ملخص
لزمن طويل كانت مدينة الفرما شمال سيناء البوابة الشرقية لمصر وحائط الصد الأول أمام أي عدو، وفي الوقت نفسه فهي ممر تجاري مهم وميناء، ومما أعطى المدينة أهمية وقيمة تاريخية أن العذراء والمسيح دخلا إلى مصر منها، وكذلك المسلمون بقيادة عمرو بن العاص
من بين مدن عدة كان لها تاريخ طويل في مصر وتعاقبت عليها الحضارات، تأتي مدينة تل الفرما الواقعة شمال سيناء، وقد أطلق عليها الفراعنة اسم "بر آمون" وتعني مدينة آمون، ووصلت إلى أوج ازدهارها خلال العصرين اليوناني والروماني، إذ كانت تعرف باسم "بيلوزيوم"، منافسة مدينة الإسكندرية، باعتبارها كانت ميناءً شهيراً، ولاحقاً كانت تسمى "برما" وهي التسمية القبطية للمدينة، ومنها اشتق الاسم العربي "الفرما".
ولزمن طويل كانت منطقة الفرما البوابة الشرقية لمصر وحائط الصد الأول أمام أي معتد، وفي الوقت نفسه كانت ممراً تجارياً مهماً وميناء، ومما أعطى المدينة أهمية وقيمة تاريخية هو دخول العذراء والمسيح منها إلى مصر، وكذلك المسلمون بقيادة عمرو بن العاص، ويذكر المؤرخون أنه من خلالها دخل لمصر أيضاً نبي الله إبراهيم والنبي يوسف وإخوته قادمين من الشرق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن بين ما أعطى هذه المدينة قيمة وأهمية على مستويات عدة هو امتداد فرع للنيل حتى سيناء، كان يعرف بالفرع الـ "بيلوزي"، ومنه اشتق اسم المدينة خلال العصر اليوناني - الروماني، إذ كانت تسمى "بيلوزيوم"، ومن المعروف أنه سابقاً كانت فروع النيل سبعة بقي منها حالياً فرعا دمياط ورشيد، وبفعل عوامل طبيعية مختلفة اندثرت باقي الفروع الأربعة، ومن بينها الفرع الـ "بيلوزي" الذي كان ينتهي عند مدينة الفرما.
مسار الحملات العسكرية
وعن قيمة وأهمية موقع تل الفرما يقول كبير الأثريين في وزارة الآثار المصرية مجدي شاكر، إنه "طوال التاريخ كانت الجهة الشرقية لمصر شديدة الأهمية، ومعظم من رغب في احتلال البلاد جاء من خلالها مثل الهكسوس وغيرهم، فهي تمثل أحد أهم النقاط الحدودية للبلاد، ومع إدراك الأهمية والخطورة كان هناك اهتمام بها وبخاصة منذ عصر الدولة الحديثة، عبر إنشاء مجموعات من القلاع والحصون والنقاط الأمنية، وصاحب ذلك بناء منشآت لخدمة هذه المواقع، مثل ورش لصناعة الأسلحة وآبار ومخازن للحبوب، ولاحقاً معابد وغيرها، ومن هنا جاء إنشاء ما عرف بطريق حورس الحربي الذي كان مساراً للحملات العسكرية وطريقاً يسلكه الجيش، وهذا الطريق ممثل في معبد الكرنك، وكانت منطقة الفرما من بين النقاط ذات الأهمية التي يمر عليها".
ويضيف شاكر أن "هذا الطريق الذي كان مساراً للجيش المصري كان في الوقت نفسه طريقاً للغزاة في أوقات الضعف، كما أنه في غير أوقات الحرب كان طريقاً تجارياً يمر على مسارات عدة من بينها تل الفرما التي زاد من قيمتها في هذه الآونة أنها كانت ميناء، وكان يصل إليها أحد أفرع النيل المندثرة، وبصورة عامة فحيثما وجدت المياه وجدت الحضارة وتركز الناس وزادت الإنشاءات، وهو ما حدث في هذه المدينة، وأتصوّر أن ما جرى الكشف عنه من مواقع أثرية فيها أقل بكثير مما يمكن العثور عليه".
مواقع أثرية
اكتشافات أثرية عدة وجدت في منطقة تل الفرما، فالمدينة التي تعاقبت عليها الحضارات تزخر بطبقات متنوعة من التاريخ ممتدة عبر العصور، ومن أهم المواقع الأثرية القلعة الرومانية التي أعيد بناؤها وترميمها خلال العصر العباسي عام 853 م، وهي من أقدم الآثار العباسية في مصر، وحمامان رومانيان أحدهما شمال المدينة والآخر جنوبها، ومسرح روماني وحلبة سباق وصهاريج مياه، وتوجد آثار لكنيسة دائرية، وهي إحدى خمس كنائس في العالم بشكل دائري ترجع للقرن الخامس الميلادي.
ومن أحدث الاكتشافات الأثرية المعبد الذي كشف عنه أخيراً، وهو بقايا مبنى ديني فريد من نوعه كان مكرّساً لعبادة الإله المحلي للمدينة المعروف باسم "بلوزيوس"، وتشير بقايا المعبد المكتشفة إلى التصميم المعماري الفريد الذي يجمع بين التقاليد المصرية القديمة والطرازين الهلنستي والروماني، في تجسيد استثنائي للتفاعل الحضاري بين مصر والعالم القديم.
ويتكون مبنى المعبد من حوض دائري ضخم قطره 35 متراً متصل بفرع النيل الـ "بيلوزي"، حيث كان يملأ بالمياه المحملة بطمي النيل في دلالة رمزية على الارتباط بالإله "بلوزيوس"، الذي اشتق اسمه من الكلمة اليونانية "بلوز" بمعنى "الطين"، ويحيط بالحوض نظام متكامل من القنوات لتصريف المياه، بينما تتوسطه قاعدة مربعة يرجح أنها كانت مخصصة لحمل تمثال ضخم للمعبود، وتظهر الطبقات الأثرية في الموقع استمرار استخدام المعبد من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي، مع تعديلات معمارية محدودة عبر العصور.
وفي عام 2022 جرى الكشف عن بقايا معبد للإله "زيوس كاسيوس"، وأشار المتخصصون إلى أن عالم الآثار الفرنسي جان كليدا تمكن عام 1910 من الكشف عن نقوش يونانية متأخرة في هذا الموقع، تشير إلى وجود معبد لـ "زيوس كاسيوس" في هذا المكان، لكن لم يعثر عليه إلا بعد أكثر من 100 عام.
محطة في مسار العائلة المقدسة
كان أوج ازدهار لمدينة الفرما في العصر اليوناني - الروماني ولاحقاً البيزنطي على رغم وجودها قبل ذلك بزمن طويل، ولذلك فإن كثيراً من الآثار المكتشفة فيها تعود لهذه الحقب، ويعود كثير من بقايا الأبنية إلى العصر اليوناني - الروماني أو كنائس تعود لمرحلة ما بعد دخول المسيحية إلى مصر.
ومن أهم ما يميز مدينة الفرما أنها كانت واحدة من النقاط التي مرّت بها العائلة المقدسة بداية رحلتها إلى مصر، وقد ذكر ذلك كثير من المؤرخون ومن بينهم المقريزي عام 1441، إذ أشار إلى وجود كنيسة في الفرما باسم السيدة مريم العذراء، بُنيت تيمناً بمرور العائلة المقدسة في هذا المكان.
ويقول أستاذ القبطيات في جامعة القاهرة عاطف نجيب إن "العائلة المقدسة خرجت في رحلتها من بيت لحم في فلسطين مروراً بغزة، ثم سارت حذاء ساحل البحر المتوسط حتى دخلت مصر، واستكملت مسيرتها حتى وصلت إلى منطقة الفرما، ومنها انطلقت نحو الدلتا، وفي المخطوط رقم (48) المحفوظ بدير المحرق والمتعلق برحلة العائلة المقدسة، فمن بين ما هو مكتوب أن الملاك ترك العذراء والمسيح عند باب مدينة الفرما، وكثير من كتابات المؤرخين القدامى مثل هيرودوت تشير إلى أهمية المدينة في العصر اليوناني الروماني".
ويتابع نجيب أن "أحد الرهبان القادمين من أنطاكية لمصر من طريق الفرما في القرن التاسع الميلادي يروي عن كنيسة بجوارها مغارة يرجح أن العائلة المقدسة أقامت فيها، وفي عصر لاحق اكتشفت كنيسة منحوتة في الصغر بها مغارة قد تكون هي التي أشار إليها الراهب الأنطاكي، ووجدت كنيسة دائرية غرب الفرما قريبة من شكل كنيسة "مارجرجس" في مجمع الأديان بالقاهرة، وإلى الشرق من المدينة توجد منطقة تعرف بتل المخزن كانت تمثل الضاحية الدينية للفرما خلال العصر البيزنطي، وإلى الغرب توجد منطقة تعرف بتل الكنائس ومن بينها كنيسة مدشنة لـ "أبيماخوس الفرمي"، وهو من أبناء المدينة، وغرب تل الكنائس وجدت ساقية وقنوات مائية وأحواض كانت تستخدم للشرب".
ضرورة إعادة الإحياء
لا يعرف كثير من الناس تاريخ مناطق مهمة من سيناء المصرية، وكيف مرّت عليها حضارات متعاقبة وكانت فيها مواقع شديدة الأهمية على المستوى السياسي والديني، وتشهد على ذلك الاكتشافات الأثرية المختلفة، لكنها على أرض الواقع تحتاج إلى شكل من أشكال إعادة الإحياء عبر التعريف بها والعمل على وضعها على خريطة السياحة.
ويؤكد مجدي شاكر أن "هناك كثيراً من الأماكن في مصر تحتاج إلى تسليط الضوء عليها بصورة أكبر، بينها مدينة مثل تل الفرما شمال سيناء، فالسائد عند قطاع كبير من المصريين أن سيناء عبارة عن مساحات شاسعة من الصحراء يسكنها بدو، ويتخللها بعض المواقع الأثرية الشهيرة مثل "دير سانت كاترين" على سبيل المثال، لكن في هذه المنطقة قامت حضارات ووجدت إنشاءات عظيمة لا تزال بعض بقاياها قائمة، وعلى صعيد آخر فهناك ضرورة إلى الإشارة لمثل هذه الأماكن وتاريخها في المناهج الدراسية، حتى يتعرف عليها الطلاب باعتبارها تمثل جزءاً مهماً من تاريخ البلاد".
ويضيف عاطف نجيب أن "عدداً من المنتجات السياحية يمكن تسويقها والحصول على عائد كبير منها ومن بينها السياحة الدينية، فالترويج لمثل هذه المواقع لا بد من أن يكون أولوية مثل باقي أنواع السياحة، وخلال الأعوام الأخيرة فهناك اهتمام من الدولة بمسار رحلة العائلة المقدسة ووضعه على خريطة السياحة، وهناك تطوير لمواقع المسار وتسجيل للاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة على قوائم التراث العالمي غير المادي لـ "يونيسكو"، ويمكن أن يكون ذلك دافعاً لإحياء السياحة في منطقة الفرما".
ومع الزمن فإن عوامل عدة أدت إلى تراجع أهمية المدينة وتدهور حالها، بعضها طبيعي مثل جفاف فرع النيل الـ "بيلوزي" وبعضها بفعل الصراعات السياسية المختلفة، ولأنها كانت المحطة الأولى لكثير من الغزاة فقد دُمرت أجزاء منها تدريجياً، ومع جفاف النهر هجرها السكان لمناطق أخرى، وأفل نجم المدينة ولم يبق فيها سوى الأطلال.