ملخص
أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى اضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، مما كشف عن هشاشة اعتماد آسيا الكبير على واردات النفط والغاز ورفع كلفة الكهرباء والوقود في دول مثل الفيليبين وتايلاند والهند.
في أواخر مارس(آذار) الماضي وبعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، أعلنت الفيليبين حال طوارئ في قطاع الطاقة كاشفة عن هشاشة أوسع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وسرعان ما تبعتها دول مثل تايلاند وماليزيا وفيتنام وإندونيسيا باتخاذ إجراءات طارئة لترشيد استهلاك الطاقة، وتكشف هذه التطورات عن تصاعد التوتر بين تلبية الحاجات الفورية للطاقة وتحقيق أهداف التحول طويل الأمد، مما يثير تساؤلات حول مسار الطاقة في المنطقة.
ويُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للطاقة، إذ يتجه نحو 80 من المئة من النفط الخام الذي يمر عبره إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند واليابان، وفي دول "رابطة جنوب شرق آسيا" (آسيان) يأتي نحو 55 في المئة من واردات النفط الخام من الشرق الأوسط، وهو ما يضع قرابة 28 في المئة من استهلاك الطاقة النهائي في المنطقة تحت خطر التعطل المباشر، وقد أدى هذا التركز إلى صدمة مباشرة للمصافي وشركات الكهرباء والقطاعات الصناعية، ففي الدول المستوردة للطاقة مثل الفيليبين وتايلاند تنتقل أسعار النفط المرتفعة سريعاً إلى كلفة الكهرباء، مما يزيد الأعباء على الصناعة والنقل والأسر، وقد تسببت قفزات أسعار الوقود في انقطاعات كهرباء وتباطؤ الإنتاج وضغوط على دخول الأسر خلال أسابيع، وكذلك ارتفعت فاتورة واردات النفط والغاز في "دول آسيان" بنحو 3.36 مليار دولار شهرياً، أي بزيادة 3.4 في المئة عن التوقعات، وفقاً لتقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس).
نقاط الضعف في سوق الغاز
تُعد الأسواق الآسيوية أيضاً الوجهة الرئيسة لصادرات الغاز من قطر والإمارات، فخلال عام 2025 ذهب نحو 90 في المئة من الغاز المار عبر مضيق هرمز إلى آسيا في مقابل ما يزيد قليلاً على 10 في المئة وحسب إلى أوروبا، وتتفاقم الأخطار بسبب محدودية البدائل، على عكس أوروبا التي وسعت مصادرها عقب الحرب الروسية على أوكرانيا، فيما تعتمد دول مثل بنغلاديش وباكستان والهند بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، مما يجعلها عرضة لأي اضطراب، وفي الهند يمتد التأثير إلى غاز الطهي الذي يعتمد عليه أكثر من 330 مليون شخص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال "المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس" إن الاضطرابات الجيوسياسية تؤدي إلى تأثير مزدوج يتمثل في تعزيز الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، وفي الوقت نفسه زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري على المدى القصير، وقد دفعت الضغوط السياسية الحكومات إلى دعم الوقود وخفض الضرائب وفرض سقوف للأسعار، ففي ماليزيا تضاعفت فاتورة دعم الوقود خمس مرات، وفي كوريا الجنوبية فُرضت سقوف للأسعار وجرى توسيع استخدام الفحم، بينما أمرت الهند محطات الفحم بالعمل بأقصى طاقتها، واتخذت دول مثل بنغلاديش وتايلاند وفيتنام إجراءات مماثلة شملت تقليص أيام العمل ورفع درجات حرارة المكاتب للحد من استهلاك الكهرباء.
الطاقة المتجددة كخط دفاع
وعلى رغم ذلك فقد أظهرت بعض الدول مرونة أكبر، وساعد التوسع السريع في الطاقة الشمسية في فيتنام في تخفيف الصدمة، بينما خففت الصين من تأثير الأزمة بفضل احتياطاتها الكبيرة وتنوع مصادرها واستثماراتها في الطاقة المتجددة، وتشير تقديرات "منتدى دافوس" إلى أن استبدال محطات الغاز المخطط لها بالطاقة الشمسية وأنظمة التخزين قد يوفر نحو4 مليارات دولار لـ "دول آسيان" بحلول عام 2030، إذ تعزز الأزمة أيضاً أهمية الوقود النظيف المنتج محلياً مثل الوقود الحيوي والهيدروجين، وقد تعهدت الصين بتسريع تطوير قطاع الهيدروجين اعتماداً على الطاقة الشمسية والرياح المحلية.
وأظهرت تحليلات أن الوقود الحيوي خفّض الاعتماد على واردات الوقود في بعض الدول بنسبة تتراوح ما بين خمسة و15 في المئة، مما يعزز قدرته على امتصاص الصدمات الخارجية، وقد كشفت حرب الشرق الأوسط عن مفارقة واضحة في آسيا، وهي اعتماد موقت على الوقود الأحفوري لضمان الاستقرار، يقابله تسارع إستراتيجي نحو الطاقة النظيفة لتعزيز الأمن الطاقي على المدى الطويل.