Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مواجهة دولية ـ إقليمية عنوانها تشكيل الحكومة العراقية

بدأت تبرز تساؤلات جدية حول احتمال اعتذار الزيدي مع استمرار الانسداد السياسي

الزيدي بين الضغط الأميركي وتجنب انفجار البيت الشيعي في الداخل (أ ف ب)

ملخص

العقدة الأخطر تبقى مرتبطة بالفصائل المسلحة، فالقوى القريبة من إيران تمتلك ما يقرب من 100 مقعد داخل البرلمان، مما يجعل استبعادها الكامل من الحكومة أمراً شبه مستحيل سياسياً، فيما يؤدي إشراكها إلى تعقيد علاقة بغداد بواشنطن.

بحسب تسريبات من اجتماعات مغلقة، فإن قاآني شدد على ضرورة عدم تقديم أي تنازلات تتعلق بسلاح الفصائل أو إعادة هيكلة هيئة "الحشد الشعبي"، وأعلن أن هذه الملفات تمثل "خطوطاً حمراء" بالنسبة إلى "محور المقاومة".

للمرة الأولى منذ أعوام، أخذت معركة تشكيل الحكومة العراقية منحى أبعد من مجرد خلافات على الوزارات والمناصب، وأقرب إلى مواجهة إقليمية - دولية مفتوحة تخاض داخل بغداد، عنوانها الأبرز، من يملك القرار النهائي في العراق؟

فبعد أكثر من نصف المهلة الدستورية الممنوحة لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، ما تزال حكومته عالقة بين ضغوط واشنطن وشروط طهران، وبين صراع القوى الشيعية على الحصص والنفوذ، في وقت تتصاعد فيه مؤشرات التأجيل، وتزداد التقديرات السياسية التي تتحدث عن احتمال تعثر تمرير الكابينة الوزارية بالكامل، أو الذهاب إلى صيغة "الحكومة الناقصة"، أو حتى العودة لنقطة الصفر والبحث عن بديل سياسي جديد.

لكن خلف هذا التعثر، يتشكل مشهد أكثر عمقاً من مجرد أزمة تشكيل حكومة، إذ تشير التطورات الأخيرة إلى محاولة أميركية غير مسبوقة لإعادة هندسة التوازنات داخل النظام السياسي العراقي، عبر تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المقربة من إيران، وربط الاعتراف الدولي بالحكومة الجديدة بمدى قدرتها على ضبط السلاح وإنهاء ازدواجية القرار الأمني.

وبينما ترى واشنطن أن لحظة ما بعد الحرب الإقليمية الأخيرة تمثل فرصة لإعادة ترتيب البيت العراقي، تنظر طهران إلى هذه التحركات بوصفها تهديداً مباشراً لنفوذ بنته على مدى أكثر من عقدين داخل مؤسسات الدولة العراقية.

حكومة تحت الاختبار الأميركي

منذ تكليف علي الزيدي، بدا واضحاً أن الرجل لا يتحرك داخل الهوامش التقليدية، التي حكمت تشكيل الحكومات العراقية السابقة.

فالحديث داخل الأوساط السياسية الشيعية لم يعد يقتصر على توزيع الوزارات، بل انتقل إلى ملف أكثر حساسية يتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة نفسها، ودورها داخل السلطة الجديدة.

وخلال الأسابيع الماضية، تصاعدت التسريبات عن وجود "فيتو" أميركي على مشاركة فصائل وشخصيات مرتبطة بأجنحة مسلحة في الحكومة المقبلة، بالتزامن مع معلومات عن قائمة تضم ست فصائل في الأقل، من بينها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"كتائب سيد الشهداء" و"أنصار الله الأوفياء".

وتشير المعطيات المتداولة داخل بغداد إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغت القوى السياسية العراقية، بصورة غير مباشرة، أن أية حكومة تضم ممثلين عن هذه الفصائل قد تواجه مقاطعة سياسية واقتصادية، وربما عقوبات مالية أوسع.

هذا التحول دفع قوى داخل "الإطار التنسيقي" إلى التعامل مع ملف السلاح بوصفه "استحقاقاً لا يمكن تأجيله"، وليس مجرد شعار سياسي.

النائب عن كتلة "صادقون" عادل الركابي كشف بصورة غير مباشرة عن حجم الضغوط الأميركية، حين تحدث عن أن "ثلثي الكابينة سيمرران، بينما سيبقى الثلث الأخير مرتبطاً بالحوار حول مشاركة الفصائل".

الأكثر أهمية في تصريحات الركابي لم يكن الحديث عن توزيع الوزارات، بل إقراره بأن "غالبية الفصائل وصلت إلى قناعة بأن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة"، مع بقاء الخلاف على آليات التسليم والجهة التي ستتولى الملف.

وهو تطور يراه مراقبون مؤشراً على انتقال النقاش من مرحلة الرفض المطلق إلى مرحلة البحث عن مخرج سياسي، يحفظ للفصائل حضورها داخل الدولة من دون الصدام المباشر مع واشنطن.

طهران تتحرك لمنع الخسارة

في المقابل، لم تقف إيران متفرجة أمام التحولات الجارية، فبعد هدوء نسبي أعقب ما بات يعرف بـ"حرب الـ40 يوماً" بين إيران من جهة وإسرائيل وأميركا من جهة أخرى، عاد قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني لبغداد أكثر من مرة خلال فترة قصيرة، في زيارات حملت رسائل واضحة إلى حلفاء طهران داخل العراق.

وبحسب تسريبات من اجتماعات مغلقة، فإن قاآني شدد على ضرورة عدم تقديم أي تنازلات تتعلق بسلاح الفصائل أو إعادة هيكلة هيئة "الحشد الشعبي"، وأعلن أن هذه الملفات تمثل "خطوطاً حمراء" بالنسبة إلى "محور المقاومة".

وتقول مصادر سياسية مطلعة إن طهران تخشى أن يتحول دعم واشنطن المفتوح لعلي الزيدي إلى بوابة لإطلاق عملية تدريجية، تهدف إلى تقليص نفوذ الجماعات المسلحة داخل المؤسسات الأمنية والإدارية العراقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولهذا تضغط إيران باتجاه ضمان مشاركة الفصائل في الحكومة الجديدة، أو في الأقل منع أي ترتيبات قد تؤدي إلى عزلها سياسياً وأمنياً.

ويبدو أن هذه الضغوط أسهمت بصورة مباشرة في تعطيل جلسة منح الثقة، بعدما كانت قوى داخل "الإطار التنسيقي" تقترب من تفاهمات أولية مع الزيدي في شأن شكل الحكومة.

"الإطار" بين الانقسام والخوف

داخلياً، لا تبدو أزمة الحكومة مرتبطة فقط بالعاملين الأميركي والإيراني، بل أيضاً بانقسام البيت الشيعي نفسه. فالقوى الرئيسة داخل "الإطار التنسيقي" تخوض صراعاً حاداً على الوزارات السيادية والأمنية، خصوصاً الداخلية والنفط.

ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة محمد شياع السوداني يطالب بحصة تتناسب مع حجمه البرلماني، ويرفض الاكتفاء بحقائب خدمية، فيما يدفع جناح نوري المالكي باتجاه الاحتفاظ بنفوذه داخل المؤسسات الأمنية.

وفي خلفية هذا الاشتباك، يبرز خلاف آخر يتعلق بإعادة شخصيات من "الحرس القديم" للواجهة، مثل فالح الفياض وأحمد الأسدي، وهو ما تعترض عليه أطراف ترى أن الشارع العراقي بات أكثر حساسية تجاه إعادة تدوير النخب التقليدية.

لكن العقدة الأخطر تبقى مرتبطة بالفصائل المسلحة، فالقوى القريبة من إيران تمتلك ما يقرب من 100 مقعد داخل البرلمان، مما يجعل استبعادها الكامل من الحكومة أمراً شبه مستحيل سياسياً، فيما يؤدي إشراكها إلى تعقيد علاقة بغداد بواشنطن.

وهنا يجد الزيدي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد، كيف يوازن بين الحاجة إلى رضا الولايات المتحدة، وبين تجنب انفجار البيت الشيعي من الداخل؟

هل ينجح مشروع "حصر السلاح"؟

اللافت أن خطاب بعض الفصائل شهد خلال الأيام الأخيرة تحولاً جزئياً، إذ بدأ الحديث يدور عن إمكان "تنظيم ملف السلاح"، بدلاً من رفض النقاش بالكامل.

معاون الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق" ليث الخزعلي قال إن التعامل مع ملف "حصر السلاح" ممكن إذا جاء "بقرار عراقي وطني ومن رؤية المرجعية و’الإطار التنسيقي‘"، نافياً في الوقت نفسه وجود أية موافقة حالية على تسليم السلاح استجابة لضغوط خارجية.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يعكس محاولة لشراء الوقت وإعادة صياغة التفاهمات مع واشنطن، خصوصاً مع تزايد المخاوف من عقوبات اقتصادية أو سياسية قد تطاول الحكومة المقبلة.

كذلك فإن بعض الفصائل باتت تدرك أن المزاج الدولي والإقليمي تغير بعد الحرب الأخيرة، وأن استمرار الصيغة الحالية قد يضع العراق أمام عزلة سياسية واقتصادية معقدة.

ويقول الباحث في الشؤون السياسية العراقية سيف الأسدي إن ما يجري حالياً "ليس مجرد أزمة تشكيل حكومة، بل محاولة لإعادة تعريف طبيعة النظام السياسي العراقي بعد 2003".

ويضيف أن "واشنطن انتقلت من سياسة إدارة النفوذ الإيراني داخل العراق إلى محاولة تقليصه بصورة تدريجية، مستفيدة من المتغيرات الإقليمية الأخيرة، ومن حالة الإنهاك التي تعيشها بعض الفصائل بعد أعوام من الصراع".

ويعتقد الأسدي أن الولايات المتحدة "لا تسعى إلى مواجهة شاملة مع الفصائل، بل إلى تحويلها من قوى عسكرية موازية للدولة إلى كيانات سياسية منزوعة التأثير الأمني".

لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن "أية محاولة سريعة أو قسرية لنزع سلاح الفصائل قد تدفع البلاد إلى توتر أمني وسياسي كبير"، مشيراً إلى أن إيران "لن تقبل بسهولة بخسارة أهم ساحة نفوذ لها في المنطقة".

ويرى أن السيناريو الأقرب يتمثل في "تسوية تدريجية" تقوم على دمج بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة، في مقابل تقليص دورها العسكري بصورة غير معلنة.

من جهته، يقول الخبير في العلاقات الدولية فارس رياض، "علي الزيدي أصبح عملياً نقطة تقاطع بين مشروعين متصارعين، مشروع أميركي يريد إعادة ضبط الدولة العراقية، ومشروع إيراني يسعى إلى الحفاظ على البنية الحالية للنظام".

ويؤكد أن "الدعم الأميركي غير المسبوق للزيدي ليس مجانياً، بل مرتبطاً بحزمة مطالب تتعلق بالسلاح وهيكلة الحشد والعلاقة مع الفصائل".

ويضيف أن "واشنطن تراهن على أن الأزمة الاقتصادية والضغوط الدولية، ستدفعان جزءاً من القوى الشيعية إلى القبول بتنازلات لم تكن ممكنة قبل أعوام".

لكن رياض يستبعد أن تتمكن الولايات المتحدة من "إقصاء كامل" للفصائل، موضحاً أن "الواقع البرلماني والسياسي العراقي يجعل أية محاولة من هذا النوع شبه مستحيلة".

ويرى أن الحل قد يتجه نحو "فصل الجناح السياسي عن العسكري"، والسماح بمشاركة قوى مرتبطة بالفصائل بشرط عدم تولي شخصيات مصنفة أميركياً حقائب أمنية أو سيادية.

هل يعتذر الزيدي؟

ومع استمرار الانسداد السياسي، بدأت تبرز داخل بغداد تساؤلات جدية حول احتمال اعتذار علي الزيدي عن تشكيل الحكومة، خصوصاً إذا اقتربت المهلة الدستورية من نهايتها من دون اتفاق.

ويرى سياسيون أن الذهاب إلى جلسة تصويت غير مضمونة قد يمثل مغامرة خطرة لـ"الإطار التنسيقي"، لأن فشل تمرير الحكومة قد يفتح الباب أمام أزمة دستورية وسياسية أوسع.

ولهذا، تحاول القوى الشيعية تجنب الوصول إلى لحظة الانهيار الكامل، عبر البحث عن صيغة تسوية تسمح بتمرير الحد الأدنى من الحكومة وتأجيل الملفات الخلافية.

لكن حتى هذا الخيار يبدو محفوفاً بالأخطار، لأن الأزمة الحالية تجاوزت مسألة الحقائب الوزارية، وأصبحت مرتبطة بمستقبل التوازنات الإقليمية داخل العراق نفسه.

المزيد من تقارير