Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهروب أو الإعدام... يوميات متظاهري إيران بعد أشهر من القمع

منظمات حقوقية تحذر من الاستنزاف النفسي طويل الأمد بحق الجيل الشاب من المتظاهرين

الضغوط الأمنية لا تقتصر على المتظاهرين أنفسهم بل تمتد إلى عائلاتهم (رويترز)

ملخص

بعض هؤلاء الشباب انفصلوا تماماً عن حياتهم السابقة. أحد المتظاهرين في شيراز يقول "عملياً تم حذفي من الحياة. لا أستطيع الذهاب إلى العمل، ولا العودة إلى الجامعة، ولا حتى استخدام بطاقتي البنكية. حياتنا أصبحت فراراً واختباء. أحيانا أهرب إلى الجبال، وأحياناً أختبئ في بيوت أصدقاء أو أقارب بعيدين. لا أعرف إلى متى أستطيع الاستمرار هكذا. ربما في النهاية سأستسلم وأذهب لتسليم نفسي".

بعد مرور 117 يوماً على القمع الدموي والتاريخي للاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في يناير (كانون الثاني) الماضي، لم تعد الحياة بالنسبة لعدد من الشبان الذين شاركوا في تلك الأحداث إلى طبيعتها إطلاقاً. فبينما لا تزال موجات الاعتقال والإعدام وإصدار الأحكام الثقيلة تتسع أكثر فأكثر، يعيش العشرات من المتظاهرين الشباب اليوم في حالة تراوح بين الحياة السرية والفرار الدائم، من دون أفق زمني واضح، فلا يستطيعون العودة إلى منازلهم، ولا تشغيل هواتفهم، ولا حتى البقاء ليلتين متتاليتين في المكان نفسه.

وتشير معلومات وصلت إلى صحيفة "اندبندنت فارسية" من مدن طهران وكرج وزنجان ومشهد وأصفهان ورشت وشيراز وكرمانشاه وجزيرة قسم، إلى أن عدداً من متظاهري يناير الماضي، وبعد مشاركتهم في الاحتجاجات الشعبية ونتيجة الاستدعاءات المتكررة ومحاولات الأجهزة الأمنية اعتقالهم، اضطروا للجوء إلى حياة التخفي، في ظل خوف دائم من الاعتقال، جعل من أي جرس باب أو مكالمة مجهولة أو نقطة تفتيش احتمالاً مرعباً ينذر بالتعذيب أو الاختفاء أو الإعدام أو القتل داخل مراكز الاحتجاز.

يقول أحد هؤلاء الشبان، وهو في الـ22 من عمره وشارك في احتجاجات طهران ويعيش حالياً متخفياً في شمال إيران، لـ"اندبندنت فارسية"، إنه "مرت أربعة أشهر ولم أشعر ولو ليلة واحدة أنني في مكان آمن. لم يعد لدي منزل. أنتقل كل بضعة أيام من مكان إلى آخر. حتى أمي لا تعرف موقعي بدقة. أحياناً أتصل بها من شريحة مجهولة فقط لتعرف أنني ما زلت على قيد الحياة. يبدو أنه حتى لحظة سقوط النظام الإيراني، التي لا نعرف متى ستكون، علي أن أواصل هذه الحياة السرية. لأنه إذا تم اعتقالي فأنا متأكد أنهم سيحكمون علي بالإعدام مثل بقية أصدقائي".

ويضيف أن عدداً من أبناء مدينته حكم عليهم بالإعدام، بينما تمكن آخرون من مغادرة البلاد عبر الجبال أو لجأوا، مثله، إلى الاختفاء. ويقول أيضاً إنه "حتى عندما يرسل أحد الرفاق رسالة على تيليغرام، تشك فوراً بأن الهاتف ربما بيد عناصر أمنية".

ويتحدث طالب جامعي يبلغ من العمر 20 سنة من مشهد، كان قد استدعي إلى الأجهزة الأمنية ثم امتنع عن العودة إلى منزله، قائلاً إن "إعدام عدد من المعتقلين في يناير الماضي، أدخل الخوف مرحلة جديدة بين الشباب. كنا قبل ذلك نعتقد أننا قد نذهب إلى السجن ثم نخرج، لكن عندما رأينا أنهم بدأوا بالإعدام واحداً تلو الآخر، فهمنا أن الأمر مختلف تماماً وأنهم أكثر وحشية من السابق. الآن كثيرون يحاولون فقط البقاء أحياء".

ويشير إلى أنه غير مظهره بالكامل، "حلقت شعري وأطلقت لحية وغيرت طريقة لباسي. كنت أخرج يومياً، أما الآن فأبقى أحياناً أسبوعين كاملين في المكان الذي أختبئ فيه من دون أن أخرج".

وفي السياق نفسه، تعيش عدد من الفتيات الشابات وضعاً مشابهاً. فتاة تبلغ من العمر 24 سنة من جزيرة قسم، اعتقلت في 8 يناير الماضي، ثم أفرج عنها بعد أيام قليلة، تعيش اليوم في حالة اختفاء. وتقول لـ"اندبندنت فارسية" إنه "حتى بعد الإفراج عني لم أكن حرة فعلياً. كانوا يتصلون كل أسبوع، ويستدعونني ويهددونني. في النهاية فهمت أنني إما سأعود إلى السجن أو أختفي. حتى محام قال إنه إذا اعتقلت هذه المرة، وبسبب اعترافات أشخاص آخرين، فقد يُحكم علي بالإعدام".

وتضيف أنها "خلال الأشهر الماضية نادراً ما عدت إلى منزلي، ولم أستطع حتى حضور عيد ميلاد شقيقتي الصغيرة حتى لا أضع عائلتي تحت الضغط، لا أذهب إلى البيت إلا نادراً جداً. أمي تبكي بعض الليالي وتقول: ليتك لم تذهبي إلى الاحتجاجات أصلاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول شاب يبلغ من العمر 19 سنة من مدينة كرمانشاه، تعرض مساء 8 يناير الماضي، لإصابة برصاص الشوزن، إن الشظايا لا تزال مستقرة في جسده، لكنه لا يجرؤ على التوجه إلى المستشفى. ويوضح "أخشى أن تقوم إدارة المستشفى أو بعض الأطباء بإبلاغ الجهات الأمنية. كثيرون تم اعتقالهم بهذه الطريقة. لم أذهب حتى لعلاج عيني".

ويضيف "أعيش حالياً في منزل خارج المحافظة وأعاني من كوابيس مستمرة ليلاً. نحن لم تتلطخ أيدينا بالدم ولم نرتكب أي ذنب، لكنني أستيقظ أحياناً مفزوعاً وأظن أنهم سيكسرون الباب ويعتقلونني ثم يعدمونني. لم أعد حتى أعرف كيف كانت الحياة الطبيعية من قبل".

بعض هؤلاء الشباب انفصلوا تماماً عن حياتهم السابقة. أحد المتظاهرين في شيراز يقول "عملياً تم حذفي من الحياة. لا أستطيع الذهاب إلى العمل، ولا العودة إلى الجامعة، ولا حتى استخدام بطاقتي البنكية. حياتنا أصبحت فراراً واختباء. أحياناً أهرب إلى الجبال، وأحياناً أختبئ في بيوت أصدقاء أو أقارب بعيدين. لا أعرف إلى متى أستطيع الاستمرار هكذا. ربما في النهاية سأستسلم وأذهب لتسليم نفسي".

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن الضغوط الأمنية لا تقتصر على المتظاهرين أنفسهم، بل تمتد إلى عائلاتهم التي تخضع للاستجواب والتهديد والمراقبة. فقد أجبرت عائلات بعض هؤلاء الشباب على توقيع تعهدات، كذلك جرى التحكم في هواتفهم، وتعرضوا لتهديدات بالاعتقال بهدف إجبار أبنائهم على العودة.

ويقول مصدر مقرب من عائلة أحد معتقلي احتجاجات مدينة رشت "قالوا لوالده، إذا لم يعد هو، سنعتقل شقيقه الأصغر. العائلات عملياً أصبحت رهينة".

وفي الوقت نفسه، تحذر منظمات حقوقية من أن النظام الإيراني، إلى جانب موجة الإعدامات، يمارس شكلاً من الاستنزاف النفسي طويل الأمد بحق الجيل الشاب من المتظاهرين. جيل يعيش منذ أشهر، حتى بعد توقف الاحتجاجات، في حالة ملاحقة دائمة وعدم استقرار وخوف مستمر.

ويختتم أحد هؤلاء الشباب حديثه، بعد صمت لثوان وهو يتحدث بحذر شديد خشية أن يسمع صوته، بجملة تبدو تلخيصاً دقيقاً لوضع كثير من الناجين من احتجاجات يناير الماضي، "نحن أحياء، لكننا لا نعيش. من الصباح حتى الليل نفكر فقط كيف لا نعتقل أو نعدم. برأيكم، إلى متى علينا أن ننتظر انهيار النظام أو اندلاع احتجاجات شعبية أوسع؟". 

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

المزيد من تقارير