ملخص
على رغم التقدم المعلن في المفاوضات بين واشنطن وطهران، جدد الرئيس الأميركي ترمب التلويح بالخيار العسكري مهدداً بـقصف أعنف إذا رفضت إيران الشروط الأميركية، في وقت تبدو فيه إدارته حريصة على تجنب استئناف الحرب والسعي نحو اتفاق ينهي التصعيد. وبينما تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري وفرض حصار على مضيق هرمز، تراهن على الضغط العسكري لانتزاع تنازلات تتعلق بالبرنامج النووي والملاحة.
أثار تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء باستئناف القصف ضد إيران في حال عدم موافقتها على الشروط الأميركية تكهنات حول تصعيد محتمل، وقال، "إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من قبل". ومع ذلك، تفيد المؤشرات الحالية بأن إدارة ترمب ماضية نحو طي صفحة الحرب، إذ أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أمس الثلاثاء نهاية عملية "ملحمة الغضب" بعد خمسة أيام من توجيه ترمب رسالة إلى الكونغرس أبلغه فيها بانتهاء الأعمال القتالية مع إيران، على خلفية انقضاء مهلة الـ60 يوماً التي يجوز للرئيس خلالها شن عمليات عسكرية من دون تفويض من الكونغرس.
الهدنة الهشة
عملياً اتخذت إدارة ترمب قرارات من شأنها تهدئة الوضع والحفاظ على الهدنة الهشة، إذ خفت وتيرة العمليات الأميركية منذ الوصول إلى الهدنة في أبريل الماضي واقتصرت على محاصرة مضيق هرمز. في المقابل، خرقت إيران الهدنة هذا الأسبوع بعد الهجوم على عمان والإمارات، فيما بدا رداً على "مشروع الحرية" الذي أطلقته واشنطن لمساعدة السفن على مغادرة مضيق هرمز. وبعد يومين من إعلان المشروع، صرح ترمب بأنه سيعلقه فترة وجيزة بناءً على طلب باكستان، ملمحاً إلى الاقتراب من اتفاق "كامل ونهائي" مع طهران.
وعلى رغم أن الرئيس الأميركي لم يستبعد استئناف الحرب، فإنه بدا مفضلاً طي صفحتها خصوصاً مع قرب الانتخابات النصفية وتأثير الحرب في شعبيته، لكن ترمب لا يزال يستخدم الخيار العسكري كفزاعة وأداة ضغط تفاوضية لتحسين مكاسبه وانتزاع تنازلات إيرانية أكبر، إلا أنه هذه المرة لم يوضح ما إذا كانت الخيارات التصعيدية تتجاوز القصف الجوي لتشمل تحركات برية في مضيق هرمز، أو عمليات برية خاصة لاستخراج اليورانيوم من المنشآت النووية كما أفادت تقارير سابقة، ولم يحدد ترمب نوع الأهداف، وما إذا كانت البنية التحتية للطاقة والكهرباء التي هدد بتدميرها قبل أسابيع ستكون هدفاً، مما يرجح تفضيلاً أميركياً لوضع حد نهائي للحرب.
حتى الآن تبدو إدارة ترمب مقتنعة بخطر الانزلاق نحو حرب برية أبدية، ولا تريد تكرار سيناريو العراق وأفغانستان، لكن الأمر يعتمد في نهاية المطاف على التنازلات الإيرانية وما إذا كانت ستواكب طموحات ترمب، الذي هدد بوضوح بقصف أعنف في حال رفضت إيران الالتزام بالاتفاق. لم يكشف الرئيس الأميركي أي تفاصيل حول الاتفاق الذي يتحدث عنه، لكن موقع "أكسيوس" نشر مذكرة أميركية تحوي بنود اتفاق محتمل ينص على التزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم فترة محددة، مقابل موافقة واشنطن على رفع العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى رفع القيود المتعلقة بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
شبح الحرب
على رغم ازدياد فرص إبرام اتفاق فإن شبح الحرب ما زال قائماً، فالجولات التفاوضية السابقة تخللتها لحظات تفاؤل إلا أنها سرعان ما انهارت، كما حدث في مفاوضات 2025 التي أعقبتها عملية "مطرقة منتصف الليل" ضد أهم ثلاث منشآت نووية إيرانية، ولاحقاً في مفاوضات جنيف 2026 التي سبقت عملية "ملحمة الغضب"، ولذلك يخشى أن يكون مصير مفاوضات إسلام آباد مشابهاً بعد فشل جولتها الأولى.
لكن ما يخفف الشكوك حول انهيار هذه المفاوضات هو أن الخطاب الأميركي مهد أخيراً لمرحلة ما بعد الحرب، وترافق ذلك مع مرونة أميركية مع الوساطة الباكستانية تجلت في تعليق "مشروع الحرية"، وقد عبر عن ذلك رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بقوله "أنا ممتن للرئيس دونالد ترمب على قيادته الشجاعة وإعلانه في الوقت المناسب عن وقف مشروع الحرية في مضيق هرمز".
وكتب ترمب في تدوينة على تطبيق "تروث سوشيال"، "بناءً على طلب باكستان ودول أخرى، وبعد النجاح العسكري الهائل الذي حققناه خلال الحملة ضد إيران، إضافة إلى إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي مع ممثلي إيران، فقد اتفقنا بشكل متبادل على تعليق مشروع الحرية فترة قصيرة، مع بقاء الحصار قائماً بالكامل، وذلك لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استكمال الاتفاق وتوقيعه".
هذا التقدم في المفاوضات تزامن مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين، التي تعد الأولى منذ اندلاع الحرب، وتأتي قبل أسبوع من زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين، حيث سيلتقي نظيره الصيني. وتجنبت الصين أخيراً توجيه انتقادات قوية لسلوك الولايات المتحدة في الحرب كي يتسنى عقد القمة بسلاسة بعدما تسببت الحرب بتأجيلها سابقاً.
وقال المستشار في مجموعة الأزمات الدولية علي واين، "بالنظر إلى الدور الذي اطلعت به الصين في المساعدة على تشجيع إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في المرة الأولى، أتوقع أن يكون لها دور دبلوماسي مهم، إذ رجع الإيرانيون إلى طاولة المفاوضات"، وأضاف، "أعتقد أن الصين ينتابها بعض القلق من أن يؤدي صراع مطول بين الولايات المتحدة وإيران إلى مزيد من التوتر في علاقاتها مع دول الخليج"، وفق "رويترز".
اتفاق محتمل
وتنص المذكرة الأميركية على إنهاء الحرب وبدء مفاوضات في جنيف أو إسلام آباد تمتد لـ30 يوماً للتوصل إلى اتفاق تفصيلي في شأن فتح المضيق، وتقييد البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات الأميركية، على أن ترفع تدريجاً خلال تلك الفترة القيود الإيرانية على الملاحة في المضيق، وكذلك الحصار الأميركي. وفي حال انهيار المفاوضات ستتمكن القوات الأميركية من إعادة فرض الحصار أو استئناف العمليات العسكرية.
وتعد مدة وقف تخصيب اليورانيوم اللازم لتصنيع قنبلة نووية من أبرز القضايا الخلافية، فبينما تطالب واشنطن بوقف التخصيب لمدة 20 عاماً، اقترحت إيران مدة خمسة أعوام، وتسعى الولايات المتحدة إلى تضمين بند ينص على أن أي انتهاك إيراني لوقف التخصيب سيؤدي إلى تمديد فترة وقف التخصيب، وبعد انتهاء تلك الفترة ستسمح لإيران بالتخصيب عند مستوى منخفض يبلغ 3.67 في المئة.
وستتعهد إيران، وفق المذكرة الأميركية، بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، ومنع تشغيل منشآت نووية تحت الأرض، والموافقة على نظام رقابة مشدد على المنشآت الإيرانية، يتضمن عمليات تفتيش مفاجئة من قبل مفتشي الأمم المتحدة. وفي المقابل ستلتزم الولايات المتحدة برفع تدرجي للعقوبات المفروضة على إيران، والإفراج التدرجي عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة حول العالم.
وعلى رغم التقدم المعلن في المفاوضات، وفي ظل تأكيد مصادر باكستانية التوصل إلى مسودة اتفاق يحظى غالب بنودها بموافقة الطرفين، ويتضمن تعهداً إيرانياً بعدم السعي لسلاح نووي، فإن الولايات المتحدة أكدت أن الحصار على مضيق هرمز ما زال مستمراً، في حين لم يستبعد ترمب احتمال استئناف العمليات العسكرية، ويرجح مراقبون اكتفاء واشنطن بضربات محدودة في حال انهارت المفاوضات.
التهديد الأميركي بالتصعيد لا يمكن التقليل من شأنه، فمنذ التوصل إلى الهدنة في أبريل الماضي لم تتوقف أميركا عن تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، إذ أرسلت قبل نهاية أبريل نحو 6 آلاف جندي إضافي على متن حاملة الطائرات "يو أس أس جورج بوش الأب" والسفن المرافقة لها إلى المنطقة، إضافة إلى 4200 جندي إضافي من مجموعة "بوكسر" البرمائية القتالية ووحدة مشاة البحرية الـ11 التابعة لها، ومن ثم توجد حالياً ثلاث حاملات طائرات أميركية في المنطقة إلى جانب حاملتي "أبراهام لينكولن" و"جيرالد فورد" اللتين شاركتا في العمليات ضد إيران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقبل يوم من تعليق مشروع الحرية، وصف وزير الخارجية الأميركي القادة الإيرانيين بأنهم "مختلون عقلياً"، وقال إنه ليس من الواضح ما إذا كانوا سيوافقون على إبرام اتفاق، ولا يزال الخلاف حول استعادة اليورانيوم المخصب تحت الأرض هو التحدي الرئيس وفق روبيو. وفي حين أكد أن الولايات المتحدة لن تبادر من تلقاء نفسها إلى فتح النار، لكنه شدد على أن القوات الأميركية التي تنفذ هذه العملية سترد "بفاعلية قاتلة" إذا تعرضت للاستهداف.
ولا تستطيع إيران مجاراة القوة النارية الأميركية في مواجهة تقليدية مفتوحة، إذ يؤكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن لدى الولايات المتحدة ذخائر كافية لمواصلة الحرب وفق أي سيناريو معقول، لكن التحدي يكمن في الكلفة السياسية والاقتصادية، إذ تسعى إيران إلى رفع كلفة الحرب على واشنطن عبر خنق مضيق هرمز والاقتصاد العالمي. وحتى الآن أبدى ترمب استعداده لتحمل هذه الكلفة، بعدما أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود على المستهلك الأميركي.