ملخص
سجل حزب العمال الحاكم خسارات مدوية في الانتخابات التي شهدتها المملكة المتحدة أخيراً، ورغم تصدر "ريفورم" الشعبوي النتائج في الاستحقاقات المختلفة، فإن الأرقام تشير إلى أن بريطانيا دخلت مرحلة التعددية السياسية، وباتت الأحزاب تعبر عن أقليات.
شكلت انتخابات 2026 في المملكة المتحدة منعطفاً كبيراً سيتذكره البريطانيون لفترة طويلة، فقد بدلت المشهد السياسي الداخلي لفترة ربما تمتد طويلاً، وأدخلت البلاد في تعددية سياسية لم تعرفها في تاريخها الحديث. لطالما كانت السلطة المحلية والبرلمانية في البلاد بيد حزبين رئيسين هما "العمال" و"المحافظين"، لكننا اليوم نقف على أعتاب مرحلة يتنافس فيها خمسة أحزاب على كل مقعد نيابي أو محلي في كل دائرة انتخابية.
الاستحقاق المحلي الذي شمل أكثر من 5 آلاف مقعد بلدي في بريطانيا، حمل هزيمة تاريخية لحزب العمال الحاكم، حيث فقد أكثر من 1400 كرسي لمصلحة ثلاثة أحزاب هي "الليبراليين الديمقراطيين" و"ريفورم" و"الخضر"، وهذه الخسارة لا تقاس بالأعداد فقط، وإنما بدلالاتها الديموغرافية والاقتصادية والسياسية، ويكفي أنها زادت الضغوط على رئيس الوزراء كير ستارمر للاستقالة من منصبه تحملاً لمسؤولية الخسارة.
قبل انتهاء عمليات فرز الأصوات خرج عشرات النواب "العمال" يطالبون ستارمر بالاستقالة من زعامة الحزب ورئاسة الوزراء، لكنه يأبى الاستسلام حتى الآن، ويرفض التنحي مستغلاً غياب الاتفاق على بديل، وخشية البعض من تداعيات "التضحية بالقائد" على غرار ما حدث مع "المحافظين" في الولاية البرلمانية الماضية، عندما استبدلوا رئيسهم ثلاث مرات في غضون عامين، ثم هزموا بقسوة في الانتخابات العامة الأخيرة.
السجال حول قيادة ستارمر بعد الخسارة الانتخابية الجديدة بلغ أشده، ورئيس الوزراء يدرك وطأة الهزيمة وخطرها على الحزب والدولة في المديين المتوسط والطويل، لذلك شرع فوراً بتعزيز جبهته الداخلية عبر تعيين مستشارين يحظون بتاريخ حافل في "العمال"، فعين رئيس الحكومة الأسبق غوردن براون مبعوثاً مالياً عالمياً، وجعل نائبته هارييت هارمان مستشارة للحكومة في شؤون المرأة والفتيات، وفق البيان الرسمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"الدرس الجيد" الذي استخلصه ستارمر من الانتخابات كما كتب في صحيفة "الغارديان" هو "الاستماع إلى الناخبين من دون انحياز إلى اليمين أو اليسار"، ولا شك أن النتائج حملت كثيراً من الرسائل التي تحتاج إلى إصغاء شديد من رئيس حكومة بدأ يفقد شعبيته بعد أشهر من وصوله إلى السلطة، وزعيم وقع بعثرات متعددة وضعت قيادته على المحك عدة مرات في غضون أقل من عامين، ولا يزال مصيره السياسي محفوفاً بالخطر.
وقال ستارمر في المقال ذاته، إنّ هذه النتائج "المؤلمة" لحزب العمال الحاكم، وهذا "التشرذم السياسي" الذي تعيشه البلاد، هما نتيجة "إحباط الناخبين من الوضع الراهن"، ورغم المطالب باستقالته من داخل "العمال" وخارجه، يعتزم البقاء في المنزل رقم "10"، لكنه سيحدد في مقبل الأيام مسار العمل، والمهام التي ستضطلع بها حكومته في الأشهر المقبلة، في وقت تشير بعض وسائل الإعلام إلى احتمال إجرائه تعديلاً وزارياً.
تقول الأرقام إن "العمال" حل ثانياً في إنجلترا بعدما خسر أكثر من 1400 مقعد بلدي، وثانياً أيضاً في اسكتلندا بعد خسارة أربعة مقاعد في برلمان أدنبره، كما غادر السلطة في ويلز لأول مرة منذ قرن، بعدما فقد 35 عضواً في مجلسها التنفيذي ليحل في المرتبة الثالثة بين الأحزاب المتنافسة هناك، أما الرابح الأكبر في سلسلة هزائم "العمال" هذه، فهو "ريفورم" الذي تصدر المشهد، وظهر كـ"حزب وطني" يمتد أنصاره في كل مكان.
يحتفل زعيم "ريفورم" نايجل فاراج مع نوابه وأنصاره بالفوز المؤزر في الانتخابات المحلية، والحضور الواضح في كل من اسكتلندا وويلز، حيث حصد الحزب الشعبوي أكثر من 1450 مقعداً بلدياً على امتداد بريطانيا، وبحسب التقارير لم يصوت للحزب اليمينيون فقط، بل أيضاً مناطق لطالما حسبت على اليسار و"العمال"، مما جعل فاراج يعلن "ريفورم" حزباً وطنياً عابراً للانتماءات السياسية والأحزاب في المملكة المتحدة.
لندن لم تكن استثناء على الخريطة البلدية الجديدة التي رسمها "ريفورم" لبريطانيا، فقد ذهب عديد من مقاعد المجالس المحلية في العاصمة لمصلحة الحزب الشعبوي، مما دفع بعمدة لندن صادق خان، لإنذار حزبه "العمال" من مغبة تجاهل الرسائل التي حملتها الانتخابات، وعدم الاكتراث لحالة الغضب الشعبي من أداء الحزب والحكومة، أما هو فسيواجه من الآن فصاعداً مشكلة في محاصرة تقييد تحركات اليمين في مدينة الضباب.
"ريفورم" حل ثالثاً في انتخابات برلمان اسكتلندا وحصد 17 مقعداً من أصل 129، فيما حل ثانياً في مجلس ويلز بعدد 34 عضواً من أصل 96، وفي ظل غياب الأكثرية الكافية لتشكيل الحكومة في كل من الإقليمين، يصبح "ريفورم" جبهة معارضة قوية فيهما، أو قد ينخرط في السلطة من خلال الانضمام إلى تحالف حكومي مع الحزبين الفائزين، "القومي الاسكتلندي" في أدنبره، وحزب "بليد" الويلزي في العاصمة كارديف.
واقع الحال يستبعد تحالف "القومي الاسكتلندي" و"بليد" مع "ريفورم" بسبب تباين التوجهات، لكن الأمر يختلف عند الحديث عن ائتلاف مع "الخضر" لقيادة السلطة في أدنبره، حيث ظفر الحزب هناك بـ15 مقعداً تكفي "القومي الاسكتلندي" لتشكيل حكومة تجمع حزبين يلتقيان في نقاط عدة، أما في ويلز فمكاسب "الخضر" (مقعدان) لا تكفي للمشاركة في ائتلاف حكومي يحتاج فيه "بليد" إلى ستة مقاعد ليحصد الأكثرية النيابية.
وسطع نجم "الخضر" في الانتخابات المحلية على نحو غير مسبوق، حيث أضاف إلى رصيده أكثر من 400 مقعد بلدي ليتجاوز 540 مقعداً، وفي ظل هذه النتائج أعلن زعيم الحزب زاك بولانسكي "وفاة عهد الحزبين"، ودخول بريطانيا عصر "التعددية الحزبية"، مؤكداً ما قالته قائدة المعارضة المحافظة كيمي بادينوك قبل انطلاق الاستحقاق، لافتة إلى أنه لم يعد في البلاد "أصوات مضمونة، ولا مناطق أبدية الولاء".
بادينوك لم تر في هزيمة "المحافظين" كارثة تستحق الاستقالة أو تستدعي القلق على المدى الطويل، وإنما وجدت في صمود الحزب بمناطق كانت وبقيت معاقل له، إشارة إيجابية على أن تراجع "المحافظين" المستمر منذ الانتخابات البرلمانية في عام 2024، ربما توقف، وقد حان الوقت للعودة إلى البناء مرة أخرى، بخاصة وأن الحزب تمكن من اختراق جدار "العمال" في دوائر عديدة، أهمها في العاصمة البريطانية لندن.
في سفينة التعددية السياسية التي أبحرت عبر بريطانيا انطلاقاً من انتخابات 2026، يبرز أيضاً حزب "الليبراليين الديمقراطيين" بقيادة إيد ديفي، حيث سجل الحزب انتصارات في الاستحقاقات الثلاثة التي شهدتها إنجلترا وإسكتلندا وويلز، وأثبت أن الوسطية لا تزال تتمتع بمكانة جيدة في المملكة المتحدة، رغم حالة الاستقطاب الشديد التي تعيشها البلاد، والصراع الدائر بين تيارات اليمين واليسار تحت عناوين مختلفة.
يسوق ديفي انتصارات حزبه كدليل على أن "الليبراليين الديمقراطيين" هو الأفضل لمواجهة ما وصفه بـ"التغيير المتطرف" الذي يطرحه "ريفورم" في اليمين و"الخضر" في اليسار، لكن تقارير صحفية محلية قالت، إن أسئلة داخلية طرحت على ديفي من نواب وأعضاء حزبه حول سبب العجز عن تحقيق مكاسب وطنية كبيرة، على خلفية المزاج المناهض للحكومة الحالية، مقارنة بالنتائج المميزة التي سجلها "الحزبان الشعبويان".
وحل "الليبراليون" ثالثاً في الانتخابات البلدية ببريطانيا من خلال أكثر من 840 مقعداً، وأضاف إلى رصيده أيضاً أربعة أعضاء في برلمان اسكتلندا ليجمع كتلة من 10 نواب، أما في استحقاق ويلز فنجح في تمرير نائب واحد إلى البرلمان، ومن ثم قد تتيح الأرقام والوسطية للحزب الانخراط في تحالف حكومي مع "القومي الاسكتلندي" في إدنبره، ولكنه لن يحظى بفرصة مشابهة مع حزب "بليد" المؤهل لقيادة السلطة في كارديف.
برأي الأكاديمي المختص في شؤون الانتخابات السير جون كيرتيس، فإن الصورة بالنسبة لحزب العمال قاتمة جداً، و"داونينغ ستريت" تواجه تحدياً كبيراً يتمثل بإقناع نواب الحزب الحاكم بأنهم لا يحتاجون إلى زعيم جديد، وإذا لم يستبدلوا القائد ورئيس الحكومة، فإن التحدي الذي يواجه ستارمر لتغيير الوضع الراهن في حزبه والبلاد، أصبح الآن أكثر صعوبة بكثير مقارنة بما قبل الاستحقاقات الأخيرة في المملكة المتحدة.
في الإطار الأوسع، يقول كيرتيس الخبير في توجهات الرأي العام، "إن أياً من الأحزاب لا يحظى بدعم أي شريحة كبيرة من الجمهور، وقد باتت جميعها تمثل أقليات"، ورغم أن "ريفورم" برأيه، يحظى بدعم أكثر وضوحاً من ذلك التأييد المقدم لبقية الأحزاب، فإن نتائج انتخابات 2026، تقول إن السياسة البريطانية باتت مجزأة، والتحديات تواجه الحزب الحاكم كبيرة جداً، ولا يجدر به تجاهلها على كل المستويات.