ملخص
صعد "ريفورم" بقوة في الانتخابات المحلية وتصدر استطلاعات الرأي، لكنه ما زال بعيداً من ترجمة هذا الزخم إلى أغلبية برلمانية تتيح له الحكم منفرداً، كما أن أي طريق إلى السلطة سيظل مرهوناً بتحالف هش مع المحافظين وكوابح دستورية وسياسية ثقيلة. وتكشف التجارب السابقة لتيارات فاراج أن التقدم الانتخابي والضجيج السياسي لا يعنيان بالضرورة اختراقاً حاسماً في وستمنستر، فيما يبقى سقف التأييد الشعبي، وضعف الخصوم، وموازين التحالفات عوامل فاصلة في تحديد مصير الحزب حتى 2029.
بكل المقاييس، حقق حزب "ريفورم" البريطاني أداء جيداً خلال هذه الجولة الانتخابية، فقد فاز بنحو ثلث المقاعد التي كانت مطروحة في المجالس المحلية الإنجليزية، وحقق نتائج قوية وبصورة خاصة في ويلز، ويتصدر الحزب استطلاعات الرأي متقدماً على سائر الأحزاب بنسبة تتراوح ما بين 25 و30 في المئة تقريباً، والسؤال المطروح الآن هو: هل يشكل "ريفورم" الحكومة البريطانية المقبلة؟
هل تعد الانتخابات المحلية مؤشراً دقيقاً إلى ما قد تؤول إليه الانتخابات العامة؟
الجواب باختصار لا، في الأقل خلال الوقت الراهن، فما لم يطرأ تطور كبير أو يختر رئيس الوزراء تقديم موعد الانتخابات، فالأرجح أن بريطانيا لن تتجه إلى انتخابات عامة قبل عام 2029، والسبب في ذلك أن حزب العمال لا يملك ما يدفعه إلى المجازفة بانتخابات باكرة، فيما تمنحه غالبيته المريحة في مجلس العموم، والبالغة حالياً 165 مقعداً، حماية واسعة من الخسائر المعتادة في الانتخابات الفرعية، ومن الانشقاقات وتمرد النواب، وهي العوامل نفسها التي أسقطت حكومات أخرى من قبل، وقد سبق لبعض الحكومات أن حققت عودة قوية خلال فترة أقصر من هذه، حتى إن لم تنجح في الفوز في النهاية، وقد يكون الطريق أشد وعورة هذه المرة، لكن الناخبين باتوا أيضاً أكثر تقلباً في مواقفهم.
من المهم أيضاً تذكّر أن بعض الأحزاب، وفي مقدمها "الليبراليون الديمقراطيون"، تحقق تقليدياً نتائج أفضل في انتخابات المجالس المحلية منها في انتخابات البرلمان في وستمنستر، فيما يتراجع أداء الحزبين التقليديين، "العمال" و"المحافظين"، وعلى غرار الانتخابات الفرعية فكثيراً ما تتحول الانتخابات المحلية إلى مناسبة لتسجيل موقف احتجاجي، وهي نزعة تخف عادة مع اقتراب الانتخابات العامة.
هل سيفوز "ريفورم" إذا أُجريت انتخابات عامة الآن؟
تشير أدق الاستطلاعات، وهي تلك التي تقيس اتجاهات التصويت في مختلف الدوائر الانتخابية البريطانية، إلى أن "ريفورم" سيصبح الحزب الأكبر في مجلس العموم، لكنه سيظل بعيداً بفارق واضح من الغالبية اللازمة لتشكيل حكومة من حزب واحد، ويخلص أحدث استطلاع من هذا النوع نشره موقع "إلكتورال كالكولس"، إلى أنه لو أُجريت انتخابات عامة الآن لحصل "ريفورم" على 188 مقعداً، وهي نتيجة مدوية لكنها على الأرجح لن تكفي حتى لتشكيل حكومة أقلية قصيرة العمر.
أما "المحافظون" فعلى رغم كل أزماتهم لكنهم سيحصلون على 159 مقعداً، مما يجعل أية معادلة للحكم مرهونة بشكل من أشكال التفاهم مع "ريفورم"، لكن حتى إذا بلغ مجموع الحزبين 347 مقعداً، مع الاستعانة بعدد محدود من مقاعد الحزب الوحدوي الديمقراطي في إيرلندا الشمالية، فلن تنتج من ذلك سوى غالبية هشة، وفي جميع الأحوال سيجد نايجل فاراج ورفاقه أنفسهم عاجزين عن تنفيذ كامل أجندتهم، حتى لو رأى لنفسه أحقية في رئاسة الحكومة، وهو أمر سيكون من الحماقة أن يقبل به "المحافظون" حتى لو أدى ذلك إلى أزمة دستورية.
ووفقاً لدراسة "إلكتورال كالكولَس" فسيحصل حزب العمال على 86 مقعداً، و"الخضر" على 71، و"الليبراليون الديمقراطيون" على 61، فيما سيحصل الحزب "القومي الأسكتلندي" و "بلايد كامري" مجتمعين على 61 مقعداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هل هناك سقف لتأييد ريفورم؟
قد يقول فاراج إنه لا حدود لطموحه، لكن الحزب يبدو عاجزاً حتى الآن عن اختراق سقف الـ 30 في المئة الذي تعكسه استطلاعات الرأي، فخلال الانتخابات المحلية لعام 2025 حقّق الحزب ما يعادل نحو 30 في المئة من الأصوات على المستوى الوطني، والسؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه النسبة تمثل الحد الأقصى لقاعدته الشعبية، ولو تمكن ريفورم من بلوغ 35 أو 40 في المئة مثلاً لكان على موعد مع فوز كاسح، ولن تصمد حينها إلا مقاعد "الليبراليين الديمقراطيين" إلى حد كبير.
ماذا يقول التاريخ؟
يُظهر التاريخ أن الأحزاب والتيارات التي قادها فاراج نجحت في إرباك خصومه السياسيين وإثارة القلق في صفوفهم، لكنها لم تترجم هذا الزخم حتى الآن إلى اختراق حقيقي في مجلس العموم، فخلال انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014 تصدّر حزب "الاستقلال البريطاني" UKIP بقيادة فاراج النتائج بحصوله على 26.6 في المئة من الأصوات، وحقق أداء مشابهاً في الانتخابات المحلية أثناء العام نفسه، وفي عام 2019، وبعد الانهيار الذي أصاب "المحافظين" في عهد تيريزا ماي، حصل حزب "بريكست" بقيادة فاراج على 30.5 في المئة من الأصوات.
لكن هذه النتائج اللافتة لم تفتح أمام فاراج طريقاً إلى مجلس العموم، فقد فاز حزب "الاستقلال" البريطاني بمقعد واحد فقط في انتخابات وستمنستر عام 2015، فيما أخفق حزب "بريكست" في حصد أي مقعد عام 2019.
ومن المرجح أن يحقق "ريفورم" في عام 2029 نتيجة أفضل من ذلك، لكن الأمر سيظل رهناً باستمرار الضعف التاريخي لكل من "العمال" و/أو "المحافظين"، وبما إذا كان "الخضر" سيتراجعون، وما إذا كان "الليبراليون الديمقراطيون" سيحافظون على شعبيتهم المستقرة بين 10 و15 في المئة، وليس أي من ذلك مضموناً.
© The Independent