ملخص
تحدثت شيرين عبادي عن واقع إيران تحت حكم الجمهورية الإسلامية، مشيرة إلى أن النظام يعتمد على القمع والقتل الممنهج لإسكات المعارضين. وفي حين أكدت أن عدد مؤيدي النظام لا يتجاوز 10 في المئة معظمهم من الحرس الثوري، لكنها تشير إلى أن آلة القمع تمنع اندلاع انتفاضة حاسمة على رغم تكرار الاحتجاجات. وترى أن النظام، على رغم تماسكه الحالي، سيسقط حتماً بفعل الضغط الداخلي، وانتقدت تجاهل المجتمع الدولي لجرائم النظام بسبب المصالح السياسية والاقتصادية، وتحدثت عن اللجوء إلى العمل المسلح والحاجة إلى تأسيس دولة علمانية تمثل الحل لضمان الحرية وحقوق الإنسان.
أتذكر عندما أردت الاطمئنان على صديقتي الإيرانية في طهران في خضم انتفاضة شعبية قادتها النساء قبل أربع سنوات ضد نظام حكم قام أعوانه بقتل شابة لم يتجاوز عمرها الـ22 ربيعاً، بزعم إظهار كثير من شعرها تحت الحجاب الإجباري. المكالمة التي بدأت بالترحاب وتبادل الحديث في شأن الحياة اليومية في بلدينا، سرعان ما انتهت عندما خفت صوت صديقتي قائلة "لا يمكنني الحديث في هذا الموضوع... لا يمكن الحديث عبر الهاتف في السياسة... الجميع هنا مراقب، والوقت الحالي خطر"، كان ذلك عندما سألتها عن انتفاضة تلك الفتيات الصغيرات في المدارس الإيرانية ممن انتشرت صورهن في وسائل الإعلام وهن يخلعن الحجاب داخل فصول الدراسة في تحدٍّ للنظام، وأخريات رفعن لافتات تتحدى وتحتج ضد المرشد الأعلى علي خامنئي.
على مدار 47 عاماً اعتاد الإيرانيون طلقات البنادق وأصوات إطلاق النار، ففي كل مرة ينتفضون فيها ضد حكم استبدادي قمعي، يتم سحق وقتل الآلاف برصاص نظام عقائدي دموي. من اعتقال نحو 4 آلاف معارض في الثمانينات واحتجاجات الطلبة في التسعينيات والحركة الخضراء في أواخر العقد الأول من القرن الـ21، مروراً بالاحتجاجات الشعبية التي هزت البلاد بين عامي 2017 و2018، ثم 2019، والاحتجاجات التي عمت البلاد بعد إسقاط الحرس الثوري طائرة ركاب كانت تقل 176 شخصاً، في 2020، والاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة مهسا أميني خلال عامي 2022 و2023، وصولاً إلى موجة الاحتجاجات الشعبية بين ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضي، والتي قتل فيها النظام ما يقدر بـ30 ألف شخص في إحدى أشد حملات القمع دموية منذ الثورة الإيرانية.
شكلت انتفاضات الإيرانيين، وبخاصة في العقد الماضي، تحدياً لنظام آية الله، لكنها لم تهدد وجوده، وبينما يخوض النظام حرباً في مواجهة قوى خارجية وكرهاً متفاقماً في الداخل، أصبح السؤال حول مستقبله ملحاً وذا طابع إنساني واجتماعي عميق. لا يسأل بلغة الحرب فحسب، بل بالواقع المعيش لملايين الإيرانيين الذين يواجهون صعوبات اقتصادية وقمعاً سياسياً وآلة قتل تواصل إعدام معارضيها بلا هوادة.
هذا المشهد خلق لحظة لم يعد فيها مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية مجرد نقاش نظري، بل أصبح مسألة تتكشف أمام أعيننا في الوقت الراهن. وقلما شهد أحد مسار ميلاد هذه الجمهورية الاستبدادية التي ولدت من رحم انتفاضة ديمقراطية، مثل شيرين عبادي المحامية والحقوقية الإيرانية الحائزة جائزة نوبل للسلام، التي كانت جزءاً من النظام القضائي الإيراني قبل أن تجبر على ترك وظيفتها بعد الثورة التي أيدتها وساندت أطرافها، والتي تحدثت إلى "اندبندنت عربية" في مقابلة خاصة عن المشهد الحالي، مؤكدة أن النظام سيسقط بلا محالة.
آلة قتل في الداخل ولا اصطفاف مع النظام
عندما انتفض الشعب الإيراني ضد النظام مطلع العام، وعد ترمب بمساندة المحتجين بينما كان يقتل المتظاهرين بأعداد غير مسبوقة على يد النظام. وبدا أن الرئيس الأميركي وحليفه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كانا يراهنان على نزول الشعب إلى الشارع لإسقاط النظام بعدما نفذا ضربات موجعة أسقطت رؤوس النظام، وفي مقدمهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، لكن بعد مرور أربعة أسابيع على الحرب واستمرار الضربات الأميركية التي أضعفت النظام وحرمته من كبار قادته، بدا رهان ترمب خاسراً.
وبسؤال عبادي عن سبب عدم استغلال الشعب هذه اللحظة والخروج بالآلاف مثلما حدث في انتفاضات هزت النظام خلال العقدين الماضيين، أشارت إلى آلة القمع الدموي التي تهدد المحتجين. وتحدثت عن قدرات النظام في هذا الصدد قائلة "إن النظام الإيراني منذ 47 عاماً يحكم البلد ويملك الثروات، وهناك علماء جيدون من أبناء بلدنا، وهم (النظام) يستغل هذه الطاقات من أجل تعزيز قدراته التسليحية. لقد شهدتم أن صواريخنا أصبحت بعيدة المدى وهي تصنع بواسطة المهندسين الإيرانيين. هناك أنفاق تمتد لكيلومترات تحت الأرض. لقد عملوا كثيراً من أجل تطوير نشاطهم العسكري والنووي، فمن الطبيعي أنه في بلد يستغل هذه الطاقات بهذه الصورة ويملك أسلحة ويتحضر للحرب لا يمكن إسقاطه بسهولة".
وعما إذا كانت تعتقد أن الأمر يتعلق باصطفاف الشعب مع النظام في ظل حرب مع قوى خارجية، نفت عبادي بصورة قاطعة هذا التفسير للمشهد داخل إيران، قائلة "كلا، لم يحدث ذلك، تعداد الأفراد الذين يناصرون النظام قليل جداً، وغالبية الشعب وبسبب عمليات القتل التي ارتكبها النظام مراراً، وآخرها كان في مطلع العام الحالي، لا تشعرهم بارتياح، وحتى عندما أعلن عن مقتل خامنئي رأينا مقاطع الفيديو التي انتشرت لبعض المواطنين خرجوا إلى الشوارع وعبروا عن فرحتهم بمقتله"، مشيرة إلى تنفيذ النظام عمليات اعتقال وإعدام في حق بعض ممن احتفوا بقتل خامنئي، بينهم شابان شقيقان.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، حذر قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان، المواطنين من التظاهر للمطالبة بتغيير النظام. وقال في التلفزيون الرسمي للدولة إن "أي شخص يخرج إلى الشوارع بناءً على طلب العدو لن نعتبره بعد الآن محتجاً، بل سنراه عدواً ونتعامل معه على هذا الأساس"، مضيفاً "جميع قواتنا على أهبة الاستعداد وأصابعها على الزناد".
90% من الشعب ضد النظام
بعد أكثر من شهر على بداية الحرب التي يؤكد الرئيس الأميركي أنها قضت على نحو ثلثي ترسانة الصواريخ والبحرية الإيرانية، لا يزال النظام الإيراني متماسكاً ويواصل شن هجماته العدائية ضد دول الخليج. ومنذ أسبوعين، تراجعت النبرة الأميركية عن تغيير النظام وتحول حديث الإدارة الأميركية نحو السعي لتحقيق الحرب أهدافها فيما يتعلق بالقضاء على البرنامجين النووي والصاروخي لإيران، ما يقضي على آمال الإيرانيين الذين يتوقون للتغيير. وفي هذا الصدد تقول عبادي إنه من الطبيعي أن يصمد النظام في هذه الحرب، وتضيف "ذكرت أن هذا النظام يملك أسلحة كثيرة، وهنالك على أقصى تقدير 10 في المئة من المواطنين يناصرون النظام، وغالبية هؤلاء هم من الحرس الثوري، ولدى هؤلاء أسلحة ويحاربون لأنهم يعرفون أنهم إذا ما تعرضوا إلى هزيمة فلن يعود لهم أي مكان ليذهبوا إليه، فأسماؤهم توجد ضمن قوائم الإرهابيين. ولديهم كثير من الأموال، والهزيمة تؤدي إلى حرمانهم من هذه الثروات".
ومع ذلك، بدت الحقوقية الحائزة جائزة نوبل للسلام متفائلة في شأن آمال شعبها في التغيير، قائلة إن "هذا النظام حتى إذا ما استمر بعد الحرب فإنه من المؤكد سيسقط بواسطة الشعب لأن جميع كبار القادة العسكريين ومساعديهم قد قُتلوا، وقتل عديد من القوات القمعية. هذا البلد يضم 90 في المئة معارضين للنظام، وهؤلاء من المؤكد لن يسمحوا بأن يستمر هذا النظام إلى فترة أكثر"، مضيفة أن النظام أصبح أضعف مما كان، "وأصبح من السهل إسقاط النظام، لكن متى سيحدث ذلك؟ أنا لا أعرف... لكن أعرف أنه حتى إذا ما انتهت الحرب واستمروا بالبقاء، ستأتي اللحظة التي نشهد فيها سقوطهم".
وبينما أشرتُ إلى تجربة السوريين التي استغرقت نحو عقد ونصف العقد لإطاحة نظام بشار الأسد، قالت عبادي، "نحن في إيران مضى 47 عاماً منذ اليوم الأول الذي أعلن الشعب معارضته للنظام. عدد المعارضين ارتفع مع السنين، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، لذلك فإنه إذا ما أخذنا بالفترة التاريخية التي بدأت فيها المعارضة، فإنها بدأت منذ تأسيس النظام، أي منذ فترة الثمانينيات، في تلك الفترة هم قتلوا أكثر من 4 آلاف معتقل سياسي بإطلاق الرصاص في المعتقلات. هؤلاء فقدوا أرواحهم لأنهم كانوا معارضين، لو لم يكونوا معارضين لما قتلهم النظام... لذلك استمرت المعارضة إلى أن وصلت إلى 90 في المئة من الشعب، لذلك أعتقد أننا سننتصر في مدى زمني أقل مما أشرت إليه".
الثورة المسلحة
في بداية الحرب برز أكراد إيران الذين لديهم قوات مقاتلة نشطة، كقوة يمكنها القيام بانتفاضة مسلحة ضد النظام في الداخل. وأكدت مصادر كردية إيرانية لـ"اندبندنت عربية" آنذاك، التنسيق مع قوى خارجية تدعمهم في هذا الصدد، لكن بينما أعرب الرئيس الأميركي عن دعمه لأكراد إيران تراجع تحت ضغوط من تركيا التي تخشى من قوة كردية نشطة على حدودها، مما قد يعيد نشاط أكراد تركيا الذين تعرضوا للقمع تحت حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
أحد العوامل الرئيسة التي تدفع القادة الأكراد لقبول دعم خارجي هو ما تعرض له الشعب الإيراني على مدار عقود من قتل ومجازر في ظل نظام الجمهورية الإسلامية، وهو ما أكده القادة الذين تحدثوا إلينا، ومن بينهم عبدالله مهتدي زعيم حزب كومله الكردي، الذي قال "لقد تعرضنا للمجازر مرات عدة منذ عام 1979 وحتى الآن، وتعرضنا للقتل والقمع وأعدمنا، وأطلقت النار علينا وشنقنا، وكنا تحت قمع شديد وتمييز قاسٍ، ولذلك كنا وحدنا معظم الوقت، فلماذا لا نرحب بالدعم الخارجي؟ بالطبع نرحب به"، على رغم إيمانه دائماً بأن التغيير ينبغي أن يأتي من الداخل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبسؤال عبادي عما إذا كانت تدعم انتفاضة مسلحة ضد النظام في ضوء تجربة طويلة من القمع والقتل للمعارضين، قالت "أعتقد أن الشعب من خلال قبضات أياديهم المرفوعة في الاحتجاجات بإمكانهم أكثر إسقاط النظام مقارنة بالطرق المسلحة"، مشيرة إلى أن اللجوء إلى السلاح سيؤدي إلى نشر القتل بين المواطنين، وهو ما سيؤدي بدوره إلى حرب أهلية. وأضافت "نحن لا نريد حرباً أهلية لأن ذلك يجني الضرر كثيراً لإيران".
وتابعت المحامية والحقوقية مؤكدة أن النظام سيسقط بالتأكيد، قائلة "منذ البداية كانت هنالك معارضة للنظام، ومع مرور الزمان ارتفعت نسبة المعارضة في البلد، وهو ما قوبل بعنف كبير من جانب الحكومة، ففي الاحتجاجات التي شهدتها إيران قبل الحرب، فإنهم (النظام) قتلوا أكثر من 30 ألف شخص في الشوارع، فضلاً عن أن نسب الفقر ارتفعت كثيراً، أصبحت موائد الناس محدودة. قبل الحرب الحالية كان أكثر من 70 في المئة من الشعب الإيراني يعيشون تحت خط الفقر. هذا تسبب في ارتفاع عدد المحتجين على النظام لتصل النسبة إلى 90 في المئة. والبلد الذي يضم 90 في المئة من المعارضين فإن نظامه يسقط بسهولة".
تفتت المعارضة وغياب الأحزاب
في حين ينظر كثر إلى الحرب باعتبارها فرصة ذهبية للشعب الإيراني الذي عانى طويلاً تحت حكم قمعي قاسٍ، لا تزال المعارضة الإيرانية مفتتة ولم ينشأ كيان واحد يجمعها، حتى إنه بعد أيام من إعلان تحالف القوى السياسية الكردستانية في نهاية فبراير (شباط) الماضي، كتب نجل الشاه الأخير لإيران رضا بهلوي الذي يقود المعارضة الداعية إلى إعادة النظام الملكي منشوراً على منصة "أكس" يهاجم فيه الأحزاب الكردية. هذا التفتت ألقى بظلالة طوال عقود على قدرة قادرة المعارضة على التأثير في الداخل الإيراني وقدرتهم في مواجهة النظام الذي كثيراً ما استغل تلك الانقسامات لصالحه.
تأسف شيرين عبادي في شأن تلك الخلافات بين المعارضة الإيرانية، مشيرة إلى انقسام المعارضة بين من يسعون إلى الحكم الملكي ومن يطالبون بنظام جمهوري، في حين "تغيب قيادة في الداخل بسبب الرقابة المشددة والكبت الذي يفرضه نظام لم يسمح بتشكيل أحزاب، وهو السبب في إطالة عمر هذا النظام". وآثرت عبادي عدم الإفصاح في شأن شكل النظام الذي تأمله في بلادها، حيث تولي اهتمامها بإسقاط النظام الحالي أولاً.
فيدرالية علمانية
تضم إيران قوميات مختلفة تتعدد بين العرب والبلوش والكرد والأتراك والأذريين والفرس. وباستثناء الفرس يأمل الإيرانيون من القوميات الأخرى في تأسيس دولة فيدرالية على أساس علماني. وبسؤالها عن موقفها في هذا الصدد، بخاصة أن بعضاً من دعاة الملكية ينظرون إلى مطالب الفيدرالية باعتبارها انفصالية، وبسؤالها عن موقفها تجاه هذه الرؤية لإيران جديدة، أوضحت عبادي أنها لا تعارض إقامة فيدرالية في إيران، وقالت "أعتقد أن إيران تتعلق بجميع المواطنين الذين يعيشون في هذا البلد، ويجب أن تكون لديهم حقوق متساوية ونوع الحكومة مهما كانت ملكية أو جمهورية أو إذا كانت فيدرالية فهو أمر يتعلق برأي الشعب وتحدده الانتخابات التي تُجرى في البلاد، أما أنا شخصياً لا أعارض الفيدرالية في إيران لأنه إذا أراد جميع أبناء الشعب ذلك فهذا حقهم ويجب الامتثال لحقهم".
"الشرطة تذكرني دائماً بالتزام الاحتياطات الأمنية"
لم أتمكن من لقاء عبادي لأسباب أمنية وتهديدات تلاحقها منذ سنوات، حيث اكتفت بالحديث معي عبر تطبيق "زووم"، في انعكاس لرحلة السيدة السبعينية التي كافحت على مدى عقود طويلة ضد النظام مدافعة عن السجناء السياسيين والنساء والأطفال، بينما تحملت السجن والتهديدات المستمرة ضدها والمؤامرات والفضائح التي حيكت ضد عائلتها من قبل نظام معروف بتوظيف الابتزاز الشخصي والسياسي لمعارضيه.
فبسبب نشاطها الحقوقي تم إغلاق مكتبها عام 2009 واعتقل زملاؤها، واعتقل زوجها وشقيقتها للضغط عليها، وصودرت أموالها وممتلكاتها، بما في ذلك ميدالية نوبل، التي اضطر النظام إلى إعادتها بعد احتجاج دولي، غير أن أكثر حلقات الاضطهاد ضيقاً عندما تم نصب فخ جنسي لزوجها واستدراجه، حيث صورته استخبارات النظام الإسلامي لابتزازه وإجباره على الأدلاء باعترافات مسيئة لزوجته بثت عبر التلفزيون الإيراني. وهي الأساليب التي اعتاد النظام استخدامها لإسكات المعارضين وتشويههم. وعلى رغم التهديدات غادرت إيران نحو المملكة المتحدة ليس خوفاً من السجن، بل بسبب منعها من العمل، لتواصل نشاطها في الخارج متحدثاً عن آلاف السجناء القابعين في سجون النظام، ومع ذلك ما زالت التهديدات تلاحقها.
بسؤال عبادي عن تلك التهديدات أوضحت أن أول مرة تلقت تلك التهديدات كانت خلال فترة وجودها في إيران "عندما رأيت إصدار حكم الاغتيال ضدي في ملف قضائي"، مشيرة إلى أن هذه التهديدات موجودة ومستمرة، "والشرطة تذكرني دائماً بالالتزام بالاحتياطات الأمنية".
التقية
كانت شيرين عبادي أول قاضية في إيران عام 1975، وقد أيدت الثورة ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، أملاً في تحقيق العدالة والحرية السياسية، لكن سرعان ما انقلبت الثورة ضد من صنعوها، فبصعود القوى الإسلامية للحكم بقيادة آية الله روح الله الخميني تم استبعادها وغيرها من النساء من المناصب القضائية. ووسط كفاح لسنوات ضد النظام حصلت أخيراً على رخصة مزاولة المحاماة عام 1992.
واحدة من الصدمات التي مرت بها عبادي خلال تلك الفترة هي إعدام شقيق زوجها الذي تم اعتقاله بعد الثورة بسنتين، وكان عمره حينها لا يتخطى الـ16 سنة، فضلاً عن اعتقال وإعدام آلاف الشباب ممن ناصروا وأيدوا الثورة التي أتت بالخميني إلى الحكم، حيث أعربت المحامية الحائزة جائزة نوبل عن ندمها لمساندة الثورة عام 1979.
بسؤالها عن تلك اللحظة التي شعرت فيها بالندم وما كانت تتوقعه من حكم رجال الدين، تحدثت عبادي عن خطاب مخادع تبناه الخميني حول الديمقراطية والحريات قبل الثورة وهو ما يعرف في الأيديولوجية الإسلاموية بالتقية. وقالت إنه "قبل الثورة الإيرانية كان الخميني يطلق كلاماً جيداً كان يعد بالحريات، ويقول إنه حتى الشيوعيين بإمكانهم ممارسة أنشطتهم في البلاد، سنوفر حريات للنساء ونعطيهن حقوقاً متساوية ورفاهاً للشعب... لكن كل هذه كانت أكاذيب من أجل خداع الشعب". وتابعت، "لم يمضِ شهران من وصوله إلى البلد حتى أعلن فرض الحجاب لجميع الموظفات، وعمل على إصدار قوانين تحدُّ من الحريات. أتذكر ذلك حدث في الثامن من مارس 1979، انتبهت وقتها أن هذا الإنسان يكذب، وأن الوعود التي قطعها لم يعمل بها، وحدث أنهم أصدروا عديداً من القوانين المناهضة للنساء، قتلوا الشيوعين ممن أسهموا في الثورة، وضع النظام أساسه على الكذب والخداع. منذ تلك اللحظة في الثامن من مارس 1979 ابتعدت عن النظام".
بين الشاه والخميني الكذاب
مضت عبادي في حديثها عن إيران ما قبل وما بعد الشاه، قائلة "إذا ما قارنا نظام الشاه بالنظام الحالي، فهو كان أفضل بكثير. في زمن الشاه كنا نتمتع بحريات فردية، كنا نرتدي ما نريد ونتواصل مع من نريد، كانت النساء يتمتعن بحقوق كثيرة، حتى إن النساء في إيران حصلن على حق التصويت حتى قبل النساء في سويسرا، ووصلن إلى البرلمان." وأضافت، "كنا نتمتع بمستوى رفاه أعلى بكثير. كانت إيران أكثر ازدهاراً، لكن للأسف، بعد مجيء النظام الإسلامي، فقدت النساء جميع حقوقهن وفقدنا حرية الأحزاب والتجمعات، واشتدت الرقابة على وسائل الإعلام والنشر وتقلص مستوى معيشة الشعب، إلى درجة أن أكثر من 70 في المئة من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر".
ومع ذلك أشارت إلى غياب الحريات السياسية في عهد الشاه، حيث كانت الصحف تخضع للرقابة ونشر الكتب يتطلب الحصول على تراخيص، وكان يتم رفض نشر كثير من المحتوى، وهو ما أدى إلى غضب الشعب ومعارضته لنظام الشاه، مستدركة بالقول "لكنه (الشعب) تعرض لخداع من رجل طاعن في السن وكذاب" في إشارة إلى الخميني.
العالم يغضُّ الطرف عن جرائم النظام
يشعر الإيرانيون بتخلي الغرب عنهم، وعدم ممارسة ضغط كافٍ على النظام أو تقديم الدعم الكافي كما فعل في دول أخرى. ففي وقت تتخذ فيه الحكومات الغربية إجراءات ضد بعض الأنظمة والحكومات في المنطقة وتخرج التظاهرات المساندة، فإنه حتى بعد قتل النظام الإيراني آلاف المتظاهرين في مطلع العام لم يلقَ الشعب الإيراني مثل هذه المواقف الداعمة من قبل الحكومات الغربية أو الإعلام الذي يفسح مساحات واسعة لتغطية أزمات وأحداث عنف دون أخرى.
وتساءلت الناشطة والصحافية الإيرانية مسيح علي نجاد، التي حاول النظام اغتيالها في منفاها في الولايات المتحدة، لماذا لم يخرج الأوروبيون يحتجون "إيران حرة" مثلما فعلوا مع فلسطين، وشكت في منشورات عدة من مشاركة ممثلين عن الحكومة البريطانية وصحافيين بريطانيين، السفارة الإيرانية احتفالها بذكرى تأسيس النظام الإسلامي في فبراير (شباط) الماضي، بعد أسابيع قليلة من قتل آلاف المتظاهرين في طهران ومواصلة النظام إعدام معارضيه.
تتشارك عبادي الشعور نفسه، وتقول، "نعم، لسنوات عديدة كان العالم يغض الطرف عن جرائم النظام بسبب المصالح الاقتصادية. أنا أقول لكم بعضها مثلاً في بلجيكا اعتقلوا دبلوماسياً إيرانياً كان يحمل متفجرات لقتل معارضين. لقدت تمت محاكمته في بلجيكا وحكم عليه بالسجن 20 عاماً، لكن الحكومة البلجيكية عملت على استبدال رهائن بلجيكيين به، وعاد إلى إيران واستقبلوه حيث عاد للعمل دبلوماسياً في وزارة الخارجية... مثل هذه الأمور، بخاصة في البلدان الأوروبية، تحدث كثيراً... هذا الأمر يؤدي إلى بعثرة الأمن والاستقرار في الدول الأوروبية، وقد شهدنا عدداً كبيراً من الاغتيالات نفذها النظام في أوروبا".
العلمانية هي الحل
كثيراً ما أدى إسقاط أنظمة الحكم في المنطقة إلى صعود القوى الإسلامية التي سرعان ما تسعى إلى فرض الاستبداد الديني. فمثل إيران، أفضت ثورة يناير 2011في مصر إلى وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، والذين سرعان ما هرعوا إلى إجراءات لتمكين حكمهم، ذلك قبل أن يُطاحوا من السلطة عام 2013. وفي سوريا، تحولت الانتفاضة الشعبية إلى صراع معقد، برزت فيه جماعات متطرفة وبات المشهد يخيم عليه الانقسامات والعنف الطائفي والاستبداد باسم الدين، تكرر ذلك سابقاً في السودان في تسعينيات القرن الماضي، حيث صعدت قوى ذات توجه إسلامي إلى السلطة، وكذلك أفغانستان التي شهدت صعود حركة "طالبان".
تقول عبادي إن هذا الخطأ نفسه الذي وقع فيه الشعب الإيراني عام 1979 "في تلك الفترة ظنوا أنه إذا ما أتى الإسلاميون إلى الحكم يتغير الوضع إلى الأفضل، لكن رأينا في جميع هذه البلدان لم يحدث ذلك". وشددت على الحاجة إلى إدارة الدول بالديمقراطية و"ليس عبر القوانين (الدينية) المكتوبة سابقاً"، وأضافت "نحن مسلمون، ونعتز بديننا، لكن الحكومة يجب أن تكون علمانية... الدين يتعلق بنا كأفراد، ونمارس ذلك في المنزل، في قلوبنا، إنه ليس للحكم... الحكم يجب أن يكون على أساس ضوابط حقوق الإنسان".