Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ذكرى مجازر 1945 تتحول إلى رسالة تهدئة بين الجزائر وفرنسا

أعادت باريس سفيرها إلى مكتبه وشاركت رسمياً في إحياء ذكرى مجازرها بحق الوطنيين المطالبين بالتحرر

تبون مع سفير فرنسا لدى الجزائر ستيفان روماتي ووزيرة شؤون المحاربين القدامى الفرنسية أليس روفو، 9 مايو 2026 (أ ف ب)

ملخص

اختارت فرنسا ذكرى أليمة لإرسال إشارات "تهدئة" إلى الجزائر بعد توتر في العلاقات الثنائية لا يزال مستمراً في ظل الجفاء الحاصل، لكنها تعتبر خطوة تهدف إلى إعادة قنوات الاتصال المباشرة بعد فترة طويلة من دبلوماسية البيانات، كذلك تحمل دلالات تجمع بين التقارب والندية والصرامة، وتعكس رغبة الطرفين في الخروج من نفق التأزيم.

يبدو أن العلاقات الجزائرية - الفرنسية تتجه نحو الانفراج الحذر مع عودة السفير ستيفان روماتي، إلى مكتبه ومباشرة مهامه، بعد 12 شهراً من الغياب، وتزامناً مع إحياء الجزائريين ذكرى مجازر الثامن من مايو (أيار) 1945، التي شارك في مراسمها رفقة الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس ريفو، غير أن عدم إقدام الجزائر على أية خطوة مقابلة، ما عدا استقبالهما من طرف الرئيس تبون وقائد أركان الجيش السعيد شنقريحة، أثار تساؤلات.

خطوة بلا تفاعل

واختارت فرنسا ذكرى أليمة لإرسال إشارات "تهدئة" إلى الجزائر بعد توتر في العلاقات الثنائية لا يزال مستمراً في ظل الجفاء الحاصل، لكنها تعتبر خطوة تهدف إلى إعادة قنوات الاتصال المباشرة بعد فترة طويلة من دبلوماسية البيانات، كما تحمل دلالات تجمع بين التقارب والندية والصرامة، وتعكس رغبة الطرفين في الخروج من نفق التأزيم.

وأمام "عربون" حسن النية الذي أظهرته باريس من خلال المشاركة في إحياء ذكرى إحدى جرائمها في الجزائر، وهو ما يمكن اعتباره اعترافاً، تبقى محاولة طي ملف الأزمة الدبلوماسية عبر تسلم السفير روماتي مهامه تنتظر ما يتبع الخطوة من "تصرفات" فرنسية في اتجاه تجاوز الجمود وإعادة الأمور إلى نصابها.

 

غير أن غياب تفاعل جزائري لحد الساعة، الذي وصفته أطراف عدة بأنه جس للنبض ليس إلا، يجعل الساعات المقبلة التي ستشهد خطوات جزائرية تكشف عن الأسس التي تم وضعها بين الجانبين لاستئناف العلاقات.

يقول الصحافي الفرنسي غوتيي فيون، رئيس تحرير جريدة "لوبينيون"، في مقال تحت عنوان "العودة الغريبة إلى الوضع الطبيعي"، إن السفير الفرنسي عاد إلى الجزائر، ومن المتوقع أن نفرح بهذا التقارب بعد أشهر من الأزمة"، مضيفاً "منطقياً ينبغي أن يأتي حل الأزمة بعد إظهار الجزائر حسن النية، إلا أن العكس تماماً هو ما حدث على مدى شهور، إنه مشهد فرنسي بامتياز".

ويتابع فيون أن المترشحة السابقة للرئاسة الفرنسية سيغولين رويال، التي استقبلها الرئيس تبون في يناير (كانون الثاني) الماضي، أشادت بـ"استعداده للحوار"، أما وزير الداخلية الفرنسية لوران نونيز فقد صرح بأنه لا يعلق على الحكم الغيابي الصادر في الجزائر في حق الكاتب كامل داود بسبب كتاب نشر في فرنسا، بينما إيمانويل ماكرون، بتصريحه العابر عن "المجانين الذين يقولون إن علينا الغضب من الجزائر"، الذي كان موجهاً بالأساس إلى وزير الداخلية السابق برونو ريتايو، الذي أصبح كبش فداء مثالياً لكل من يتذلل أمام الجزائر، كل هذا مُبرر بالأمل في عفو رئاسي عن الصحافي المسجون في الجزائر بتهم الإرهاب كريستوف غليز، وهو أمر لا يسعنا إلا التمني به، ولكنه سيُظهر الجزائر بصورة إيجابية للغاية".

من جانبه، يرى الكاتب والصحافي الفرنسي أوليفيي جيسبارت أن على فرنسا أن تتخذ موقفاً حازماً تجاه الجزائر، بينما يأمل إيمانويل ماكرون في استئناف حوار سلمي مع الجزائر، وقال "فرنسا ليست أداة في يد الجزائر"، مشيراً في حوار لـ"أوروبا 1"، إلى أنه "يجب إجراء المناقشات بين باريس والجزائر بالترغيب والترهيب، فنحن نتفاوض مع الجميع، بمن فيهم أسوأ خصومنا، أي أننا يجب أن نمد أيدينا، وفي المقابل لا يمكننا أن نسمح لأحد بالسيطرة علينا".

حسابات داخلية

وفي ظل بعض الانتقادات الفرنسية الموجهة إلى الرئيس ماكرون لإقدامه على خطوة تهدئة بإعادة سفيره إلى الجزائر، رد رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان في تصريحات لإذاعة "فرنسا الدولية"، بأن التحرك الدبلوماسي الفرنسي الأخير تجاه الجزائر يمثل خطوة إيجابية في مسار إعادة بعث العلاقات الثنائية، مؤكداً أن استمرار الجمود بين البلدين لا يخدم مصالح أي طرف، بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها الجزائر في المنطقة، ومعتبراً أن هذه الخطوة مؤشر إلى رغبة باريس في إعادة تحريك قنوات التواصل ومعالجة الملفات العالقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح دوفيلبان أن أهمية هذا التقارب تزداد في ظل التحديات التي تعرفها منطقة الساحل، إلى جانب عدد من الملفات الثنائية الحساسة، مبرزاً في رده على سؤال ما إذا كان استمرار حال الانسداد مع الجزائر يشكل خطراً، أن الجزائر بلد مفتاحي في المنطقة، والتعاون معها يظل مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى فرنسا.

وتعليقاً على الانتقادات الفرنسية التي تستهدف خطوة الرئيس ماكرون واتهامه بالرضوخ للجزائر، شدد على أن العلاقات بين البلدين قائمة على مصالح مشتركة ومستقبل مترابط بين ضفتي المتوسط، وأن الخطابات التصعيدية التي يعتمدها بعض السياسيين الفرنسيين لا تقدم حلولاً عملية، بل تندرج ضمن حسابات سياسية داخلية لا تخدم المصالح الفرنسية.

وقال دوفيلبان إن مثل هذه المواقف قد يجد صدى لدى جزء من ناخبي اليمين الفرنسي، لكنه يبقى بعيداً من تقديم مخرج فعلي للأزمة، أو الإسهام في بناء علاقة متوازنة بين باريس والجزائر، متسائلاً عما إذا كان المقصود هو الدفع نحو مواجهة جديدة مع الجزائر.

دبلوماسية الصفقة الرائجة

إلى ذلك، انتقد الدبلوماسي الجزائري السابق عبدالعزيز رحابي الخطوة الفرنسية على أساس أنها أدرجت إحياء ذكرى الموتى والمفقودين في أجندة دبلوماسية، ووصف بيان الرئاسة الفرنسية، الذي رافق زيارة الوزيرة المنتدبة لدى وزير الجيوش الفرنسية أليس روفو مصحوبة بسفير بلادها بالجزائر للمشاركة في إحياء ذكرى مجازر الثامن من مايو 1945، بأنه يسعى إلى "إدخالنا في نوع من دبلوماسية الصفقة الرائجة التي تمزج بين ذاكرتين متعارضتين، ذاكرة الضحايا وذاكرة جلادهم".

وأوضح  رحابي أن هذه الخطوة ستسهم مرة أخرى في تغذية وتوجيه النقاش الداخلي، في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية في فرنسا، أكثر مما ستسهم في التحسن المتوقع للعلاقات الثنائية، منتقداً استغلال ذكرى المجازر، واعتبرها انتهازية دبلوماسية يسعى الرئيس ماكرون جاهداً إلى رفعها لمقام الفعل التأسيسي للانطلاقة الجديدة في العلاقات الجزائرية - الفرنسية.

 

في المقابل، أكد أستاذ العلاقات الدولية الجيلالي شقرون، أن عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر، مرفوقاً بوزيرة الجيوش وقدامى المحاربين الفرنسيين، تمثل مؤشراً سياسياً مهماً على بداية مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية - الفرنسية بعد أعوام من التوتر والفتور الدبلوماسي، موضحاً أن اختيار تاريخ مجازر لإتمام الزيارة يحمل دلالات رمزية عميقة باعتبار أن هذا اليوم يشكل جزءاً أساساً من الذاكرة الجزائرية، ويرتبط بالمجازر التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضد الجزائريين المطالبين بالاستقلال عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، فالمشاركة الفرنسية في مراسم إحياء الذكرى تعكس بداية اعتراف تدريجي بجرائم الاستعمار.

وأضاف شقرون أن فتح صفحة جديدة بين البلدين لا يقتصر على الجانب الرمزي فقط، بل يشمل أيضاً ملفات استراتيجية أخرى، من بينها الهجرة غير الشرعية والتعاون الأمني، وملفات الطاقة، مشدداً أن باريس تدرك أهمية الجزائر كشريك إقليمي محوري، بخاصة مع تنامي دورها السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية، إلى جانب موقعها الاستراتيجي في ملف الطاقة بالنسبة إلى أوروبا، وختم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسعى من خلال هذا التقارب إلى تجاوز التوتر الذي غذّته تيارات اليمين المتطرف، وتهيئة الظروف لعلاقات أكثر استقراراً تخدم مصالح الشعبين.

وفي خضم الحراك السياسي الذي أفرزته عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر وزيارة الوزيرة الفرنسية المنتدبة لدى وزير الجيوش، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تمسكه بلغة التهدئة مع الجزائر، معرباً عن أمله في أن تمثل زيارة الوزيرة أليس روفو، بداية لاستئناف العلاقات بين البلدين، ومؤكداً أن من واجبه الدفاع عن مصالح الفرنسيين، عبر استعادة علاقة هادئة وبناءة مع الجزائر تقوم على الاحترام المتبادل، وتسمح بإيجاد حلول للملفات المشتركة.

وانتقد ماكرون ما وصفه بالمزايدات المرتبطة بالسياسة الداخلية خلال الأشهر الماضية، معتبراً أنها ألحقت أضراراً كبيرة بالعلاقات الجزائرية - الفرنسية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير