ملخص
على رغم المخاطرة بحياتهم، فإن آلاف العمال يضطرون إلى دفع مبالغ مالية تصل إلى 300 دولار للسماسرة، من أجل مساعدتهم في التهريب إلى إسرائيل.
"سلم وحبل"، هي وسيلة آلاف العمال الفلسطينيين لاجتياز الجدار العازل للتسلل إلى داخل إسرائيل للوصول إلى أماكن عملهم، مع استمرار تل أبيب في منع ثلث القوة العاملة الفلسطينية من الالتحاق بعملهم داخل الخط الأخضر منذ أكثر من سنتين ونصف سنة. وتحولت بلدة الرام شرق القدس إلى نقطة لتسلل آلاف العمال عبر الجدار العازل، الذي يتجاوز ارتفاعه ثمانية أمتار، ويفصلها عن بلدة بيت حنينا الواقعة داخل مدينة القدس. ومع أن البلدتين تعتبران جزءاً من مدينة القدس، لكن الجدار فصل بينهما قبل 20 سنة، إذ باتت الرام خارج مدينة القدس من خلال الجدار العازل.
وأسهم وجود بلدتين فلسطينيتين على جانبي الجدار في تشجيع العمال على التسلل عبره بسبب الاكتظاظ السكاني على جانبيه، ووجود فلسطينيين يساعدون في عملية التهريب. لكن ذلك دفع الشرطة الإسرائيلية، خلال الأسابيع الماضية، إلى تشديد الإجراءات الأمنية هناك في محاولة للحد من عمليات التسلل.
كاميرات مراقبة
ومن أجل ذلك نصبت كاميرات مراقبة وكثفت دورياتها، وزادت من حالات إطلاق الرصاص على المتسللين، مما أدى إلى قتلها تسعة عمال فلسطينيين خلال السنتين الماضيتين وإصابة 150 آخرين واعتقال مئات.
وصباح كل يوم يصل إلى بلدة الرام مئات العمال الفلسطينيين، ويتسلقون الجدار عبر سلم منصوب عليه، قبل أن ينزلوا بحبل من الجهة المقابلة في بيت حنينا، حيث تكون مركبة في انتظارهم لإيصالهم إلى مكان عملهم في داخل إسرائيل، لكن أعداد هؤلاء العمال المتسللين عبر بلدة الرام انخفض بصورة كبيرة بسبب الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية.
جدار الفصل العنصري
ومساء يوم الثلاثاء الماضي قتل الجيش الإسرائيلي علي قطوسة (44 سنة)، خلال محاولته اجتياز جدار الفصل العنصري في بلدة الرام.
وقتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 60 عاملاً فلسطينياً خلال محاولتهم التسللل إلى داخل الخط الأخضر، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.
واعتقلت الشرطة الإسرائيلية متهمين فلسطينيين بتسهيل تهريب العمال، في محاولة منها للقضاء على هذه الظاهرة.
12 ألف عامل
وخلال عام 2025 اعتقلت الشرطة الإسرائيلية أكثر من 12 ألف عامل من دون تصريح، سواء خلال محاولتهم التسلل أم في أماكن عملهم. ومع أن آلاف العمال يدركون حجم المخاطرة بحياتهم، لكنهم يواصلون التدفق على إسرائيل، التي تحظر منحهم تصاريح عمل منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.
400 مليون دولار شهرياً
وكانت العمالة الفلسطينية في إسرائيل تشكل ربع القوة العاملة في الضفة الغربية، بعائدات تجاوزت 400 مليون دولار شهرياً.
وأدى حرمانهم من العمل منذ بدء الحرب إلى خسارة تصل إلى 10 مليارات دولار أميركي، وإلى فقدان الاقتصاد المحلي رافداً مهماً من مدخلاته. لكن عدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني على استيعاب هؤلاء العمال يدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى داخل إسرائيل، حيث مصدر دخلهم.
مستوطنات
ومع ذلك، فإن أكثر من 40 ألف عامل تمكنوا من دخول إسرائيل، 8 آلاف منهم فقط حصلوا على تصاريح دخول، وفق الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين شاهر سعد.
يضاف إلى ذلك 38 ألف عامل فلسطيني، يعملون في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الارتباط بين الاقتصاد الفلسطيني والإسرائيلي
في السياق، رأى الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد عواوده أنه على رغم الإجراءات الإسرائيلية الحازمة لمنع عمليات التسلل، إلا أن "الجغرافيا والديمغرافيا وطبيعة الجدار تسهم في وجود مناطق رخوة تتيح دخول العمال إسرائيل"، وأوضح أن بلدة الرام تقابل بلدة بيت حنينا حيث يوجد كثافة سكانية فلسطينية في كلتيهما، مما يسهل عملية التسلل. وأشار إلى أن الحكومة الحالية التي يقودها اليمين الإسرائيلي المتطرف "تنتهج سياسية تقوم على التضييق الاقتصادي على الفلسطينيين وإفقارهم، ودفعهم إلى الهجرة". وأوضح أن الائتلاف الحكومي "يسعى إلى التخلص من مسؤولية توفير حياة اقتصادية مريحة للفلسطينيين كي تضمن إسرائيل الهدوء كما كانت تنص النظرية الأمنية الإسرائيلية قبل سنوات"، وأضاف أن السياسية الجديدة "تستهدف خفض عدد الفلسطينيين بالقتل والتجويع والهجرة". وبحسب عواوده أيضاً، فإن سياسة إسرائيل في منع التهريب لم "تنجح حتى الآن بسبب صعوبة سيطرتها على الحدود مع الضفة الغربية، وبحكم أن الجدار لم يبن في كاملها، أو يكون منخفضاً من الجهة المقابلة"، وانتقد إبقاء السلطة الفلسطينية الارتباط بين الاقتصاد الفلسطيني والإسرائيلي بعد توقيع اتفاق أوسلو، "كان يجب فك الارتباط والتوجه إلى الدول العربية".
200 ألف عامل
واعتبر الباحث في "مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية" أشرف سمارة، من ناحيته، "أن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وقلة فرص العمل، أدى إلى عدم استيعاب أكثر من 200 ألف عامل كانوا يعملون في إسرائيل"، وأوضح أن أكثر من 80 في المئة من هؤلاء لم يعودوا لعملهم منذ نحو سنتين ونصف سنة، وأشار إلى أن ذلك يدفع بهؤلاء إلى "المخاطرة بحياتهم وتعريض أنفسهم لخطر القتل أو الإصابة أو الاعتقال وحتى السقوط والإصابة خلال عملية التسلق والنزول"، وبحسب سمارة فإن منع عشرات آلاف العمال من دخول إسرائيل امتد فترة زمنية طويلة، وغير مسبوقة، على عكس المرات السابقة التي كانوا فيها يمنعونهم من الدخول لأسابيع.
وعلى رغم المخاطرة بحياتهم، فإن آلاف العمال يضطرون إلى دفع مبالغ مالية تصل إلى 300 دولار للسماسرة، من أجل مساعدتهم في التهريب إلى إسرائيل.