ملخص
ينص مشروع قانون 104 لسنة 2025 المتعلق بسن أحكام خاصة بالتقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص، من دون شرط الأبناء على تمكين المرأة العاملة في القطاع الخاص، بداية من سن 50 سنة، من الإحالة إلى التقاعد بصفة اختيارية.
أثار مشروع القانون المتعلق بإقرار آلية للتقاعد المبكر لفائدة النساء العاملات في القطاع الخاص جدالاً واسعاً في الساحة الاجتماعية والحقوقية داخل تونس. ففي حين تعد بعض الأطراف أن المشروع يهدف إلى تمكين النساء من هامش أوسع للاختيار ومراعاة أوضاعهن الاجتماعية بخاصة العائلية، ترى جهات أخرى أنه خطوة تنطوي على أخطار جدية تمس بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين.
ودعت جمعية النساء الديمقراطيات إلى سحب المشروع لأنه يخل بـ"مبدأ المساواة وعدم التمييز"، محذرة من تداعياته المهنية والاقتصادية والاجتماعية. وقالت الجمعية في بيان لها إن القانون "يخرق مبدأ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، ويقيد المسار المهني للنساء عبر دفعهن إلى الخروج المبكر من سوق الشغل، ويحرمهن من فرص التدرج الوظيفي والترقيات والتكوين المستمر، والمشاركة المتساوية في مختلف مراحل التوظيف وصنع القرار".
على حساب النساء
أكدت الجمعية النسوية الأولى في تونس أن هذا القانون المطروح من البرلمان "يقوض الحق في العمل اللائق ويحول الاختيار إلى آلية ضغط غير مباشرة، بخاصة في ظل هشاشة أوضاع النساء العاملات في القطاع الخاص". وعبرت عن رفضها لهذا المشروع من حيث المبدأ، مشيرة إلى أن البحث عن "حلول للأزمة الاقتصادية أو لما عدته بطالة الرجال لا يمكن أن يجري على حساب النساء، ولا عبر التضحية بحقوقهن، ولا عبر إقصائهن من سوق الشغل"، وفق نص البيان.
وينص مشروع قانون 104 لسنة 2025 المتعلق بسن أحكام خاصة بالتقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص، من دون شرط الأبناء على تمكين المرأة العاملة في القطاع الخاص، بداية من سن 50 سنة، من الإحالة إلى التقاعد بصفة اختيارية، شرط استكمال ما يعادل 20 سنة من المساهمات الفعلية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مع التوقف النهائي عن النشاط المهني مقابل جراية.
ويقدم المقترح من قبل أصحاب المبادرة على أنه تعديل يهدف إلى إزالة تمييز سابق كان يربط الانتفاع بالتقاعد المبكر بشرط الأمومة لثلاثة أبناء.
ومقابل الجدل المرافق للقانون قال النائب في مجلس نواب الشعب وأحد المبادرين لمقترح القانون مليك كمون إن "مختلف المواقف مرحب بها من حيث المبدأ، في إطار التفاعل الإيجابي ومزيد تحسين المحتوى". وأضاف أن "تفاعل الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات مع مقترح القانون، طالما أنه في إطار النقد البناء، فنحن منفتحون على التفاعلات"، موضحاً أن ذلك ينطبق أيضاً على تفاعل مكونات المجتمع والرأي العام".
عالم مُوازٍ
من جانب آخر معاكس لموقف النسويات في تونس رأت الصحافية ريم شاكر أن مشروع قانون منح النساء في القطاع الخاص تقاعداً مبكراً من العمل "من أهم المشاريع التي لو جرت المصادقة عليها سيسهم بصورة كبيرة في التوازن الأسري وينعكس إيجاباً على مجتمعنا".
وواصلت شاكر حديثها بقولها "حببنا أو كرهنا، فإن غياب الأم يوماً كاملاً عن عائلتها بسبب العمل يسهم مباشرة في تشتت العائلة"، مضيفة، "نحن نعلم جميعاً هذا التشتت إلى أين يمكن أن يصل بالناشئة والمجتمع، لذا فمن الضروري المصادقة على هذا القانون في أقرب وقت ممكن". وقالت إنه قد يقلص من مظاهر سلبية عدة تظهر على الناشئة.
وانتقدت الصحافية سميرة الخياري كشو رفض النساء الديمقراطيات لهذا المشروع، معتبرة "أنهن يعشن في عالم مُوازٍ ولا يعرفن المعاناة الحقيقة التي تعيشها المرأة العاملة في تونس، والتي تجد نفسها مسؤولة عن المنزل والأطفال ودراستهم وإكراهات العمل وما ينجر عنه من ضغوط اجتماعية تنعكس سلباً على عائلتها وراحتها الجسدية والنفسية، بخاصة المهن التي تتطلب مجهوداً ذهنياً وجسدياً مثل وظيفة المعلمة والأستاذة والممرضة وغيرها من المهن".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووجهت رسالة إلى جمعية النساء الديمقراطيات، قائلة "حبذا لو ينزلن إلى الميدان ويشاهدن المعاناة الحقيقية، وكيف أن المرأة تخرج من بيتها في السابعة صباحاً لتفرغ من عملها وتعود في السادسة أو السابعة مساءً. هذا الواقع المرير يحتاج إلى وقفة حازمة".
إصلاح شامل
يرى المتخصص في مجال القانون يوسف بن عثمان أن "كل مشروع قبل إقراره قابل للمراجعة والتنقيح والتعديل، بل يجب أن يكون مفتوحاً على كل الأفكار"، مضيفاً أن "هذا المشروع تحديداً لا يمكن تناوله في عزلة عن أزمة منظومة التقاعد ككل". وتابع "لذلك يبدو من الضروري إدراج أي تعديل ضمن إصلاح شامل يراعي التوازنات المالية والاجتماعية، ويعتمد مقاربة تشاركية فعلية تشمل المنظمات الوطنية والخبراء وممثلي القطاع الخاص".
وقال بن عثمان، "إذا جرى الإبقاء على مبدأ التقاعد المبكر، فينبغي وضع ضمانات قانونية صريحة تمنع أي صورة من صور الضغط المباشر أو غير المباشر على النساء لدفعهن إلى المغادرة المبكرة، مع إقرار آليات رقابة وعقوبات واضحة في حال ثبوت التجاوزات". وأوضح أنه "يمكن التفكير في صيغة أكثر عدلاً تقوم على توسيع إمكان التقاعد المبكر، وفق شروط واقعية لتشمل الرجال والنساء على حد سواء، بما يقطع مع أي شبهة تمييز ويكرس فعلاً مبدأ المساواة أمام القانون".
ثم من الأجدى، بحسب بن عثمان، "توجيه الجهد التشريعي نحو تحسين ظروف العمل، وتدعيم سياسات التوفيق بين الحياة المهنية والعائلية بدل الدفع نحو الخروج النهائي من سوق الشغل"، معتقداً أنه "إذا كان الهدف هو إنصافهن ورفع التمييز عنهن، فإن الطريق الأسلم يمر عبر تعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص في الترقية والأجور، وإصلاح منظومة التقاعد برؤية شاملة لا ظرفية". وأعاد التذكير بأن "وحده هذا المسار كفيل بتحويل أي تعديل قانوني من خطوة مثيرة للجدل إلى مكسب اجتماعي حقيقي يعزز المساواة بدلاً من أن يضعها موضع تساؤل".
وبين خطاب يعد المشروع تصحيحاً لتمييز سابق ورسائل تحذر من تمييز جديد مغلف بخيار طوعي، يبقى السؤال مطروحاً حسب المتخصص في مجال القانون "هل يمثل التقاعد المبكر للنساء مكسباً اجتماعياً يعزز حرية الاختيار أم أنه خطوة قد تفضي عملياً إلى إقصاء ناعم من سوق الشغل وضرب فعلي لمبدأ المساواة؟".