Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماكرون ينصف الأطباء الجزائريين المهاجرين... نظريا

بلغت نسبتهم 38.8 في المئة من إجمال الممارسين الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي

تشير الإحصاءات إلى أن الأطباء الجزائريين يشكلون النسبة الكبرى من الأطباء الأجانب في فرنسا (وسائل التواصل)

ملخص

أعلنت وزارة الصحة الفرنسية عن إجراءات تهدف إلى تبسيط المسار الإداري لتسوية وضعية الأطباء الجزائريين عبر إصلاح تنظيمي يركز على تقليص التعقيدات البيروقراطية وتسهيل مسارات الإدماج المهني، وأولها التخلي عن نظام الامتحانات التنافسية المعقدة، واستبدال نظام امتحاني أكثر مرونة به.

فتحت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول أطباء الجزائر العاملين في بلاده، الباب أمام المطالبات بتعويض كلف تكوينهم مع ضرورة إيجاد حلول في شأن وضعياتهم المهنية والاجتماعية. ورأى ماكرون أن عدداً كبيراً من الأطباء الأجانب، بخاصة الجزائريون، يسهمون بصورة أساسية في سد النقص الذي تعرفه بعض المناطق الفرنسية في القطاع الصحي، منتقداً التعقيدات الإدارية التي تواجههم.

اعتراف رئاسي

وصرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في حديث نقلته صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن نسبة كبيرة من الأطباء العاملين في فرنسا تخرجوا في الجزائر، مضيفاً أن 38.8 في المئة منهم خريجو جامعات جزائرية، وأبدى أسفه لعدم تيسير مسيرة هؤلاء الأطباء من خلال إلزامهم إعادة اجتياز الامتحانات التنافسية، وأكد أن "هؤلاء أشخاص مميزون نوظفهم، يمارسون الطب ويعملون في المستشفيات، ثم عندما يحين وقت منحهم وظائف دائمة، نبدأ من جديد، إذ يتعين عليهم اجتياز امتحان تنافسي".

وأوضح ماكرون، خلال زيارة قادته إلى مستشفى بمدينة أرييج جنوب فرنسا، أن بلاده تحتاج إلى هذه الكفاءات الطبية، داعياً إلى الحفاظ على حوار محترم ومتوازن مع الجزائر، على رغم الخلافات السياسية القائمة بين البلدين، مبرزاً في حديثه مع مجموعة من الأطباء، أن "نظام الأطباء الحاصلين على شهادات من دول خارج الاتحاد الأوروبي فوضوي... إنه أمر يصيبني بالجنون ويكشف عبثية النظام الفرنسي". وأعلن أنهم يسهمون بصورة يومية ومباشرة في مكافحة ظاهرة التصحر الطبي التي تعاني منها كثير من المناطق الفرنسية، لا سيما الأرياف.

وتشير الإحصاءات إلى أن الأطباء الجزائريين يشكلون النسبة الكبرى من الأطباء الأجانب في فرنسا، إذ بلغت نسبتهم 38.8 في المئة من إجمال الممارسين الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي، وبحسب معطيات بلغ عددهم 19 ألف طبيب حتى عام 2025.

كلف تكوين الأطباء

وخلّفت تصريحات ماكرون واعترافاته موجة من التعليقات والقراءات، وبينما جرى ربطها في فرنسا بالجانب السياسي والاستعدادات للانتخابات الرئاسية وملف الهجرة، أثارت جهات في الجزائر مسألة تعويضات تكوين هؤلاء الإطارات الصحية تحت شعار "الجزائر تكوّن وفرنسا تتداوى".

وقال وزير الصحة الجزائري السابق عمار تو، في مقال بعنوان "من يعوض الجزائر عن كلف تكوين أطبائها العاملين في فرنسا؟"، إنه بمثل ما تحملته الجزائر من أعباء مالية بعد استقلالها في توظيف متعاونين أجانب، يصبح من حقها، أمام ظاهرة هجرة كفاءاتها، اشتراط مقابل مالي لاسترجاع ما أنفقته من أموال في تكوين وتعليم إطاراتها التي تشتغل في بلدان مهجرها في شمال المعمورة، إلى جانب وجوب ضمان المساواة في الأجور في حق أبنائها المغتربين مقارنة بزملائهم أبناء بلد المهجر عند تساوي الشهادات والمناصب. وكشف أن عدد الأطباء الاختصاصيين الجزائريين العاملين في المستشفيات الفرنسية بلغ نحو 40 في المئة من مجموع الأطباء الأجانب في هذه المستشفيات، وبذلك "يصبح من حق الجزائر المطالبة بتعويضها عن الكلف التي صرفتها في تكوين هؤلاء الأطباء، ويصبح من حق كل الدول الشبيهة بالجزائر، أن تتآزر جميعاً، في السعي إلى تحقيق المبتغى ذاته تجاه دول الشمال التي تستغل كفاءاتها، كحق موضوعي ومشروع".

وتابع الوزير تو أن الجزائر يمكنها، افتراضاً، أن تتزعم المسعى إلى احتضانه أممياً، تتبناه الأمم المتحدة كمطلب موضوعي مشروع لدول الجنوب تجاه دول الشمال كما تزعمت، من قبل، قضايا كونية لها علاقة بحقوق الدول في التحرر واسترجاع الحقوق ومكافحة التمييز العنصري وإقامة نظام اقتصادي دولي عادل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


"الأمر لا يتعلق بالمطالبة بتعويض مالي فقط"

من جانبه، رأى الطبيب والكاتب محمد الطاهر عيساني، أن الحديث عن هجرة الأطباء الجزائريين إلى الخارج لم يعد مجرد موضوع عابر في النقاش العمومي، ولا رقماً يرد في تقارير مهنية أو إعلامية ثم يطوى في أدراج النسيان، بل إنه سؤال وطني كبير يمس صميم السيادة الصحية، وعدالة توزيع الرعاية، ومستقبل الجامعة الجزائرية، ومكانة الطبيب داخل مجتمعه. قال عيساني "حين تشير المعطيات المتداولة إلى أن نسبة كبيرة من الأطباء الأجانب أو ذوي الشهادات غير الأوروبية العاملين في فرنسا هم من الجزائريين، فإن الأمر لا ينبغي أن يُقرأ قراءة انفعالية ضيقة، بل قراءة استراتيجية هادئة"، مضيفاً أن هذا الرقم مهما اختلفت طرق تصنيفه أو تفسيره، يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها، الجزائر تكوّن أطباء قادرين على الاندماج في أنظمة صحية متقدمة، لكنها في الوقت نفسه لا تنجح دائماً في الاحتفاظ بهم أو في تحويل هجرتهم إلى رصيد وطني منظم.

وواصل عيساني أن الطبيب الجزائري لا يولد طبيباً فجأة، فهو ثمرة مسار طويل، يبدأ من المدرسة ويمر بالجامعة ويتشكل داخل المستشفى، ويتغذى من المال العمومي ومن جهد الأساتذة ومن تضحيات العائلة ومن أعوام الدراسة والمناوبة والتكوين. وعندما يغادر هذا الطبيب إلى الخارج، فإن الأمر لا يتعلق فقط بفرد قرر الرحيل، بل بمنظومة كاملة لم تستطع أن تمنحه الأفق الذي يستحقه، مبرزاً أنه حين تستقبل فرنسا عدداً كبيراً من الأطباء الذين تكونوا في الجزائر، فهي لا تستقبل أفراداً فقط، بل تستفيد من استثمار تعليمي وصحي جزائري طويل، وهو ما يطرح السؤال التالي: هل يمكن أن تبقى العلاقة بهذا الشكل، بلد يكوّن وبلد يستفيد؟

وأوضح أن الأمر لا يتعلق بالمطالبة بتعويض مالي مباشر عن كل طبيب يهاجر، فهذا منطق تجاري لا يليق بالمهنة، ولكن من حق الجزائر أن تطالب بتعاون صحي أكثر توازناً، مثل برامج تكوين مشتركة ودعم للتجهيزات وتبادل جامعي وفتح مسارات عودة وشراكات بين المستشفيات، ومشاريع بحثية مشتركة تعود بالنفع على البلدين. وختم أن هجرة الأطباء يمكن أن تتحول من نزف إلى شبكة نفوذ علمي.

نقابات فرنسا تنتفض

وفي السياق، تطالب نقابات الأطباء وإدارات المستشفيات في فرنسا بتسوية عاجلة لأوضاع الأطباء الأجانب الممارسين في البلد والمتخرّجين في جامعات خارج الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد انتهاء آلية توظيف استثنائية خاصة بهم، وسط تحذيرات من أن البلاد "لا غنى لها عنهم" وأن "النظام الصحي سينهار" من دونهم.

ودعا اتحاد النقابات إلى النظر في ملف كل طبيب على حدة في لجنة خاصة من دون امتحان تنافسي، وشدد على ضرورة التحقق من مؤهلاتهم وأيضاً توفير إقامة دائمة لهم تليق بمكانتهم.

وزير الصحة الفرنسي في مواجهة مجلس الشيوخ

ولم تتوقف معاناة الأطباء الجزائريين في فرنسا عند أسوار المستشفيات، بل انتقلت إلى مجلس الشيوخ بعدما أثار السيناتور الفرنسي أحمد لعوج، قضيتهم أمام وزير الصحة، في جلسة علنية أشار فيها إلى أن مئات من هؤلاء الأطباء، الذين أثبتوا كفاءتهم ونجحوا في اختبارات المعادلة الوطنية، ما زالوا مستبعدين من الترسيم والتوظيف الرسمي، على رغم أنهم يشتغلون فعلياً داخل المستشفيات ويسدّون جزءاً كبيراً من العجز المسجل في عدد من الأقاليم الفرنسية، وبخاصة تلك التي تعاني مما يُعرف بـ"الصحاري الطبية"، داعياً الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتسوية وضعيتهم المهنية والإدارية.

وأوضح السيناتور الفرنسي أن الحكومة تمتلك كل المقومات اللازمة لحل الإشكال، من احتياجات بشرية وكوادر طبية متوفرة وإمكانات مالية وتنظيمية قائمة، مضيفاً أن الوقت ليس للمماطلة أو التخطيط للمستقبل البعيد، بل لاتخاذ قرار فوري عبر مرسوم ينهي معاناة فئة حيوية من الجسم الطبي.

الحكومة الفرنسية لا تنكر دورهم الكبير

إلى ذلك، أقرت وزارة الصحة الفرنسية بشرعية المطالب وواقعية التوصيف الذي قدمه السيناتور، معبرة عن اتفاقها مع مجمل ما ورد في مداخلته، بخاصة ما يتعلق بدور الأطباء الأجانب في سد النقص المزمن في الطواقم الصحية بالمناطق الريفية والنائية، وأكدت أن الحكومة لا تنكر الدور الكبير الذي يؤديه هؤلاء الأطباء الذين يشكلون بين 30 و40 في المئة من الطواقم الطبية في بعض المستشفيات، كذلك هم يضمنون جزءاً كبيراً من خدمات الرعاية الصحية في عدد من الأقاليم.

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تهدف إلى تبسيط المسار الإداري لتسوية وضعية هؤلاء الأطباء عبر إصلاح تنظيمي يركز على تقليص التعقيدات البيروقراطية وتسهيل مسارات الإدماج المهني، وأولها التخلي عن نظام الامتحانات التنافسية المعقدة، واستبداله نظام امتحاني أكثر مرونة به، يعتمد على تقييم الكفاءات الطبية على المستوى المحلي داخل المؤسسات الصحية، بإشراف الأطباء المسؤولين ورؤساء الأقسام.

التأشيرات الجامعية خارج دائرة التوتر الدبلوماسي

وعلى رغم الأزمة التي تعصف بالعلاقات الثنائية، فإن باريس تعهدت بالإبقاء على التأشيرات الجامعية خارج دائرة التوتر الدبلوماسي بين البلدين، إذ أبرزت أنها منحت أكثر من 8 آلاف تأشيرة دراسة لطلبة جزائريين لدخول الموسم الجامعي في 2025، بزيادة تقدر بـ12.5 في المئة عن عدد التأشيرات الممنوحة في عام 2024.

ووفق السفارة الفرنسية في الجزائر، حصل 8351 طالباً جزائرياً على تأشيرة للدراسة في الجامعات الفرنسية بالموسم الجامعي 2025-2026، بزيادة أكثر من 1000 تأشيرة على الموسم السابق.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير