ملخص
تشكل خلفية حزب "العدالة والتنمية" الفكرية عائقاً له في مناخ سياسي يطغى عليه التوجه الليبرالي في المغرب، بالتالي تجر عليه سيلاً من الانتقادات تصل إلى حد الدعوة لحله، تُضاف إلى ذلك مجموعة من العوامل التي يتحمل الحزب مسؤوليها.
أعاد أحد الباحثين المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي مطلب حل حزب "العدالة والتنمية" المغربي إلى الواجهة، إذ دعا في أحد الفيديوهات العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى وقف نشاط الحزب، بدعوى أنه يسير ضد مصالح الدولة، وأنه من المرجح أن "يخرج عن السيطرة". وأثير هذا المطلب خلال بعض المراحل الحساسة التي شهدتها العقود الثلاثة الأخيرة في المغرب، كان أهمها في أعقاب الأحداث الإرهابية التي شهدها المغرب خلال الـ16 من مايو (أيار) 2003، حين اتهم التيار الإسلامي بالضلوع فيها، بالتالي حمل "العدالة والتنمية" المسؤولية المعنوية عنها، فشهدت الدعوة لوقف نشاطه آنذاك زخماً كبيراً، لكن الحزب يعد أن ذلك المطلب يدخل في إطار حملة لضرب شعبيته.
من النزاهة إلى الخطايا
ولد حزب "العدالة والتنمية" من رحم "الحركة الوطنية" التي عملت على إنهاء الاستعمار، إذ قام السياسي المعروف الدكتور عبدالكريم الخطيب وبعض رفاقه خلال عام 1967 بالانشقاق عن حزب "الحركة الشعبية" (تأسس عام 1959 على يد شخصيات وطنية وأعضاء في جيش التحرير) احتجاجاً على بعض مواقف الحزب، وأنشأوا حزب "الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية"، إلى أن التقى الخطيب مجموعة من نشطاء الحركة الإسلامية ممن يشاركونه التوجهات نفسها السياسية، خلال وقت كان يمنع فيه إنشاء هيئات سياسية إسلامية. وأسهم التقارب الفكري بين الطرفين في انضمامهم للحزب عام 1996، ومن ثم تقرر تغيير اسمه إلى حزب "العدالة والتنمية".
عانى الحزب الجديد في بدايته التضييق من طرف السلطة، إذ كانت تحدد له الدوائر الانتخابية التي يمكنه الترشح فيها. وبالنظر إلى قضايا الفساد المتكررة التي كانت تنسب لجل باقي الأحزاب المغربية، شكل حزب "العدالة والتنمية" بديلاً جيداً في ما عرف بمرحلة "الربيع العربي"، إذ حصل على الرتبة الأولى في نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2011، وقاد للمرة الأولى الحكومة. وعلى رغم أن تدبيره الحكومي أو المحلي كان أبعد ما يكون عن شبهات الفساد، فإن الحزب عانى انتقادات لاذعة خلال ولايتيه الحكوميتين، سواء من طرف "الذباب الإلكتروني" أو من طرف منابر إعلامية موالية للأحزاب المناهضة له. وتسبب قيام زعيمه عبده الإله بنكيران (رئيس الحكومة 2012-2016) برفع الدعم عن المحروقات (كخطوة أولى لإصلاح نظام المقاصة)، بدعوى أن ذلك الدعم كان تستفيد منه بصورة كبيرة فئات ميسورة، في تراجع شعبية الحزب. لكن الضربة القاضية لتلك الشعبية كانت حين وقع قيادي الحزب سعد الدين العثماني (رئيس الحكومة 2017-2021) اتفاق التطبيع مع إسرائيل عام 2020، على رغم أن الحزب أعلن مواصلته رفض ذلك التطبيع.
خلفيات الدعوة للحل
تشكل خلفية حزب "العدالة والتنمية" الفكرية عائقاً له في مناخ سياسي يطغى عليه التوجه الليبرالي في المغرب، بالتالي تجر عليه سيلاً من الانتقادات تصل إلى حد الدعوة لحله، تضاف إلى ذلك مجموعة من العوامل التي يتحمل الحزب مسؤوليها. ويوضح المحلل السياسي رشيد الأزرق أن "المطالبة بحل الحزب حين تطرح في النقاش العام، ترتبط جزئياً بحساسية مرجعيته الإسلامية داخل الحقل السياسي، لكنها ترتبط أيضاً، وربما أكثر، بتجربته في التدبير الحكومي وما خلفته من خيبة أمل لدى جزء من ناخبيه وقاعدته الاجتماعية"، مشيراً إلى أنه "انتقل من خطاب المعارضة والأخلاق السياسية ومحاربة الفساد إلى موقع السلطة، إذ ظهرت حدود قدرته على تحويل خطابه إلى سياسات عمومية ملموسة"، مضيفاً أن "الإسلاميين في المغرب أُدمجوا في المجال السياسي بشرط واضح، يتمثل في العمل كحزب مدني داخل قواعد الدستور، لا كفاعل يحتكر الدين أو الشرعية الأخلاقية".
وبخصوص إمكانية تعافي الحزب من النكسة التي لحقت به خلال الانتخابات البرلمانية لعام 2021، يوضح المحلل السياسي أنها "ممكنة لكنها لن تكون بنفس الزخم السابق، إلا إذا قدم نقداً ذاتياً حقيقياً، وجدد خطابه وقياداته، واستعاد ثقة الناخبين بعرض سياسي واضح".
رد الحزب
وخلال وقت يسعى فيه الحزب الإسلامي إلى استعادة شعبيه قبيل الانتخابات التشريعية المقبلة المزمع إجراؤها خلال الـ23 من سبتمبر (أيلول) المقبل، وذلك بعد الإخفاق الذي حصده خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة (2021)، إذ حل في المرتبة الثامنة بـ13 مقعداً، بعدما ترأس الحكومة لولايتين إثر حصوله على المرتبة الأولى خلال انتخابات عامي 2011 و2016، يتهم الحزب منافسيه بمحاولة "شيطنته" بهدف الحد من أي احتمال لاستعادته شعبيته أو عودته إلى الحكومة. واتهم الأمين العام الحالي للحزب عبدالإله بنكيران جهات معينة باستخدام "مرتزقة" للنيل من سمعة الحزب، في إطار حملة ممنهجة، واصفاً الدعوة لحل حزبه بـ"دعوة جهلاء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جانبه أوضح المستشار الجماعي عن حزب "العدالة والتنمية" عبداللطيف السودو أن "الحديث عن حل الحزب لا يمكن فصله عن المنحى الإقصائي الذي يرى في الاختلاف تهديداً، وفي التعدد عبئاً ينبغي التخلص منه، والحال أن هذا الحزب، سواء اتفق معه أو اختلف، لم يعد مجرد تنظيم سياسي يمثل حساسية مجتمعية فحسب، بل أصبح جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي المغربي، وفاعلاً أساساً في مسار تطور التجربة الديمقراطية الوطنية".
ضد الإقصاء
وقوبلت الدعوة لحل حزب "العدالة والتنمية" بالرفض في المجال الحقوقي، إذ شدد نشطاء على حق الأحزاب على اختلاف توجهاتها في الوجود، معتبرين أن تلك الدعوة تدخل في نطاق الإقصاء.
وأوضح رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان إدريس السدراوي أن "ذلك المطلب يمس بجوهر التعددية والديمقراطية بالبلاد"، مشيراً إلى أن "’العدالة والتنمية‘ تعرض كغيره من الأحزاب التي تحملت مسؤولية التسيير، لانتقادات واسعة مرتبطة بالقرارات والسياسات العمومية والتدبير اليومي لقضايا المواطنين"، مضيفاً أنه يجب التفريق بين النقد السياسي والدعوة إلى الاستئصال والإلغاء.
ويؤكد الناشط الحقوقي أن "مواجهة الأحزاب والتيارات السياسية يجب أن تتم عبر النقاش الديمقراطي وتحليل البرامج والاحتكام إلى إرادة المواطنين، وليس عبر الدعوات إلى الحل والمنع والتضييق، باعتبار أن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بوجود الأحزاب المتفقة فحسب، بل أيضاً بقدرة الدولة والمجتمع على استيعاب المختلفين سياسياً وفكرياً داخل إطار القانون والمؤسسات". وأضاف أن "بعض الدعوات المتسرعة أو المتشنجة التي تستهدف مكونات سياسية وطنية، تخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة أجندات خارجية لا يهمها استقرار المغرب، بل تبحث عن إضعاف جبهته الداخلية وإثارة التوتر والانقسام المجتمعي".