ملخص
مسألة صمت فرنسا تجاه الإنابات القضائية الجزائرية المرتبطة بالأموال المنهوبة لا يمكن اختزالها في بعد قانوني صرف، على رغم حضوره.
تتواصل القبضة الحديدية بين الجزائر وفرنسا، بعد رفض باريس الاستجابة والتعاون مع الجزائر في ما يتعلق بملف استعادة الأموال المنهوبة المهربة من قبل الفاسدين من النظام السابق، على رغم أنها "تدعي" الشفافية ومحاربة الفساد، وبخاصة أن دولاً أوروبية عدة تتعامل بإيجابية مع الإنابات القضائية المرسلة، وآخرها سويسرا وإسبانيا، مما بات يطرح استفهامات ويثير القلق.
استرجاع أكثر من 110 ملايين دولار من سويسرا
وتعد الجزائر قضية استرجاع الأموال المنهوبة واحدة من أبرز الملفات التي يجب معالجتها بنجاح، من أجل ترسيخ مكافحة الفساد من جهة واستعادة الأموال العامة من جهة أخرى، ولتحقيق الهدف كثفت الحكومة جهودها عبر القنوات القانونية والدبلوماسية، من خلال توجيه إنابات قضائية دولية إلى عدد من الدول التي يُشتبه في إيواء أصول مالية وعقارية ناتجة من تحويلات غير مشروعة، ومن بينها فرنسا وإسبانيا وسويسرا.
وفي السياق ذاته، كشف مجلس الوزراء عن تباين لافت في الأرقام بين سويسرا وإسبانيا من جهة وفرنسا من جهة ثانية، في ما يتعلق باستجابة الدول الأوروبية للإنابات القضائية، إذ أشار إلى توجيه 33 إنابة قضائية إلى دولة سويسرا، وقُبل 20 ملفاً، بينما عولجت بصورة نهائية حتى الآن أربعة ملفات، وستتسلم الجزائر بموجب هذه الإجراءات أكثر من 110 ملايين دولار.
"أل بالاص" في برشلونة
وعلى رغم غياب أرقام حول ما ايتُعيد من أموال منهوبة من إسبانيا، فإن إدراجها ضمن الدول التي وجه إليها الرئيس تبون الشكر إلى جانب سويسرا، يوحي بأن مستوى التعاون لم يكن شكلياً أو رمزياً، بل تعد مدريد طرفاً أسهم في استرجاع أصول أو ممتلكات محل نزاع أو متابعة، ولعل نقل ملكية الفندق الفخم "أل بالاص" في برشلونة، المرتبط برجل الأعمال علي حداد المسجون حالياً بقضايا فساد، واحدة من الخطوات التي تكشف عن "حسن" النيات.
وأفادت الصحافة الإسبانية بأن ملكية العقار الفخم انتقلت إلى الصندوق الوطني للاستثمار الجزائري، الذي يعد الذراع المالية للحكومة، بموجب آلية "الدين مقابل العقار"، وقالت إن وثائق السجل العقاري في برشلونة تشير إلى أن نقل الملكية لم يتم من طريق مصادرة قضائية، بل عبر تسوية من طريق التراضي بين الدولة الجزائرية ورجل الأعمال علي حداد المسجون حالياً، وبذلك أصبح الصندوق الوطني للاستثمار المالك الكامل للعقار.
لماذا صفر رد فرنسي؟
وأمام هذا الوضع الإسباني السويسري "الإيجابي"، وفي ظل إشارة مجلس الوزراء إلى "رفض" تعاون فرنسا مع الطلبات الجزائرية، طفت على السطح تساؤلات كثيرة وعلامات استفهام حول المغزى من برودة باريس في التعاطي مع ملف يعد حساساً لدى الأوساط الحقوقية، ومدى التزامها بالتعاون الدولي في مكافحة الفساد وتبييض الأموال، وهي التي ترفع إلى جانب دول أوروبية شعارات منددة بالفساد ومنتقدة للاختلاس، وترافع من أجل احترام الحقوق واعتماد الإصلاح والشفافية، مما شكل تناقضات مبهمة، تصنف في خانة الابتزاز.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار مجلس الوزراء الجزائري إلى توجيه 61 إنابة قضائية إلى باريس في إطار استرداد الأموال والممتلكات، غير أن السلطات الفرنسية لم تستجب لأي منها.
حساسية سياسية ومالية عالية
يوضح المحلل السياسي زهير رويس أن مسألة صمت فرنسا في التعامل مع الإنابات القضائية الجزائرية المرتبطة بالأموال المنهوبة لا يمكن اختزاله في بعد قانوني صرف، على رغم حضوره. وقال إن هذه الملفات تتجاوز الطابع التقني، كونها ترتبط بأصول مالية ضخمة يعتقد أنها موجودة على الأراضي الفرنسية، وبشخصيات وشبكات نفوذ من النظام السابق، مما يمنحها حساسية سياسية ومالية عالية.
وأشار رويس إلى أن هذا المعطى يبرز بوضوح وجود خلفية سياسية غير معلنة، يوازي أو ربما يفوق الاعتبارات القانونية، لا سيما في ظل غياب موقف فرنسي صريح، إذ هي لا تعلن رفض التعاون، لكنها لا تؤكد انخراطاً كاملاً وفعالاً فيه، مشدداً على أن التعاون القضائي الدولي يقوم أساساً على الثقة والمعاملة بالمثل، لا سيما في قضايا مكافحة الفساد.
القضايا السياسية
في المقابل، وفي حين لم يصدر رد رسمي من الطرف الفرنسي حول رفض التعامل مع الإنابات القضائية الجزائرية، اقتصر الأمر على بعض التقارير الإعلامية الفرنسية، إذ أشارت مجلة "لوغوفونو ميديا" إلى ضغط قضائي بين الجزائر وفرنسا بعد مطالبة الجزائر بالأموال المنهوبة المهربة، عبر 61 إنابة دون رد، موضحة أن الاتفاقات القضائية موجودة لكن التطبيق متوقف بسبب القضايا السياسية، وتساءلت هل هي عرقلة إدارية... أم استراتيجية متعمدة؟
من جانبه، يرى الإعلامي الفرنسي المهتم بالعلاقات الدولية والدبلوماسية ألان جوردان أن عدم تعاطي باريس مع الإنابات القضائية الجزائرية المتعلقة باستعادة الأموال المنهوبة خلال حكم الرئيس الراحل بوتفليقة، يرجع إلى أسباب عدة معقدة قضائية وتقنية.
وقال "لا يمكن حلها على مستوى الدولتين فحسب، لأن الأموال والممتلكات المعنية تخضع للتشريعات الدولية، لا سيما ما يتعلق بأصولها الحقيقية على اعتبار أن غالبيتها يُسجل كاستثمارات"، مشيراً إلى ضرورة تحديد ماهية الممتلكات وهويتها وغير ذلك من الإجراءات قبل البحث عن استعادتها، وهي الخطوة المعقدة التي تفتح المجال أمام معارك قضائية لا نهاية لها.
وأبرز جوردان أن تجاهل الإنابات الجزائرية يرجع إلى أن باريس لا تملك كل مفاتيح الرد على هذه القضايا، كما "لا ننسى المشكلات السياسية والدبلوماسية بين البلدين، وبخاصة العلاقات الثنائية المتنافرة على رغم محاولات التقارب". ويوضح أن كل العوامل غير متوافرة من أجل التعامل بإيجابية مع الطلبات الجزائرية.
وقال "أرى أن مثل هذه الملفات تبقى رهينة للعلاقات الثنائية المتوترة"، مشيراً إلى أن تجميد التعامل له خلفيات سياسية واقتصادية وكل طرف يصنفه وفق مصالحه، لكن الأكيد أن القضية سياسية لا سيما في ظل حال التأزم الراهنة، وختم بأن طي الملف ليس قريباً بما أن تعقيدات القانون الدولي حاضرة بقوة.
اتهامات بالمماطلة وعدم التعاون
اتهمت الحكومة الجزائرية خلال مارس (آذار) 2025 السلطات الفرنسية بالمماطلة، وعدم التعاون في مجال تسليم المطلوبين للقضاء واسترجاع العقارات والأملاك والأموال المنهوبة المهربة. وقال بيان لوزارة الخارجية الجزائرية عقب رفض باريس تسليم وزير الصناعة الجزائري السابق عبدالسلام بوشوارب المطلوب للجزائر في قضايا فساد، إن الحكومة الجزائرية تنتهز هذه الفرصة لتسليط الضوء على الغياب التام لتعاون الحكومة الفرنسية مع الطرف الجزائري في مجال المساعدة القضائية المتبادلة، على رغم وجود عدد من الاتفاقات الدولية والثنائية المخصصة لهذا الغرض.
وأكد أن باريس رفضت 25 مرة التعاون مع الجزائر في ملف استرجاع الثروات المنهوبة، إذ لا تزال تصطدم بمماطلات ومراوغات وتسويفات غير مبررة وغير مفهومة من الجانب الفرنسي.
الأملاك المصادرة كانت تدخل إلى خزانة فرنسا؟
وقبلها، وخلال يونيو (حزيران) 2022، أعلنت الوكالة الفرنسية لتسيير واسترداد الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة استعدادها للتعاون مع الجزائر في ما يتعلق باسترجاع الأموال المنهوبة، وكشف مديرها العام نيكولاس بيسون عن وجود تعاون بين الجزائر وباريس لبحث الإشكالات ذات الاهتمام المشترك، دون أن يذكر تفاصيل أكثر عن مستجدات هذا الملف، ومدى استجابة السلطات الفرنسية لمساعي الجزائر، موضحاً أنه بإمكان الجزائر اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لمكافحة ظاهرة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة لمصلحة الشعب.
وكشف المتخصص في الجرائم المالية الفرنسي جون فرنسوا بوهنير عن أن الجزائر تسعى للبحث عن استغلال أمثل للإجراءات القانونية، وصدر نص قانوني في فرنسا يسمح بإعادة الأملاك المصادرة نحو البلد الأصلي وهو ما لم يكن متاحاً من قبل، وكشف عن أن تلك الأملاك المصادرة كانت تدخل إلى خزانة الدولة الفرنسية، مضيفاً أن إعادة الأموال والأملاك نحو البلد الأصلي يكون على صورة تمويل لدعم التنمية، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون المشترك.