Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منازل رشيد التاريخية... متحف مفتوح للعمارة الإسلامية

تضم المدينة المصرية 22 منزلاً تراثياً من حيث التخطيط والتصميم ومواد البناء وتأتي بعد القاهرة في عدد الآثار الإسلامية وعندها يلتقي البحر المتوسط بالنيل

أدرجت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة منازل رشيد على قائمة التراث خلال دورتها الأخيرة (مواقع التواصل)

ملخص

أدرجت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) خلال دورتها الأخيرة المنازل التاريخية بمدينة رشيد (شمال مصر) على قائمة التراث في العالم الإسلامي لما لهذه المنازل من طابع أثري ومعماري فريد. فما هي؟ وما يميزها؟

حينما تذكر مدينة رشيد المصرية على المستوى التاريخي والأثري فإنه غالباً ما يتبادر إلى الأذهان حجر رشيد ذلك الحجر الذي اكتشف إبان الحملة الفرنسية على مصر، وكان السبب في معرفة أسرار حضارة مصر القديمة بفك رموز الهيروغليفية على يد عالم الآثار الفرنسي الشهير شامبليون. لكن رشيد لها تاريخ كبير في عصور لاحقة أبرزها العصر الإسلامي، إذ إنها تضم أكبر عدد من الآثار الإسلامية بعد القاهرة، متنوعة ما بين المساجد والمنازل والقلاع التي تعد أشهرها قلعة قايتباي، فالمدينة تمثل متحفاً مفتوحاً للعمارة الإسلامية.

أخيراً، اعتمدت لجنة التراث في العالم الإسلامي التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) خلال دورتها الأخيرة التي عُقدت في طشقند، إدراج المنازل التاريخية بمدينة رشيد على قائمة التراث في العالم الإسلامي، بما يعكس القيمة الحضارية والإنسانية الفريدة لهذه المنازل. ولرشيد التي تقع على مسافة 263 كلم شمال القاهرة وعلى بعد نحو 60 كلم شرق الإسكندرية، وتتبع محافظة البحيرة موقعاً متميزاً، إذ إنها تقع في نقطة التقاء النيل بالبحر المتوسط عند نهاية فرع رشيد، ومنحها هذا الموقع الفريد أهمية كبيرة على مستويات متعددة، أهمها أنها كانت في بعض الفترات ميناء شهيراً، سواء على شاطئ المتوسط أو كوسيلة للانتقال إلى القاهرة عبر الإبحار في النيل.

 

على مدار سنوات طويلة كانت هناك دعوات من المتخصصين في التراث الإسلامي إلى ضرورة أن يكون هناك اهتمام بمنازل رشيد والسعي لإدراجها على خريطة السياحة، باعتبارها نموذجاً معمارياً فريداً ذا نسيج واحد ليس له مثيل في مصر بمعمارها المتميز وواجهاتها التي تزينها المشربيات الخشبية ذات الزخارف الدقيقة التي كانت سائدة في طراز منازل هذه الفترة، أحد هذه المنازل جرى تحويله إلى متحف رشيد القومي وهو المعروف بمنزل عرب كلي الذي كان حاكماً للمدينة، وهو مكوّن من 4 طوابق على الطراز الإسلامي، ومن المنازل الشهيرة منزل علوان المسمّى باسم صاحبه الذي كان شهبندر التجار في المدينة، ويذكر أنه في هذا المنزل التقى أحمد عرابي أعيان رشيد لإقناعهم بالثورة على الخديوي توفيق. وقد كان لازدهار المدينة وأهميتها ورواج حركة التجارة فيها في حقب معينة أثر كبير في الطابع المعماري، إذ إن وجود كبار التجار والأثرياء انعكس ببناء منازل بطراز معماري مميز وبفخامة في تفاصيل هذه المنازل من الداخل.

22 منزلاً أثرياً

يقول أستاذ الفنون والآثار الإسلامية محمد حمزة الحداد، "يميز رشيد هو أنها تضم أكبر عدد من الآثار الإسلامية بعد القاهرة، وهي آثار متنوّعة، ولها قيمة كبيرة، ومن بينها منازل رشيد ذات الطابع المعماري الفريد التي يصل عددها إلى 22 منزلاً، وهي من أروع المنازل الأثرية في مصر، سواء من حيث التخطيط أو مواد البناء أو التصميم المعماري الفريد، الذي لا يوجد له شبيه في مصر، فهو خاص بمدينة رشيد وأحد أسباب تفرد هذه المنازل".

 

يضيف الحداد، "من بين ما يميز هذه المنازل هو أنها مبنية بطوب المنجور، وهو نوع تتميز به رشيد، له طبيعة خاصة، باعتباره يجمع بين لونين، وبه تضاد لوني يجعل له قيمة جمالية في ذاته، وتشتهر به المدينة، وأحياناً يطلق عليه المكحول، فعلى مدار عصور وحتى الآن فإن مدينة رشيد كانت تشتهر بصناعة الطوب، وتنتشر فيها قمائن الطوب، ما يميز هذه المجموعة من المنازل هو أنها مجموعة أثرية ذات نسيج واحد، ويميزها طراز معماري فخم ومن بينها 14 منزلاً تحتوي على أسبلة ملحقة بها، كذلك يميزها أن أغلبها كان الطابق الأرضي بها يستخدم كوكالة، ولهذا بعد اقتصادي حيث كان يستخدم لتخزين البضائع، وفي الوثائق العثمانية كان يطلق عليه اسم الشادر، ويرجع هذا إلى رواج التجارة في المدينة التي كانت مركزاً تجارياً مهماً".

 

ويشير أستاذ الفنون والآثار الإسلامية إلى أنه "من أشهر هذه المنازل منزل الميزوني المعروف بمنزل غادة رشيد، وهي السيدة زبيدة التي تزوّجها مينو قائد الحملة الفرنسية على مصر إبان وجوده في رشيد، ومنزل الأماصيلي، ومنزل جلال، ومنزل عصفور، ومنزل محارم، ومنزل المناديلي، وغيرها. وكل واحد من هذه المنازل له حكاية وقصة جديرة بالاهتمام، وهذا لا يقل في الأهمية عن المنازل ذاتها باعتباره تراثاً ثقافياً غير مادي يحتاج إلى الجمع والتوثيق، وهناك أهمية كبيرة حالياً لجمع هذا التراث عن طريق فريق بحثي يجمع الحكايات الشفهية والمتداولة من العجائز في المدينة ومن الروايات المتواترة فهذه إحدى الوسائل التي يمكن عن طريقها كتابة بعد آخر لتاريخ المدينة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ازدهار وأفول للمدينة

"رخيت" التي تحولت لاحقاً باللغة القبطية إلى "رشيت"، ومنها اشتق اللفظ العربي "رشيد"، التي تعرف باللغات الأجنبية باسم "روزيتا" اشتهرت في عصر مصر القديمة بأنها كانت مركزاً لصناعة العجلات الحربية، ووصلت إلى أوج ازدهارها خلال فترات من العصر الإسلامي، بخاصة العثماني، فانعكس هذا في كم الآثار الإسلامية التي تضمها، وفي العصر الحديث شهدت عديداً من الأحداث الفارقة أبرزها تصدي أهلها بالمقاومة الشعبية للحملة الإنجليزية بقيادة فريزر، وإجبارهم الإنجليز على التقهقر للإسكندرية لتتحول ذكرى هذه المعركة المعروفة باسم حملة فريزر، وهو الـ 19 من سبتمبر (أيلول) إلى العيد القومي لمحافظة البحيرة التي تقع فيها مدينة رشيد، ومن بين أشهر الآثار المرتبطة بهذا الشأن هو مسجد زغلول الأثري، الذي منه انطلقت شرارة المقاومة الشعبية ضد الإنجليز.

 

وفي وقت الحملة الفرنسية على مصر كان لها حضور كبير لاهتمام الفرنسيين بإحكام قبضتهم عليها لضمان التحكم في الملاحة في النيل، باعتبارها ميناءً مهماً ومدخلاً للسيطرة على الدلتا وصولاً إلى القاهرة.

يقول الحداد "من المفارقات أن فترات ازدهار رشيد كانت تتواكب مع تدهور الإسكندرية، ففي العصر المملوكي على سبيل المثال كانت الإسكندرية هي الميناء الرئيس فلم تكن رشيد في أوج تألقها، بينما العصر العثماني كان عصراً ذهبياً لرشيد، فكان الباشا العثماني يصل إلى مصر عبر ميناء رشيد لا الإسكندرية ويستكمل رحلته عبر النيل إلى بولاق ومنها يتوجه إلى القلعة، ولاحقاً في عصر محمد علي عادت الإسكندرية للازدهار، بالتالي تقلّصت أهمية رشيد كميناء".

 

ويستكمل "هذه المدينة تحتاج إلى اهتمام كبير، وتسجيل هذه المنازل على قائمة الإيسيسكو تأخر لقيمتها الأثرية والفنية والمعمارية، ونأمل في أن تكون هذه خطوة على طريق تسجيلها على قوائم اليونيسكو للتراث العالمي، مصر بها عديد من المواقع الأثرية التي يجب أن تعمل على تسجيلها بإعداد ملفات قوية، فعدد المواقع المدرجة لا يتناسب نهائياً مع كم التراث الثقافي والحضاري الذي تتميز به البلاد، وتحتاج رشيد إلى أن توضع في بؤرة الاهتمام على كل المستويات وإلى مزيد من التنمية المستدامة إلى جانب التسويق السياحي، إضافة إلى أن تاريخ المدينة الممتد منذ مصر القديمة يجعل هناك ضرورة لأن تستمر الحفائر فيها، لأنه متوقع أنها تضم كثيراً من الآثار غير المكتشفة لامتداد تاريخها".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات