ملخص
سيضم نظام "راسفيت" للأقمار الاصطناعية ما بين 292 و318 قمراً بحلول نهاية عام 2028. وقد تتجاوز كلفة هذا النظام 5 مليارات دولار، وهذا يعني أن متوسط كلفة قمر "راسفيت" الواحد، بما في ذلك كلفة خدمات الإطلاق، سيبلغ 15.7 مليون دولار، أي ما يقارب 15 ضعف كلفة إنتاج قمر "ستارلينك" ووضعه في مداره.
قرار الهجوم على أوكرانيا في عام 2022 ترافق مع تداعيات كبيرة على روسيا، إذ تبين جلياً للعالم مدى قصور قدراتها المحلية في مجال الأقمار الاصطناعية، مما اضطر قواتها العسكرية إلى الاعتماد على محطات "ستارلينك" الأميركية التي جرى الاستيلاء عليها أو تهريبها. إلا أنه بعد أن أوقفت شركة "سبيس إكس" هذه الاتصالات غير المشروعة في أوائل هذا العام، اضطرت موسكو إلى سد هذه الفجوة بالتحول نحو حل سريع، وهو كوكبة أقمار اصطناعية شبيهة بـ"ستارلينك" طورت بالتعاون مع شركة "شنغهاي سبيسكوم" الصينية لتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية.
وقد أطلقت روسيا في الـ23 من مارس (آذار) الماضي، 16 قمراً اصطناعياً صغيراً إلى المدار الأرضي المنخفض، ما عرف بمشروع "راسفيت"، الذي يعني "الفجر" بالروسية، في ما وصفوه بأنه محاولة لبناء كوكبة أقمار اصطناعية سيادية ذات نطاق ترددي واسع في مدار أرضي منخفض. ومن خلال تبني تصاميم الأجهزة الصينية، يبدو أن موسكو قد اكتسبت ما يعادل مشروع "ستارلينك" في ساحة المعركة، لكنها تخاطر في الوقت ذاته بالوقوع في تبعية طويلة الأمد وغير مستقرة لبكين مقابل حصولها على هذه التكنولوجيا.
فجوة موسكو في الاتصالات الفضائية التكتيكية
حين شنت روسيا هجومها الشامل على أوكرانيا، كان مخزونها الفضائي المخصص للحرب غير مجهز بصورة كافية لمتطلبات الحرب الحديثة عالية الكثافة، خصوصاً أن أنظمة الاتصالات العسكرية الرئيسة افتقرت إلى السعة وكثافة الأقمار الاصطناعية اللازمة لدعم القوات الروسية المنتشرة على جبهة طولها 1000 كيلومتر. وبينما كان نظام "ستريلا-3 أم/رودنيك" ذو المدار المنخفض يعمل جزئياً، إلا أن قلة عدد أقماره الاصطناعية حدت من قدرته على أداء دور دعم محدود إلى جانب نظيره التجاري "غونيتس-أم".
كذلك كان أسطول "إكسبريس" الروسي من الأقمار الاصطناعية التجارية غير متاح للجيش، إذ كانت سعته محجوزة بالكامل لعملائه من الشركات. ونتيجة لذلك، اضطرت أقمار "يامال" الاصطناعية التابعة لشركة "غازبروم" العملاقة للطاقة المملوكة للدولة إلى محاولة سد الثغرات المتبقية، لكنها لم تستطع تلبية متطلبات الاتصالات العسكرية إلا جزئياً. وأدى هذا النقص المنهجي، الذي تفاقم بسبب نقص محطات الأقمار الاصطناعية الأرضية المتنقلة، والتي كان العديد منها قديماً وضخماً، إلى وضع القوات الروسية في موقف حرج يتمثل في الاعتماد على أجهزة "ستارلينك" التي جرى الاستيلاء عليها أو تهريبها لتوفير الاتصال في ساحة المعركة.
اللجوء إلى "ستارلينك"
نتيجةً لهذه النواقص في اتصالاتها الفضائية خلال الحرب، اضطرت القوات العسكرية الروسية للتحول إلى استخدام "ستارلينك" في ساحة المعركة في وقت مبكر من خريف عام 2022، وذلك بعد بدء استخدامهم للمحطات الأوكرانية التي جرى الاستيلاء عليها. ونظراً لأهمية هذه المحطات للعمليات العسكرية الروسية، سعت موسكو إلى تلبية حاجاتها من الاتصالات في ساحة المعركة من خلال تطوير شبكة تهريب سرية ضخمة في الخارج.
وقد مكنت هذه المشتريات موسكو من إجراء عمليات استحواذ سرية كبيرة على محطات "ستارلينك" في الخارج، والتي حصلت على معظمها من أوروبا وتركيا وعدد قليل من الدول الأخرى. وفي الواقع، كان عدد محطات "ستارلينك" التي حصلت عليها موسكو كبيراً لدرجة أن القوات الروسية بدأت بتركيبها على طائرات مسيرة من طراز "شاهد"، تُستخدم في غارات على المدن الأوكرانية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية.
لكن كل هذا المشهد تبدل بحلول فبراير (شباط) الماضي، حين أوقفت شركة "سبيس إكس" تشغيل جميع المحطات التي حصلت عليها القوات الروسية بطريقة غير شرعية، مما تسبب في انهيار موقت ولكنه كبير لأنظمة الاتصالات العسكرية الروسية في أوكرانيا. وهنا كان لا بد من طرح حل جذري للمشكلة لا سيما أن موسكو واصلت البحث عن حل مقبول لمشكلتها من خلال الاستثمار في تطوير نظام قادر على استبدال "ستارلينك" خلال الفترة من 2022 إلى 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شبكة "راسفيت"
كما سبق وأسلفنا، أطلقت روسيا في مارس الماضي دفعة من 16 قمراً اصطناعياً صغيراً للاتصالات واسعة النطاق إلى مدارها، من قاعدة إطلاق الصواريخ الفضائية العسكرية الروسية "بليسيتسك". وبحلول منتصف أبريل (نيسان) الماضي، كانت هذه الأقمار لا تزال في المراحل الأولى من النشر، إذ كان عليها الانتقال من مدارها الأولي على ارتفاع 300 كيلومتر، إلى مدار تشغيلي على ارتفاع 800 كيلومتر باستخدام محركات دفع كهربائية مدمجة. وتتولى تطوير وتصنيع هذه الأقمار شركة فضائية روسية خاصة تعرف باسم "مكتب 1440"، تابعة لمجموعة "إكس هولدينغ"، وتركز على أجهزة وبرامج مراقبة الإنترنت وتأمينه، وترتبط بقيادة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي.
سيضم نظام "راسفيت" للأقمار الاصطناعية ما بين 292 و318 قمراً بحلول نهاية عام 2028. وقد تتجاوز كلفة هذا النظام 5 مليارات دولار، وهذا يعني أن متوسط كلفة قمر "راسفيت" الواحد، بما في ذلك كلفة خدمات الإطلاق، سيبلغ 15.7 مليون دولار، أي ما يقارب 15 ضعف كلفة إنتاج قمر "ستارلينك" ووضعه في مداره.
وتأتي هذه الأقمار الاصطناعية بجيلين، إذ يزن "راسفيت-1"، وهو الإصدار الذي أُطلق في مارس 2026، نحو 80 كيلوغراماً، أما "راسفيت-2"، المخطط لإطلاقه في مراحل لاحقة، فيزن ضعف وزن "راسفيت-1" تقريباً ليصل إلى 160 كيلوغراماً، ويضيف محطات اتصالات ليزرية للوصلات بين الأقمار الاصطناعية، ومعدات شبكة الجيل الخامس غير الأرضية للاتصال المباشر بالأجهزة الخلوية القياسية.
وتجدر الإشارة إلى أن نظام "راسفيت" الروسي يتأخر عن نظام "ستارلينك" بأعوام، وهو أصغر بكثير من أسطول "سبيس إكس" المنتشر، ويعتمد على بنية تحتية للإطلاق وقاعدة صناعية تعمل في ظل قيود كبيرة.
المسألة الصينية
بعيد توقفها عن الاستفادة من "ستارلينك"، سارعت موسكو في تنفيذ مشروع "راسفيت" وبدأت بالتواصل المباشر مع شركات الفضاء الصينية. وقد رُبط اسم شركة "شنغهاي سبيسكوم" لتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، وهي شركة صينية تعمل على تطوير كوكبة أقمار اصطناعية خاصة بها في المدار الأرضي المنخفض، بمشروع موسكو الجديد.
تمتلك الصين القدرة التصنيعية وسلاسل توريد المكونات والخبرة في إنتاج الأقمار الاصطناعية، التي تفتقر إليها روسيا حالياً بالحجم المطلوب. وتستطيع الشركات الصينية إنتاج منصات الأقمار الاصطناعية والألواح الشمسية وعجلات التفاعل وحمولات الاتصالات بكميات وكلف لا تستطيع الصناعة الروسية مجاراتها في ظل العقوبات الحالية.
وما ذكرناه آنفاً يحوي في طياته معضلة كبيرة، فمشروع "راسفيت" قائم لأن روسيا أدركت أن الاعتماد على البنية التحتية للأقمار الاصطناعية لدولة أجنبية يخلق نقطة ضعف استراتيجية، لذا فإن بناء منظومة "راسفيت" باستخدام تكنولوجيا ومكونات قوة أجنبية أخرى، لا يزيل نقطة الضعف بقدر ما ينقلها.
لا يعني هذا أن مسار التعاون الصيني خاطئ، فقد يكون السبيل الوحيد للالتزام بالجدول الزمني للنشر، لكنه يحول "راسفيت" من مشروع سيادي بحت إلى منظومة أكثر تعقيداً توفر استقلالية تشغيلية عن الأنظمة الغربية، بينما تنشئ تبعيات جديدة مرتبطة بالأنظمة الشرقية. ويتوقف قبول المخططين العسكريين الروس لهذه المقايضة على افتراضات حول متانة العلاقة الصينية- الروسية، وهي افتراضات سياسية بطبيعتها وليست تقنية.
تطبيقاته العسكرية
لا ينفصل البعد العسكري لشبكة "راسفيت" عن غرضها التجاري، إذ صممت بنية النظام ثنائية الاستخدام منذ البداية لخدمة المستخدمين الحكوميين والعسكريين إلى جانب عملاء النطاق العريض المدنيين. وبالنسبة للوحدات العسكرية العاملة في مناطق تفتقر إلى بنية تحتية أرضية موثوقة، يعد الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية، حتى وإن كان متقطعاً، ترقية كبيرة مقارنةً بانعدام الاتصال تماماً. ومع نمو النظام، تتقلص فجوات التغطية، وتندمج نوافذ الاتصال لتشكل خدمة مستمرة.
ويعد التحكم في الطائرات المسيرة تطبيقاً آخر ذا أولوية، حيث تتطلب المسيرات العسكرية الحديثة روابط بيانات مستمرة للتحكم في الوقت الفعلي وتغذية أجهزة الاستشعار. وقد اعتمدت القوات الروسية في أوكرانيا بصورة كبيرة على طائرات مسيرة تكتيكية قصيرة المدى مزودة بروابط لاسلكية ضمن نطاق الرؤية المباشرة. من هنا يتيح نظام الأقمار الاصطناعية، ذو النطاق العريض في المدار الأرضي المنخفض، إمكان تشغيل مسيرات خارج نطاق الرؤية البصرية، يتحكم بها عبر الأقمار الاصطناعية، مما يوسع نطاق العمليات ويقلل من تعرض محطات التحكم الأرضية لنيران المدفعية المضادة.