، بل تشمل بناء "مرونة تشغيلية" قادرة على ضمان استمرار النشاط حتى في حالات الهجمات الإلكترونية أو الكوارث الطبيعية أو اضطراب سلاسل الإمداد الدولية.
وأصبحت الهجمات السيبرانية تمثل أحد أخطر التهديدات التي تواجه المنشآت الصناعية الحساسة، بخاصة مع توسع الاعتماد على الرقمنة والأنظمة الذكية.
وفي هذا الإطار، نشرت وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية التابعة لوزارة الدفاع الجزائرية، الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية للفترة 2025-2029، التي تهدف إلى "ضمان المرونة السيبرانية الوطنية وحماية البنية التحتية الرقمية للدولة".
وتشير هذه الخطوة إلى إدراك رسمي متزايد بأن الأمن السيبراني أصبح جزءاً من الأمن القومي، خصوصاً بالنسبة إلى المؤسسات المرتبطة بالطاقة والصناعة والاتصالات، وبدأت بعض المؤسسات العمومية في تطوير حلول حماية رقمية خاصة بها، على غرار إطلاق "اتصالات الجزائر" باقات متخصصة في الأمن السيبراني لفائدة المؤسسات، بهدف حماية البيانات وتأمين البنى التحتية الرقمية وضمان استمرارية النشاط.
مؤشرات وتحديات
وعلى رغم المؤشرات الإيجابية المتعلقة بتطوير الإطار التنظيمي وتعزيز الحماية، فإن متخصصين يعتبرون أن عدداً من المؤسسات الصناعية الجزائرية لا يزال في حاجة إلى تحديث أنظمة إدارة الأخطار واعتماد خطط استباقية أكثر فاعلية.
وتشمل هذه الآليات إنشاء مراكز مراقبة واستجابة للهجمات السيبرانية داخل المؤسسات الصناعية الكبرى، وتطوير أنظمة النسخ الاحتياط واسترجاع البيانات لضمان استمرارية النشاط، وإجراء تدريبات دورية لمحاكاة الأزمات والهجمات الإلكترونية، وتعزيز أمن سلاسل التموين والتزود الصناعي، وأيضاً الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لرصد التهديدات قبل وقوعها، ودمج البعد المناخي ضمن خرائط الأخطار الصناعية، بخاصة مع تزايد موجات الحرارة والفيضانات.
وتؤكد التصريحات الرسمية أن الجيش الجزائري أصبح فاعلاً محورياً في منظومة حماية المنشآت الاستراتيجية، ليس فقط من خلال التأمين الميداني، بل أيضاً عبر تطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
وكان الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع، رئيس أركان الجيش الجزائري، قد أكد أخيراً أن الجيش "يضطلع بتوجيه من الرئيس عبدالمجيد تبون، بدور أساس ومحوري في تأمين المنشآت الاستراتيجية"، موضحاً أن "المؤسسة العسكرية تعتمد مخططات حماية وتدخل للتعامل مع التهديدات الإرهابية والتخريبية والسيبرانية، إضافة إلى ما يعرف بالتهديدات الهجينة".
وأوضح شنقريحة في كلمة ألقاها خلال إشرافه على افتتاح أعمال ملتقى وطني بعنوان: "حماية المنشآت الحيوية للبلاد ضد التهديدات الجديدة: واقع وآفاق التحسين"، أن "المنشآت الحيوية والبنى التحتية لم تعد مجرد أصول اقتصادية فحسب، بل تعزز دورها لتصبح بمثابة شرايين الحياة التي تضخ الأمان والاستقرار في جسد الدولة الحديثة، وتدفع بمسارات الاندماج التنموي وترقية الأمن الوطني، بمختلف أبعاده".
وقال إن "الجيش يحرص على التحيين والتطوير المستمرين لمخططات فرق التدخل وتكوينها، ولأساليب التخطيط والتنسيق بين مختلف القطاعات، وذلك، في إطار مقاربة شاملة تقوم على الاستباق بدلاً من رد الفعل، والوقاية عوض المعالجة، مع رفع مستويات التكامل بين العنصر البشري والتكنولوجيا الحديثة".
خيار استراتيجي
من جهته قال الباحث الجزائري في الشؤون الاستراتيجية، رشيد علوش، إن حماية المنشآت الحيوية والبنى التحتية تمثل خياراً استراتيجياً وعقلانياً، وهي جزء أساس من منظومة الدفاع الوطني والأمن الشامل.
وأوضح علوش في تصريحات نقلتها الإذاعة الجزائرية، أن "التركيز على تعزيز اليقظة الاستراتيجية يرتبط بالتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، إذ أصبحت البيئة الدولية أكثر تعقيداً وغموضاً، مع تغير التحالفات وتراجع الثقة بين الدول، إضافة إلى تصاعد منطق القوة في العلاقات الدولية".
وشدد الباحث على أن "مواجهة هذه التحديات تتطلب تخطيطاً استباقياً وقدرة على التكيف، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات ومؤسسات الدولة، سواء في المجال الأمني أو الدبلوماسي، بهدف حماية المصالح الوطنية وتفادي الأخطار".
وأفاد بأن "طبيعة الحروب تغيرت في الأعوام الأخيرة، إذ لم تعد المواجهات التقليدية بين الجيوش هي الخطر الأساس، بل أصبحت المنشآت الحيوية، مثل مرافق الطاقة وشبكات الاتصالات، أهدافاً رئيسة في ما يعرف بحروب الظل أو الحروب غير المتماثلة، في وقت أظهرت فيه النزاعات الحديثة، مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط، أن استهداف هذه المنشآت يمكن أن يشل الدول من دون مواجهة مباشرة".
وشدد الباحث على أن "تحقيق الأمن يتطلب اعتماد مقاربة شاملة تقوم على الوقاية والاستباقية، مع إشراك مختلف القطاعات، بما في ذلك القطاعان العام والخاص، باعتبار أن حماية المنشآت الحيوية مسؤولية جماعية".
أخطار حقيقية
من ناحية ثانية، يقول المتخصص في التحول الرقمي وفي قضايا الأمن السيبراني، جلال بوعبدالله، إنه "عند الحديث عن الأخطار السيبرانية التي تواجه المؤسسات الصناعية في الجزائر، من الضروري تجاوز التصور الشائع الذي يختزلها إلى الجرائم السيبرانية التقليدية".
وأوضح جلال بو عبدالله أن "الشركة الصناعية الحديثة تضم عالمين رقميين متميزين: عالم تكنولوجيا المعلومات (أنظمة الإدارة، والمحاسبة، والموارد البشرية) وعالم تكنولوجيا التشغيل (التقنيات التشغيلية - أنظمة التحكم الإشرافي وجمع البيانات، ووحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة، وأجهزة الاستشعار الصناعية) الذي يتحكم في خطوط الإنتاج والبنية التحتية المادية. ويعمل هذان العالمان وفقاً لمنطقين مختلفين، ويؤدي اختراقهما إلى عواقب متباينة جذرياً".
وأضاف أنه "في مجال تكنولوجيا المعلومات يواجه الصناعيون الجزائريون التهديدات نفسها الموجودة في أي مكان آخر في العالم مثل برامج الفدية، والتصيد الاحتيالي الموجه، وتسريب البيانات الحساسة، وهجمات سلسلة التوريد عبر المقاولين الفرعيين الأقل حماية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال إن دراسة أجرتها شركة "سوفوس" ونشرت في يوليو (تموز) 2024، وشملت 275 من قادة أمن قطاع الطاقة في 14 دولة، أشارت إلى أن 67 في المئة من المؤسسات التي شملها الاستطلاع تعرضت لهجوم ببرامج الفدية خلال الـ12 شهراً. في غضون ذلك، وثق تقرير "ترست وايف" صادر في يناير (كانون الثاني) 2025 زيادة بنسبة 80 في المئة في هجمات برامج الفدية التي تستهدف قطاعي الطاقة والمرافق عام 2024. وضمن إطار تكنولوجيا التشغيل، يعد هذا التهديد أكثر خطورة بطبيعته لأنه يؤثر في الإنتاج الفعلي. فتعطيل منشأة استخراج أو مصفاة أو شبكة كهرباء لا يؤدي فقط إلى خسائر مالية، بل قد يتسبب أيضاً في حوادث صناعية وأضرار بيئية واضطرابات في الخدمات العامة، بحسب المتحدث.
وأوضح بو عبدالله أنه "منذ بداية عام 2024، وثقت كثير من التقارير الدولية صعود جماعات القرصنة الإلكترونية ذات الدوافع السياسية - بعضها مرتبط بالحرب الروسية - الأوكرانية، والبعض الآخر بالصراع في غزة - التي تستهدف بشكل صريح الأنظمة الصناعية في قطاع الهيدروكربونات، حيث تنشر هذه الجماعات تسجيلات تظهر وصولها إلى لوحات التحكم في آبار النفط، أي إلى قلب حقل النفط".
كلفة باهظة
في السياق الجزائري، يضيف جلال بو عبدالله، أنه "يجب التعامل مع هذا التهديد بجدية: فالهيدروكربونات تمثل المصدر الرئيس للعملة الأجنبية، وأي تعطيل، حتى لو استمر لبضع ساعات فحسب، له كلفة سياسية واقتصادية باهظة"، وتابع بأن "الإطار المؤسسي الجزائري شهد تقدماً ملحوظاً خلال الفترة 2025-2026، فقد مثل المرسوم الرئاسي الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، الذي أقر الاستراتيجية الوطنية لأمن نظم المعلومات 2025-2029، ثم المرسوم رقم 26-07 (يناير 2026)، الذي ألزم كل مؤسسة عامة إنشاء هيكل متخصص للأمن السيبراني يتبع مباشرة لرئيسها، نقلة نوعية حقيقية في مجال التنظيم، ومع ذلك، لا يحل النص القانوني المشكلة تلقائياً، فبحسب مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، تصنف الجزائر ضمن المستوى الثالث (التأسيس)، أي إنها في مرحلة التوطيد - وهو التزام منظم، لكنه لم يترجم بعد بصورة كاملة إلى فعالية عملية".
ويرى المتخصص أن "التحديات التي تواجهها الجزائر ليست في القوانين بل في نقص الكفاءات المتخصصة في مجال أمن أنظمة التشغيل وأنظمة التحكم الصناعية، وهي خبرة نادرة عالمياً، ونادرة بصورة مضاعفة في الجزائر، حيث لا يمتلك مهندس الأمن السيبراني العام المؤهلات اللازمة لتأمين وحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة في بيئة صناعية، كذلك لا يزال الاعتماد التكنولوجي على الموردين الأجانب للمعدات الصناعية، مما يولد أخطاراً في سلسلة التوريد يصعب إدارتها من دون بنود تعاقدية صارمة، إضافة إلى غياب آلية وطنية لتبادل معلومات التهديدات بين القطاعات، حيث تدافع كل شركة عن نفسها بمعزل عن غيرها، مما يهدر وقتاً ثميناً في الكشف عن التهديدات".
موقف استباقي
ويقول بو عبدالله إنه "يمكن بناء موقف استباقي عبر مجالات تشغيلية تتمثل في تحديد الأصول الحيوية قبل أي شيء آخر - فلا يمكن حماية ما لا يعرف، وهذه خطوة لا تزال غائبة في كثير من الشركات، كذلك يجب الفصل المعماري بين تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا التشغيل (التجزئة)، مع نقاط تحكم محكمة بينهما، وفقاً لإطار عمل المعيار الدولي للأمن الصناعي".
ويقترح المتخصص أيضاً "بناء خبرات وطنية في مجال الأمن التشغيلي من خلال تدريب متخصص ومستمر، وفرض بنود سيبرانية صارمة في عقود التوريد الصناعية، وإنشاء مركز وطني لتبادل المعلومات الاستخباراتية السيبرانية القطاعية، يضم قطاعات النفط والغاز والكهرباء والمياه والنقل، تحت إشراف الوكالة الوطنية للأمن السيبراني بالجزائر".