Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

توأم أبو الهول... ما حقيقة وجود تمثال ثان تحت الرمال؟

منذ أواخر التسعينيات وهذه الفرضية محل نقاش وانقسام بين الأثريين لكن لا حسم حقيقياً حول جدلية وجود التمثال مدفوناً

تمثال أبو الهول يمثل جسم أسد ورأس إنسان وهو من أشهر تماثيل مصر القديمة على مدى عصورها (أ ف ب)

ملخص

باحث إيطالي يقدم دلائل على وجود تمثال آخر لأبو الهول مدفون تحت الرمال مقابل التمثال الحالي، وهذه الفرضية طرحت من قبل عالم آثار مصري منذ التسعينيات، فهل تقود كل هذه الخيوط إلى العثور على تؤام للتمثال الشهير؟

طرح أخيراً الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي دراسة أثارت جدلاً أثرياً تفترض أن هناك توأماً لتمثال أبو الهول الشهير القابع أمام أهرامات الجيزة، باعتبار أنها إن صحت فهي تعيد كتابة جانب من التاريخ لواحد من أهم المواقع الأثرية وأكثرها شهرة في العالم.

ونشرت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية تقريراً مطولاً أشار ضمنه الباحث الإيطالي إلى وجود بيانات تفيد بوجود بنية ضخمة مخفية يبلغ ارتفاعها 180 قدماً، قال إنها تحت كومة من الرمال المتصلبة وليست صخوراً طبيعية، وأنه جرى الحصول على هذه المعلومات باستخدام تقنية رادار الأقمار الاصطناعية القادرة على رصد الاهتزازات الأرضية الدقيقة، لافتاً إلى أن عمليات المسح الأولية أظهرت وجود آبار وممرات رأسية تشبه إلى حد كبير تلك التي عثر عليها سابقاً أسفل تمثال أبو الهول الأصلي، مع خطوط رأسية كثيفة يعتقد بأنها تمثل جدراناً صلبة لآبار تحت الأرض وليست فراغات.

وقال بيوندي إنه عندما رسم خطاً من مركز هرم خفرع إلى تمثال أبو الهول الحالي، ورسم الخط نفسه بصورة معكوسة من مركز الهرم الأكبر، فإنه وصل إلى نقطة ظهرت في عمليات المسح بأن بها تلة، وهو الموقع المقترح لأن يكون أبو الهول الثاني مدفوناً فيه تحت كومة من الرمال المتصلبة، موضحاً أن عمليات المسح التي أُجريت على تمثال أبو الهول الأصلي كشفت أيضاً عن شبكة من الأنفاق والحجرات تحته، وهي سمات يعتقد بأنها تشبه ما جرى رصده في الموقع الثاني المحتمل، ووصف ذلك بتناظر مذهل مما يزيد من أوجه التشابه بين الموقعين ويدعم الفرضية. مشيراً إلى أنه على رغم هذه الدلالات المهمة، فإن هناك ضرورة لإجراء عمل ميداني قبل التوصل إلى أية استنتاجات نهائية، وأن هناك ضرورة قصوى لدراسة المنطقة بعناية، وأنه وفريقه حددا بعض المداخل الخاصة التي يمكن أن تكون مدخلاً للبحث في الموقع، وأوضح أنه جرى إعداد مقترح مشروع للبحث يمكن أن يقدم إلى مصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليست هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها هذا الطرح، إنما سبق أن قدّمه منذ أواخر التسعينيات المتخصص في المصريات بسّام الشماع الذي طرح فرضية وجود تمثال آخر لأبو الهول وجمع دلائله في كتاب بعنوان "ترميم التاريخ ونظرية أبو الهول الثاني" لتثير الجدل بين أوساط علماء الآثار في مصر على مدى أعوام، وأشارت إلى ذلك "ديلي ميل" مع الإعلان عن ادعاء الباحث الإيطالي أخيراً.

وطوال أعوام أثيرت نقاشات بين كثير من علماء الآثار على فترات متلاحقة، بعضهم رفض هذا الطرح رفضاً قاطعاً، وبعضهم الآخر تحفظ وآخرون أيّدوا الفكرة ووجدوا أنها ربما تحمل شيئاً من الصواب لا مانع من البناء عليه أياً كانت النتيجة سواء وجد أبو الهول آخر أو لا.

ومن بين أشد المعارضين لهذا الحديث على مدى سنوات، عالم المصريات ووزير الآثار السابق زاهي حواس الذي أشار ضمن تصريحات إعلامية أخيراً إلى أن وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول أمر طرح منذ عقود، وأنه جرى عمل حفائر سابقة في منطقة أهرامات الجيزة، ومن بينها الموقع المقترح، ولم تسفر عن شيء، وألا يوجد دليل على هذه الفرضية.

أدلة قابلة للدراسة

دلائل متعددة قدمها عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بسام الشماع لإثبات فرضيته التي تتوافق مع طرح الباحث الإيطالي وعنها يقول "السيمترية أو التناظرية عند المصري القديم هي أمر له دلالة وأهمية قصوى، فعلى أبواب المعابد تنفذ التماثيل الصرحية العملاقة على جانبي المدخل، وكذلك المسلات، ومواقع مثل طريق الكباش وغيره، فالمصري القديم اعتمد السيمترية منهجاً، وفي العقيدة المصرية القديمة وجدت الآكر، وهما أسدان قد يكونان برأس إنسان أو أسد، رابضين في المقابر بظهرين متقابلين، ينظران في اتجاهين متعاكسين للشرق والغرب بهدف حماية المقبرة، وكذلك وجد الروتي وهو منظر مرسوم على البرديات والمقابر لأسدين وله علاقة بالشمس والأفق واستمرارية الحياة، والأسدان لبدة أحدهما أصغر من الأخرى، مما يرجح أنها أنثى".

ويضيف أن "أمام أبو الهول يوجد معبد كان مخصصاً لأن يتعبد فيه الناس لأبو الهول، وفي الوقت نفسه على الجانب الآخر هناك معبد يعرف بمعبد الوادي، والمعبدان لا يزالان قائمين بالفعل، فإذا لم يكُن هناك تمثال مطابق لأبي الهول في الجانب الآخر فلماذا أُنشئ هذا المعبد؟ وماذا كان الهدف منه؟ وفي عصر الدولة الحديثة كان الاسم الذي يعرف به أبو الهول (حور - إم - آخت) بمعنى حورس في الأفق، وحتى وقتنا هذا لا يوجد أي نص من عصور سابقة يقول لنا ماذا كان اسم أبو الهول خلال الحقب السابقة على الدولة الحديثة ولا يوجد تحديد دقيق للملك الذي قام ببنائه".

 

ويدعم الشماع فرضيته بدليل آخر، قائلاً "هناك لوحة شهيرة من الحجر الجيري تعرف بـ(لوحة الإحصاء) اكتشفت في هضبة الجيزة ضمن منطقة لا تبعد من أبو الهول، وكانت معروضة في المتحف المصري بالتحرير وبها نص أشار إليه عالم الآثار الراحل سليم حسن مفاده بأن الملك خوفو توجه لمنطقة الجيزة لإعادة طلاء وترميم تمثال (حر- أم – آخت) الذي تعرض لصاعقة كقرار من رب السماء، فتحطمت قلنصوة النمس، وبالفعل خلف رأس أبو الهول هناك كسر في القلنصوة، والشائع عند غالبية علماء المصريات هو أن أبو الهول بُني خلال عهد خفرع، لكن هذا النص يفتح مجالاً جديداً للبحث، وهو أن أبو الهول سابق على عهد خوفو، وهذا أمر جدير بالدراسة".

ويتساءل الشماع حالياً عن موقع هذه اللوحة لأنها في الوقت الحالي غير موجودة في المتحف المصري، فهل تغير موقعها أو يجري ترميمها أو رفعت مع ترتيبات نقل كثير من القطع الأثرية إلى المتحف الكبير، ويأمل أن يُعاد عرضها باعتبارها قطعة أثرية مهمة وفريدة، ويدعو إلى أن تكون فرضية وجود تمثال ثانٍ لأبي الهول مثار دراسة وبحث ضمن مؤتمر علمي موسع لأن ذلك في جميع الأحوال سيسفر عن إضافة إلى علم المصريات.

وفرضية أن أبو الهول سابق على عهد الملك خفرع طرحت سابقاً على يد عالم الجيولوجيا الأميركي روبرت شوك الذي قدم طرحاً مفاده بأن بناء أبو الهول يسبق بزمن طويل بناء الأهرام، مستنداً إلى وجود شقوق عمودية، وتآكل ناتج من الأمطار الغزيرة في محيط التمثال، مما يمثل تعارضاً مع طبيعة المناخ الصحراوي السائد منذ أكثر من 5 آلاف عام في هذه المنطقة، ويشير أيضاً إلى أن رأس أبو الهول أصغر بكثير من جسمه، مما يدلل على أنه قد يكون أُعيد نحته خلال عهد الملك خفرع، بينما بناء الجسم يعود لحقبة أقدم بكثير.

لوحة الحلم

استند الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي وفريقه إلى دليل آخر لإثبات فرضيتهما، وهو لوحة الحلم القائمة عند أقدام أبو الهول التي يظهر فيها تمثالان لأبو الهول ينظر كل منهما إلى جهة، مفترضاً بأن هناك جانباً من الحقيقة وراء هذا، وأنها ليست مجرد رمز، ولكنها تقدم دليلاً على التصميم الذي كان قائماً سابقاً بوجود تمثالين بالفعل كل منهما في جانب.

وعن لوحة الحلم يقول مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية المتخصص في المصريات حسين عبدالبصير إن "لوحة الحلم تعود لعصر تحتمس الرابع من الأسرة الـ 18 في عصر الدولة الحديثة، وفي هذا الوقت كان هناك صراع على السلطة، وكان الأمير تحتمس قبل أن يصبح ملكاً يصطاد في هضبة الجيزة وجاء له أبو الهول في الحلم، قائلاً إنه لو رفع عنه الرمال فسيجعله ملكاً، مما قام به بالفعل واحتفالاً بهذه المناسبة صنعت هذه اللوحة من الغرانيت الوردي ووضعت بين مخلبي أبو الهول بعدما رُفعت أكوام الرمال عنه واللوحة تصور تمثالين لأبو الهول بالفعل، أحدهما على اليمين والآخر على اليسار".

 

ويضيف، "الملك في مصر القديمة كان ينصب كملك لمصر العليا والسفلى وفي تقديري أن هذا ما تعبر عنه لوحة الحلم، فهي تقدم تحتمس الرابع مرة كملك لمصر العليا وأخرى لمصر السفلى، وهناك احتمال آخر أن كلاً منهما ينظر في اتجاه ارتباطاً بالدورة الشمسية، وفي تصوري أن لوحة الحلم لا تمثل دليلاً قاطعاً على وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول مثل الفرضيات المطروحة منذ أعوام، فهي بالنهاية لم تُثبت بدليل قاطع ولم يُعثر على شيء في الحفريات المتعددة التي أجريت في هضبة الجيزة حتى الآن، وأثار حديث الباحث الإيطالي زخماً حول هذا الأمر، وانتشر بقوة في وسائل الإعلام العالمية لأن كل ما يتعلق بالمصريات يمثل اهتماماً كبيراً في العالم كله، ويمثل عنصر جذب للناس وبالفعل يثير جدلاً كبيراً".

ومن بين فرضيات متعددة لوجود تمثال ثانٍ على شكل أبو الهول، ما جاء به الباحث في المصريات رضا عبدالحليم مدير العلاقات العامة بمنطقة أهرامات الجيزة في وزارة السياحة والآثار المصرية عام 2021 أن هناك صخرة في منطقة هضبة الجيزة بمقاسات أبو الهول نفسها تأخذ الشكل ذاته، لكنها ليست مكتملة بشكلها النهائي، والفرضية هنا كانت تشير إلى أن الهيكل قائم على سطح الأرض وليس مدفوناً مثل الطرح السابق للمصري بسام الشماع وأخيراً للإيطالي فيليبو بيوندي.

وجوه متعددة لأبو الهول

ويعتقد بعض الناس بأن تمثال أبو الهول إلى جوار أهرامات الجيزة الذي يُثار الحديث عنه في الفرضية المطروحة أخيراً هو التمثال الوحيد، إلا أن هذا غير حقيقي وإن هناك كثيراً من التماثيل على هيئة أبو الهول من عصور مختلفة بدءاً من عصر مصر القديمة وحتى الحقبة اليونانية - الرومانية، وحتى الآن لا تزال تكتشف تماثيل بهيئة أبو الهول في مواقع أثرية مختلفة.

مفتش الآثار والمتخصص في المصريات أحمد عامر يوضح أن "تمثال أبو الهول كان يجسد رمزاً للقوة في مصر القديمة، وحرص الملوك على أن تكون لهم تماثيل بهيئة أبو الهول وكان هذا سمة أساسية للدلالة على قوة الملك وعلاقته الوثيقة بالآلهة وحتى الملكات تمثلن بهيئة أبو الهول مثل حتشبسوت، وعلى رغم تعدد تماثيل أبو الهول، فإن التمثال القائم إلى جوار أهرامات الجيزة هو الأضخم والأشهر، فهو تمثال حجري ضخم منحوت من قطعة واحدة من الحجر الجيري، ويُعد أحد أكبر التماثيل في العالم، ويبلغ طوله 73 متراً ويصل ارتفاعه إلى 20 متراً، وهو عبارة عن جسد أسد برأس بشري مزين بغطاء رأس ملكي".

 

ويستكمل أن "ما يثار حالياً وسابقاً عن وجود تمثال آخر لأبو الهول فرضية لا يمكن قبولها أو رفضها إلا في حال وجود دليل قاطع يمكن البناء عليه، ولكن يمكن البحث وراء الادعاءات المطروحة جميعها وبناء على النتائج يتم إثبات الفرضية أو نفيها. فهناك أطروحات في ما يتعلق بالمصريات عموماً وبالأهرامات وأبو الهول بصورة خاصة ترفض من البداية لعدم منطقتيها أو معقوليتها مثل ما أثير أخيراً عن وجود مدينة تحت موقع الأهرامات وغير ذلك الكثير، أما في ما يتعلق بوجود تمثال ثانٍ لأبو الهول، فهذا أمر حتى الآن لا يمكن إثباته أو نفيه بصورة قاطعة، فكلها فرضيات قابلة للبحث".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات