ملخص
قال الصحافي الإيراني مهدي نصيري الذي كان يرأس صحيفة كيهان المقربة من النظام، إن مصادرة السلطات الإيرانية ممتلكات معارضين وصحافيين، بينهم ممتلكاته، تمثل جزءاً من سياسة أوسع لتجريم المعارضة السياسية تحت غطاء أمني. وأوضح لـ"اندبندنت عربية" أن اتهام المنتقدين بالارتباط بـ"الأعداء الأميركيين-الصهاينة" يهدف إلى تبرير القمع وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، معتبراً أن النظام يستخدم الحرب والتوترات الخارجية لتوسيع حملات المصادرة والاعتقالات. وأضاف أن الجمهورية الإسلامية تواجه "أزمة شرعية خطيرة" بعد اتساع الفجوة مع المجتمع، ما دفعها إلى تصعيد الضغوط على المعارضين داخل إيران وخارجها عبر تجميد الأصول وفتح ملفات أمنية وتهديد العائلات والنشطاء.
واصل النظام الإيراني ملاحقة الصحافيين والمعارضين في الخارج، عبر الاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم داخل البلاد. ففي أحدث تحرك أعلنت السلطة القضائية، مصادرة ممتلكات رئيس تحرير صحيفة "كيهان" السابق مهدي نصيري في قرار وصفته بأنه "لمصلحة الشعب".
ووفقاً لتقرير صادر عن "وكالة أنباء ميزان" القضائية، فإنه إضافة إلى نصيري، حُددت ممتلكات 21 شخصاً آخرين في محافظة سمنان، ومصادرتها "تماشياً مع الحقوق العامة ولمصلحة الشعب".وضمن بيان السلطة القضائية، وُصف الأشخاص الذين صودرت ممتلكاتهم بأنهم "عناصر مرتبطة بالأعداء الأميركيين الصهاينة الذين ارتكبوا أعمالاً ضد الشعب وأمنه خلال الحرب المفروضة الثالثة".
عقاب سياسي واقتصادي
وخلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، قال نصيري إنه في الآونة الأخيرة صودرت أموال آلاف الإيرانيين المقيمين داخل البلاد وخارجها، مشيراً إلى أن "ادعاء النظام بأن هذه الأموال صودرت لـ’مصلحة الشعب‘، هو تعبير مخالف تماماً للواقع ودعائي بامتياز". وأضاف أن استهداف الممتلكات الشخصية للأفراد بسبب مواقفهم السياسية والنقدية، لا يمكن "وفق أي معيار قانوني أو أخلاقي" مصادرتها باسم الشعب.
وكان نصيري ينتمي سابقاً للتيار المحافظ المتشدد في إيران، فكان يترأس تحرير صحيفة "كيهان "خلال التسعينيات، وهي صحيفة معروفة بقربها من مكتب المرشد الإيراني وبخطابها المحافظ الصارم، وخلال تلك المرحلة كان نصيري يدافع عن مواقف أيديولوجية متشددة تجاه الإصلاح السياسي والثقافي والغرب. لكن منذ أعوام، بدأ يتحول تدريجاً إلى انتقاد هيمنة المؤسسة الأمنية والدينية على السياسة. وانتقد طريقة إدارة الدولة وقمع الاحتجاجات وبعض سياسات المرشد والحرس الثوري، وأصبح أقرب إلى خطاب إصلاحي أو معارض معتدل.
ويقول الصحافي الإيراني في حديثه إلينا، "لقد استُهدفت بسبب نقدي للنظام وتأييدي للانتقال منه، ووقوفي إلى جانب مطلب الشعب الإيراني في الحرية"، مؤكداً أنه لم يجرِ اتباع أي مسار قانوني حقيقي في قرار مصادرة أمواله أو أموال الآخرين، "لا محكمة مستقلة، ولا إمكان دفاع، ولا إجراءات شفافة، ولا احترام لمبدأ الحياد. يصدر القرار السياسي أولاً، ثم يُصنع له غطاء قضائي"، فمصادرة الأموال هي أحد سبل العقاب السياسي والاقتصادي.
تصوير المعارضة السياسية كجريمة أمنية
ومنذ بدء الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد النظام الإيراني، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية مصادرة ممتلكات بعض المواطنين بتهمة "دعم الحرب"، بينهم صحافيون ونشطاء سياسيون. وهددت طهران مراراً بمصادرة ممتلكات المواطنين الإيرانيين المقيمين في الخارج الذين يقدمون المساعدة أو الدعم إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي مارس (آذار) الماضي، صرّح مكتب المدعي العام الإيراني، وفقاً لوسائل الإعلام الرسمية بأن "وُجه تحذير إلى الإيرانيين المقيمين في الخارج الذين يتعاطفون أو يدعمون أو يتعاونون، بأي شكل من الأشكال، مع العدو الأميركي- الصهيوني، ستصادر جميع ممتلكاتهم وتطبيق العقوبات القانونية الأخرى وفقاً للقانون".
وأعلنت السلطة القضائية في محافظة همدان الأسبوع الجاري، مصادرة واسعة النطاق لأصول تعود لـ40 شخصاً في المحافظة. ويزعم المسؤولون أن هؤلاء الأشخاص يُحاكمون بتهم "الخيانة" و"التواطؤ مع شبكات معادية". ووفقاً للبيان الرسمي الصادر عن السلطة القضائية، تشمل الأصول عقارات ونقوداً وممتلكات أخرى محددة. وأوضح المسؤولون القضائيون أن هذه الأصول صودرت بهدف "استخدامها في الشؤون العامة وإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتزعم السلطات القضائية في همدان أن هؤلاء الأشخاص كانوا قيد التحقيق ضمن ما وصفته بـ"شبكة من المتعاونين مع العدو"، وأكدت أن قضاياهم لا تزال قيد النظر. ويأتي هذا في أعقاب تقارير سابقة عن مصادرة أصول في محافظة همدان، بما في ذلك حالة سابقة صودرت فيها وحدة سكنية ومركبة ومبالغ نقدية كبيرة.
ويقول مهدي نصيري إن استخدام عبارات مثل "عناصر مرتبطة بالأعداء الأميركيين-الصهاينة"، يندرج في إطار الخطاب التقليدي لإيران لإقصاء المعارضين السياسيين، "فكل من يتحدث عن الحرية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان أو الانتقال من النظام، لا يُجابَه بالحجة، بل تُلصق به أوصاف مثل ’مرتبط بأميركا‘ أو ’مرتبط بإسرائيل‘ أو ’عميل للعدو‘ أو ’عنصر صهيوني‘". وأضاف أن الهدف الحقيقي من هذه الاتهامات ليس تقديم أدلة موثوقة، بل "تصوير المعارضة السياسية كجريمة أمنية" تمهيداً لحرمان المنتقدين من حقوقهم الأساسية، ومن بينها حق الدفاع والملكية والمشاركة السياسية. وأشار إلى أن هذا الخطاب يُستخدم لتحريض الرأي العام و"إضفاء شرعية على القمع"، لافتاً إلى أن إيران "حاولت طوال أعوام أن تنسب كل مطلب وطني وتحرري إلى الخارج"، لأنها لا تريد الاعتراف بأن أزمتها الأساسية نابعة من الداخل.
وأكد نصيري أن الشعب الإيراني "لا يحتاج إلى تعليمات من الخارج لكي يسعى إلى حريته" لأن جذور الاحتجاج والمعارضة تكمن في "التجربة المعيشة للإيرانيين، القمع والفقر والظلم والفساد وغياب الحرية"، "فمعارضة النظام لا تعني التبعية لأية حكومة أجنبية. أنا أدافع عن حق الشعب الإيراني في الحرية والكرامة والديمقراطية وتقرير المصير. هذا المطلب ليس أميركياً ولا إسرائيلياً ولا أجنبياً، إنه مطلب ملايين الإيرانيين الذين سئموا الاستبداد والفساد والتمييز والقمع".
أزمة شرعية خطيرة
ومطلع أبريل (نيسان) الماضي، أصدر مدعي عام طهران أوامر بتحديد هوية أكثر من 100 شخص في الخارج ومصادرة أصولهم وتجميد حساباتهم المصرفية، بتهمة دعم جهات معادية، بمن فيهم مديرو وسائل إعلام وصحافيون ورياضيون وفنانون. واستهدفت الإجراءات أفراداً مرتبطين بوسائل إعلام مثل "إيران إنترناشونال" و"مانوتو تي في"، إضافة إلى شخصيات أخرى متهمة بدعم أعمال عدائية. وصدر الأمر بموجب قوانين تشديد العقوبات على التجسس والتعاون مع دول معادية، ولا سيما في ما يتعلق بالتعاون المزعوم مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأفادت السلطات بأن الأمر يشمل 63 مديراً وموظفاً مرتبطين بـ"إيران إنترناشونال"، بينما يخضع 25 شخصاً مرتبطين بـ"مانوتو تي في" أيضاً لمصادرة الأصول وتجميد الحسابات. وتضم القائمة أيضاً 25 مواطناً إيرانياً يقيمون في الخارج، متهمين بدعم عمليات عسكرية ضد إيران، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.وهؤلاء الأفراد يقيمون في دول من بينها الولايات المتحدة والسويد وهولندا وجورجيا والمملكة المتحدة.
ويقول نصيري إن المصادرات والاعتقالات الأخيرة لا ينبغي النظر إليها على أنها "مجرد رد فعل موقت على ظروف الحرب أو الأوضاع الأمنية"، موضحاً أن إيران دأبت على استخدام الأزمات والتوترات الخارجية "التي غالباً ما تكون هي نفسها سبباً فيها أو بادئة لها"، كأدوات لتبرير القمع الداخلي، إلا أن ما يجري اليوم يعكس، بحسب تعبيره، "مساراً أعمق" في تعامل السلطة مع المعارضين. وأضاف أن الأزمة تفاقمت خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما بعد انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، وكذلك بعد احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل أن تواجه تلك التحركات "بقمع شديد ودموي".
ورأى نصيري أن إيران باتت تعاني "أزمة شرعية خطيرة للغاية"، بعدما اتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع، ولم يعُد جزء كبير من الإيرانيين يعتقد بإمكان إصلاح النظام، مما دفع الحكومة، بحسب رأيه، إلى اختيار "طريق مزيد من القمع بدلاً من الاعتراف بحق الاحتجاج". وأكد أن "مصادرة الأموال والاعتقالات وفتح الملفات الأمنية والضغط على العائلات وتهديد الناشطين في الخارج والهجمات الدعائية على المعارضين" تندرج جميعها ضمن "سياسة نشر الخوف وجعل المعارضة السياسية باهظة الثمن". واعتبر أن إيران دخلت مرحلة "تصوّر فيها حتى المعارضة المدنية والإعلامية والسياسية على أنها تهديد حربي"، فلم تعُد تميّز بين "المنتقد والمعارض السياسي والناشط المدني والعدو العسكري"، مشيراً إلى أن "كل صوت مستقل يمكن أن يستهدف بتهمة أمنية". وختم بالقول إن هذا النهج "يدل على ضعف السلطة لا على قوتها".
وعقب الضربات الأميركية- الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعدد من كبار قادة النظام، احتشدت فئات من الجالية الإيرانية في مدن أميركية عدة وخارجها للاحتفال علناً. وبحسب "مركز بيو للأبحاث"، بلغ عدد الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة 750 ألف شخص بحلول عام 2024.
وخلص تقرير صادر عن منظمة "غامان" (مجموعة تحليل وقياس المواقف في إيران)، وهي منظمة غير ربحية، نُشر في أغسطس (آب) عام 2025، إلى أن نحو 20 في المئة فقط من الإيرانيين عام 2024 أيدوا استمرار النظام، ووفقاً لنتائج التقرير، فضلت الغالبية نظاماً سياسياً مختلفاً.